Accessibility links

Advertisements
Advertisements

سمير عبدالفتاح*

أنا لستُ مشلولاً، لكن إصابة قديمة في قدمي تمنعني من السير، وتجعلني استخدم كرسيًّا متحركًا، وتجعل مَن لا يعرفني يظنّ أنني مشلول.

حتى جاري (قاسم) – الذي كان يسكن في الطابق الرابع – كلما أراد مضايقتي يهتف بأعلى صوته: “يا مشلول”.

كان قاسيًا في آخر مرة، حتى قبل أن يسقط من شقته في الطابق الرابع.. كان يصرخ (مشلول)، وهو يعلم جيدًّا أن تلك الكلمة تثيرني كثيرًا، وقد هددته مرارًا أنه سيدفع ثمنها غاليًا، فلا يزيده تهديدي إلا سخرية، ويشير إلى قدمي، ويقول: إنني لا أستطيع عمل شيء.

رجال الشرطة أخذوا أقوالي، وسألوني إنْ كنتُ سمعتُ شيئًا مريبًا، هم – أيضًا – كانوا يعتبروني مشلولاً، لكنني هززتُ رأسي بالنفي.. فأنا لم أسمع أي شيء، بل رأيتُ كل شيء.. وهم لم يسألوني إنْ كنتُ رأيتُ شيئًا.. ولو سألوني لقلتُ لهم: إنني كنتُ في شقته عندما سقط.

لا تزال كلماته ترنّ في أذنيْ: (أنني لا استطيع عمل شيء)، رغم أنه يعلم جيدًا بإمكانية سيري، حتى ولو كان بصعوبة، ويُسبّب لي ألمًا كبيرًا.

تركتُ شقتي – في الطابق الأرضي – في ذلك اليوم، وعندما رآني استند على باب شقته، وضحك بسخرية، ومشى حتى النافذة وفتحها، وهو ما يزال يضحك، وهو يقول: إن رائحة شللي تلوّث جوّ شقته.. وعندما رأى محاولاتي البطيئة للدخول إلى شقته هتف: “مشلول.. مشلول.. لن تصل إلى النافذة أبدًا”.

ازدادت آلامي مع اقترابي منه، بينما اخذ يتطلع إلى نقطة ما خارج النافذة.

توقفتُ عندما أصبحتُ على بُعد ثلاث خطوات منه لأتفحصه عن قرب وأستريح قليلاً بعد الجهد الذي بذلته.. كانت مجرد لحظات من التوقف استطعتُ فيها أن أسمع جميع خلاياه تهتف بإصرار: “مشلول..مشلول”.

صدّق أخيرًا أنني أستطيع القيام بشيء، وهو يحاول التشبّث بالهواء بعد أن سقط من النافذة، وكانت صرخته: “مشلول” هي الأخيرة.

  • روائي وقاص يمني
Advertisements

تعليقات