Accessibility links

Advertisements

طه العزعزي:
المغرور أنفي حين يتحمس لمناقشة عدة قضايا عفنة يطلب مني أن أُشعلَ لهُ أكثر من سيجارةٍ واحدة ليستمتع بالدخان رغمًا عن أنف هذه الحرب وقضاياها، وعلى الفور أقوم ملبيًا له طلبه بشفقة آدمي يتفاعل مع نزوات أعضائه البشرية مهما كانت سماجتها.. السابع من نوفمبر 2021، في يوم الأحد بالتحديد، طلب مني هذا الأنف القيام بذلك، وهو يصيح قائلاً:

– الأمر لا يحتاج إلى خفة، بل يتطلب الإذعان، ثم أردف بصوت غاية في الاختناق:

الأمر يحتاج إلى تركيز واحترام .

بدأتُ أُشعلُ السيجارة الأولى له متجاهلاً صوته الشنيع وهو يطلق أوامره كقائدٍ عسكري، احترقت السيجارة الأولى وصار رمادُها يُضاحك العدم، طلب مني بغلاظةٍ إشعال السيجارة الثانية فالثالثة، لدقائق معدودة ظللتُ أراقب فيها حالته وهو يضع الحلول لملفات شائكة لا يستطيع حلها أكبر كبير في هذا البلد، هناك قضايا مكتوبة على الورق ما إن كان يشمُّها إلا ويُسَيل عليها بسائلهِ المُخاطي القذر، وهناك أُخريات كان يتنفسُها، ظللتُ أراقبه وأنتظر طلبه لإشعال السيجارة الرابعة، كان منظر الدخان الكثيف الخارج من على فتحتيه بتوتر أسوأ من دخان سيارة متهالكة لا يهتم بها أحد، مرةً ما ينفث بالدخان إلى الخارج ويلعن رائحة عرق الإبط القريبة منه، ومرةً أخرى ينفث بالدخان ويطلب مني تجميعه في قنينةٍ ليشتمّه هو، ويشفطه دفعةً واحدةً إلى رئتي، ظللتُ أراقب في فتحتيه وحركة خروج الدخان المسافر خائفًا من أن تتسبب فعلته هذه بإتلاف رئة الوطن، وعلى الفور لبّيت طلبه وفضلتُ موت رئتي البسيطة، حالته وهو يضرب بنفثات الأدخنة تدل على عدة محاولات يريد هذا الأنف من خلالها أن ينتصر لنفسه عبر الرائحة وهو يعطيها، لكنه عند تدخين السيجارة الثالثة بدا مغترًّا بنفسه كثيرًا، يرتخي، ثم يتحرك، ثم يتراقص، مخاتلاً نسق الآدمية المنضبطة على وجهي، قليلاً فقليلاً، ووصولاً للاستعداد في القفز من على وجهي إلى النافذة، فالشارع كما حدث في المرة السابقة، قلة الأدب والحركات التي يقوم بها متواطئًا مع الظلام الذي يحجب ضوء المرآة أمامي تتمدد على طول العظمة التي توصل إطلالته فوق العالم، وتختبئ مختلطةً بالأوساخ التي توجد داخل فتحتيه، هذا الأنف لحظةً بلحظة ينحرف قلقًا من المصير، ومن حياتي أنا بالذات، عندما أحسست بما ينوي فعله لم أقم على الفور باستخدام أصابع يدي لتثبيته، هرعت بسرعةِ خائفٍ أمام المرآة، وبيدي ضوء مصباح هاتفي الرديء، اقتربت منها، أكثر فأكثر، حتى لامست بعلوّ أرنبتهِ سطح المرآة الأملس، بدا مُحمرًّا، يبدو أنه غاضب بحق، وخجل من نفسه وتصرفاته عندما أطللت على المرآة، المرآة تُحرج تقلباته عليّ، وتذكره بفضل إصبعي، ونيتي في الاهتمام به دومًا، ولكي يهدأ، مثلما يحدث دائمًا، نقرتُ بإصبعي بداخل فتحتيه فخرج أكثر من طاغية .

فكرتُ مرةً لو طار هذا الأنف من على وجهي وحط على مدينة باريس أو نيويورك العالميتين لحصلَ على فُرصة حياةٍ عظيمة لم يشتمّها ولم يحصل عليها من قبل رغم جهوده الثورية في تصحيح وضعه ووضع الخلق هنا، فمدينة كباريس تمنح أنوف مواطنيها طاقة من العذوبة والجمال الإضافي من خلال ما يتسلل إلى جيوبها الأنفية من روائح العطور والكلمات العذبة، أما مدينة كنيويورك فيكفيه أنه يوجد في مدينة الأنف الحاكم للعالم، لو ذهب أنفي لزيارة هاتين المدينتين أقسم بأنه لن يرجع، لقد ضاق به هذا الوطن الضيق الذي ضاق بمواطنين كنتُ أتمنى حشرهم مرةً واحدةً في ثقبيّ أنفي المتفتحين وقذفهم في المرحاض ككتلة أوساخ لا فائدة منها.. فكرتُ كثيرًا لو فرّ أنفي أو طار كعصفور أصفر من على وجهي، كيف سيبدو مظهر وجهي حين أتعاطى سيجارة رديئة، لا شك سيكون أشبه بمن أشعل قرطاس في مقلب قمامة فاحترقت برمتها.

يُعرف الواحد منا من خلال أنفه، الأنف خطوة قصيرة للمعرفة، والمعرفة خبرة كما قالت جدتي، فالجميع من حولي لن يمكنهم معرفة وجهي وقد فرّ هذا الأنف من عليه، ربما يُخَمّن البعض بضيق فيخلصون إلى أني بلا هوية، وربما يشك آخرون بعدم انتمائي لسكان هذا الكوكب اللطيف، والأسوأ تمادي البعض في خلق تهمة أنني لا أحمل ذرة وفاء للجيش من خلال تنازلي عن العضو النشط في تفعيل الحسّ الأمني، غير أن شكوكهم أيضًا ستتوصل إلى أن هذه الفعلة آخر ما توصل إليه علماء الطب ومختبراتهم العالمية للتخلص من فيروس كورونا.. يا الله، ماذا لو صحونا على مدينة كاملة سكانها بلا أنوف في المستقبل..!!

ما زلتُ أتذكر ذلك الشجار الحاد الذي وقع في أحد الأيام بين صديقٍ لي وبين أنفي. كلما بدت تفسح لي الذاكرة باستعراض ما حصل في ذلك اليوم أكاد أفطسُ من الضحك، لحظة أن كان يحدثني صديقي عازف “الكمان” عن مستقبله، ومن كونه يتملك شعورًا لا مثيل له في الفن، وأن عزفه لا يُمكن لأي ابن امرأة أن يجاريه في العالم، وأن فنه اللذيذ أصبح يُدرّس في العديد من المعاهد، لم يكمل صديقي الحديث لحظتها أو يسترح لتكية حرف أناته المتعالية إلا وقد بدا أنفي المتوتر يدفع ما بداخله مُصدِرًا صوته النشات الذي خُيّل لي لفرط هبوبه أن مروحية نزلت من السماء  لتزوده بطاقة دفع هوائية عظمى، لم أستطع لحظتها إسكاته، ولا هو احترمني طبعًا، غلبَ الظن صديقي بأني قمت بتحريض أنفي للقيام بهذه الفعلة من دافع حسد، غير أنه لا يعلم بأن هذه الفعلة نفسها عند هذا الأنف هي الأخرى نوع من الموسيقى كما حدثني هو ذات مرة، أيضًا قال لي في أحد الأيام، وهو واثق من نفسه، أنْ لا أحد يمكن له أن يجاريه في موسيقاه، بل إنه الأول في دفعته، وأنْ لا أحد منا نحن البشر في العالم كله يمكن له كتابة موسيقى نشتته الخاصة، كان صديقي يصيح بشدة، غير أنّ صياحه تلاشى عند ضجيج هواء النَفس المُكابر.. حقًّا، أتذكر هذا اليوم وأضحك حتى يهتز أنفي.

إن أنفي صديق أصدقائي، وضد أضدادي، ولا أذكر مرةً أني تركته جانبًا وذهبت في الخفاء للتعرف على صديق جديد، ما من صديق أتعرف عليه بالصدفة إلا وأطلقت أنفي لفحصهِ جيدًا وفحص دمه المزاجي الخفيف، واكتشاف رائحة الخيانة والأوساخ الخداعية التي تختبئ تحت أظافر أصابعه العشرين، إن أغلب أصدقائي شممتهم قبل أن أنظر إليهم وأعيش معهم، وقد خبرت عنهم من خلال أنفي من الذي يحمل الزهرة في قلبه، ومن الذي يخبئ ماسورة الصرف الصحية تحت لسانه، ومن الذي يضغط على زر علبة العطر ليخفي الروائح الكريهة المنبعثة منه .

***

برد صنعاء القارس الذي ينفذُ من أخشاب العظم  حتى، يبدو أنه في هذه السنة سيصيب أنفي بالنزول، لا أعبه بشيء غير هذا الأنف، لذلك سأبقى في المنزل حتى انتهاء فصل الشتاء، فقد قطعت عهدًا موثوقًا بالحفاظ على أنفي لأشياء كثيرة لا يعلمها أحدٌ سوانا، وهذا العهد لن يكون للمرة الأولى، ولا للمرة الأخيرة أن التزم به تجاه أنفي المسكين والرديء أحيانًا.

عندما اجتاح فيروس كورونا أنف العالم الاقتصادي، ظللتُ وأنفي في المنزل متورطين بتقليب دفتر الذكريات، وشتم تفاصيل الفرح الصغيرة التي ابتلعها فم الهواء المسافر باتجاهٍ بعيد، لم يكن أنفي جيدًا بصداقته معي في تلك الفترة وأنا أمضي محصورًا من أقصى زاوية في المنزل إلى أقصاها، وكأنني هارب من بوليس الحكومة، رغم أني كنت نبيه خيوط التقاطاته لروائح الأشياء.. كان يبدو لي مستهزئًا حين أُطِلّ بوجهي في المرآة، وأكبر مني وأوسم وأدق نباهة في مراتٍ كثيرة، وأحيانًا كان يفر من وجهي دون أخذ إذن مني والغرض أن يُبدي وجهي قبيحًا حين أُطلّ به في المرآة، إنها أسوأ فترة مررت بها، والتي وقعتُ فيها بخصام مع هذا الأنف، وقد تبادل كلانا فيها التهم المُؤكدة نسبيًّا، فقد اتهمته مرةً بأنه سيكون السبب لموتي إن تسلل هذا الفيروس اللعين من على فتحتيه وكتم عليّ أنفاسي مرةً واحدة، وقد اتهمني هو بأني أنا من يعرّضه لأسوأ أنواع الروائح في هذي الحياة التي لم يحدث فيها أن انكفأتُ به عند أرقى الأمكنة في البلد النتن هذا.

قضيتُ أيام العزل الصحي في المنزل، أحسست حينها أن أنفي الواقف وسط وجهي كحارس مزرعة مُطِلّ صار أكبر من المنزل ذاته وهو يتلذذ ويتلصص لاشتمام أي رائحة قد تتسلل من على النوافذ، وجهي النحيل لا يقوى على حمل هذا الأنف المتنطط كأرنبة جامحة، ولا حتى الوطن يليق بأنف يريد تنظيف نفسه بالروائح الراقية كروائح الزهور والعطور والبخور لا رائحة الدم والخيانة، كان مستاء أنني لم أذهب به إلى القرية ليشتمّ رائحة زهرة “الفيجل” التي اعتدتُ على زيارتها واشتمامها والجلوس بالقرب منها، كنت أحصر أنفاسه برائحة المرحاض النتنة في الحمام ورائحة الطعام والكتب فقط أثناء العزل الصحي، لو كنت وضعت الكمامة كواقٍ مهم من عدوى هذا الفيروس وخرجت به إلى الشارع لرَفض، فهو يريد دائمًا أن يطلّ، وأن يتنفس بشكل طبيعي كما خلقه الربّ.

لمراتٍ عديدة يطلب مني هذا الأنف بأن أنزعه جانبًا عندما أدخل لقضاء الحاجة في الحمام، كل هذا لأجل سلامته وظهوره الكارزمي استعدادًا لأنْ يشارك بنفسه في جائزة أجمل أنف كما يكرر عليّ أكثر من مرة، الجائزة التي فازت بها الممثلة التركية بيرين سات، وهو يقسم أنه أجمل من أنف بيرين سات، وأنه أنظف منه بكثير، وأرقى..

****

في صباح يوم جائع مثل معدتي التي لم تتناول أيّ قطعة خبز، أو حتى حشرة تسد رمقها، دخلتُ بهذا الأنف الجائع إلى شارع المطاعم، في هذا الشارع اشتممت ذات مرة بأنفي المجموعة القصصية “ناس شارع المطاعم”، ولم يتعافَ حينها هذا الأنف من هذا الشارع يومًا ما للِذةِ الصفراء التي وجدها فيه، حتى وهو بعيد منه، كان يحنّ له كما يحن لرائحة عطر الكازانوفا، عندما دخلت أول يوم في هذا الشارع كانت رائحة الطعام التي تفوح من على طاوات العمال وطاولات الزبائن تجعل من أنفي يتوتر بشدةٍ يرتخي معها ضوء الخبز لنفسه كابنة مدينة خضراء بين بنات الريف القاحل، لا أريد مفاوضة معدتي بقطعة خبز أُسكت بها تضاربه والدقائق المتسارعة لليوم ذاته، غير أن ما أسعى لفعله في ذلك الوقت كحدٍّ أقصى هو مفاوضة أنفي باشتمام روائح هذا الطعام ثم أمضي قُدمًا، وكفى.

للحظةٍ وأيامٍ سابقة، لم يتحمل معها أنفي الجائع الروائح الساخنة والدافئة، كان يضطرب كأن أحدهم قام ينقر أرنبته بعصًى فضية، فقد سقط من على وجهي إلى الأسفل كسقوط ثمرة ذابلة، كاد أحد المارة المتأنق بمظهر ملبسه وشحمة وجهه الغليظة أن يدهسهُ بقدمهِ اليُسرى، إلا أنني دفعتهُ من على صدره بيدي، وكأننا كنا في عراك، كان جميع من في الشارع من المتواجدين قد وقعوا في ذهول واندهاش، وقد دلت عليهم حواجبِهم المعقدة مثل أفعى ملتوية بداخل قارورة، غير أن دهشتهم هذه لم تمنعهم أيضًا من حشر أنوفهم الحيّة واللامعة في أنفي الدائخ، وسؤالي عن صحته، وعن ماذا جرى له ولوجهي، صرخ أحدهم بتطاول:

–  أنفُكَ.. أينَ أنفُك؟

بينما نطق الآخر بعد صمت مُحدق، وبريبة:

– أنفُكَ يا ولد، كيف ستعيش الآن؟ 

بدأت الأصوات تضج في الشارع اللعين، تنهرُ وتشمتُ بي وكأني أنا منْ قمتُ بِلكم هذا الأنف حتى سقط دائخًا.

لم تكن في يديّ رائحةً سوى رائحة الحروف والكتابة التي انتهيت منها قبل أن يحصل هذا الموقف، رائحة جائعة، وخالية من الماء والصابون، أعرفُ أن هذا الأنف الذي أحمله في وجهي ورثه لي والدي، أصحو به، وأمشي به، وأنام به، وأمرض من خلاله، وقد أموت من على فتحتيه، أعرفُ أيضًا أن هذا الأنف سيصحو بهِ إنسانٌ في القرن الثاني والعشرين .

   
 
Advertisements

تعليقات