Accessibility links

هيثم ناجي*
• النَّص الفائز بالمركز الثاني لجائزة الرَّبادي للقصة القصيرة (الدورة الأولى 2021)

Advertisements

جلسْنا نتبادلُ النظر بِقلق، كنتُ أحاولُ تجاهُل نظراته فأوجِّهُ بصري نحو السقف، وفي اتّجاه باب الزنزانة، لم ينبس ببنت شفة، وخجلتُ أنْ أسأله عن اسمه؛ علّه يمدُّ الذاكرة بأوّل الخيط لتسير نحو الماضي، وتتذكّرُ هذا السجين الجديد الذي تبدو ملامح وجهه مألوفة!
الزنزانة مربّعة وصغيرة، بناؤها قديم من الحجر رمَّمَته الحكومة السابقة قبل سقوطها بعام، الباب صدِئ لم تمسسه يد التجديد في شيء، أمّا أنا وشريكي في الزنزانة فملابسنا رثّة وطعامنا قليل، وسيُشاركنا به النزيل الجديد، ما زالت ثيابه جديدة، قد تكون غنيمة ليحيى صديقي السجين، الذي ما إنْ يدخل نزيلٌ جديد حتّى يُعرّيه، ويستحوذُ على ما يملكه، ويتقاسمه مع مَن يريد…
رمقتُ النزيل الجديد، كان ما يزال صغيرًا، ربّما لم يتجاوز التاسعة عشرة، انطباعي عنه كان سيّئًا، لقد قلتُ ليحيى الذي كان مستلقيًا على بطنه بصوتٍ خافت:
– يبدو أنّه لم ينضج بعد ليصير فردًا فاعلاً!
– أتظنُّ ذلك؟
– يجبُ ألّا أكون سطحيًّا هكذا حتّى أقرأ الآخرين دون معرفةِ مشاعرهم، قد يكون فتىً جيدًا، ولكنّ الحظّ لم يحالفه ليصير ما يريده.
يرفعُ يحيى رأسه، وينظرُ نحوي:
– يبدو أنّك لم تخرج بعد من مكتبتك.
يضعُ رأسه من جديد على الفراش، وينظرُ نحو الجدار:
– نحن هنا رفاق سجن، ولسنا أطبّاء نفسانيّين.
لم أكن مستعدًّا للنقاش مع يحيى، كما كنتُ أفعلُ معه خارج السِّجن، صمتُّ طويلاً أُحملق في تصرّف النزيل الجديد، الذي ظلّ واقفًا عند باب الزنزانة، ينظرُ إلى خارجها.
يتحرّكُ يحيى ليستريح على جنبه الأيمن، واضعًا يده على جبينه، لقد كنتُ قادرًا على إقناعه بما أريد، نحن صديقان حميمان، قصّة طويلة جدًّا أحدثتْ تغييرًا في حياتنا جعلتْ مركبنا ينحرفُ عن الطريق.
– أتنتظر أحدًا؟!
يقولُ يحيى ساخرًا.
– لا تسخر، الأمر لا يعنيك.
لم يكن النزيل الجديد قد اعتادَ على السجن، كان شعورًا جديدًا يتّقدُ داخله، إنّه الضمير يجلده بسوط التأنيب، تتبعه رغبة لاختراق القضبان والزمان والعودة إلى الماضي.
– يحيى أرجوك هذا لا يعنيك أبدًا.. ألا تتذكّر أيّامك الأولى في السجن؟
كنت تُخطّط لحفر نفق يساعدك على الهروب، يُستحسَن أنْ نؤانسه ونشاركه شعوره.
– ما هي تُهمتك يا فتى؟
يقولها يحيى وكأنّه يحاول مؤانسته.
يجلسُ النزيل الجديد، ويقولُ غير آبه:
– يُستحسن ألّا تعرف!
– إنّك عنيد على ما يبدو، ولا تُحسِنُ التصرّف مع الآخرين، أظنُّ أنّ لسانَكَ هو مَن ساقك إلى هنا.
– لا بأس، يا عزيزي، ما هو اسمك؟
أحاولُ صياغة انطباعٍ جيّد عنّا في رأس الفتى، وأقول:
– دعنا نتحدثُ عن أنفسنا، كلّ إنسان يحملُ في جعبته قصصًا كثيرة، وماضيًا قاده إلى هذا الحاضر…
تُقاطعني ضحكة يحيى:
– لقد كنتُ منطويًا تمامًا، أيّ أحداثٍ هذه التي عشتها!
قُل لي هيّا، امنحني خيطًا لِأتذكّر شيئًا من حياتك غير الملل والنوم تحت الطاولة…
كان يُقهقه حتّى أنّي لم أستطع فهم كلّ ما قاله، ولكنّه أغضبني كثيرًا، نظرتُ إليه بصرامة:
– أيّ ملل هذا الذي تتحدّثُ عنه يا يحيى؟! أتقصدُ العالم الصغير الذي كنتُ أعيشه، عندما كنتُ لا أعرفُ سوى الخير؟.. أتمنّى لو لم أخرج من حدود عالمي قطّ، ولم أنظر إلى هذا العالم الكبير… كنتُ أثقُ بجميع الناس، صرتُ الآن أخاف من ظلال البشر، وأراقبُ الآخرين خوفًا على ظلّي، ليتني كنتُ نائمًا الآن تحت الطاولة.
كانت مشاعر الغضب تضطرمُ داخلي، نظرتُ نحو بوّابة الزنزانة: أين هو؟!
يحيى باندهاش:
– مَن تقصد؟
– الفتى… النزيل الجديد.
– أنا وأنت وحدنا هنا، هذه الزنزانة لا تتّسعُ لغيرنا، ولن نسمحُ لأحدٍ البقاء فيها، هل تهذي؟
بدأتْ الشمس تنسحب، وتكسو الزنزانة بلونٍ أحمر، تمدّدْتُ على الفراش، نظرتُ نحو السقف، ودون أنْ أدرك، سألت:
– لماذا نحن هنا؟
– سؤالٌ سخيف.
تجهّمَ وجه يحيى:
– المكان هذا موجود لمن يُخطئ… هل نسيت؟
وضعتُ ساعديَّ خلف رأسي، نظرتُ نحو يحيى:
– أتمنّى أنْ أعود إلى تحت الطاولة، ليتني لم أكتسب شرًّا…
ودّعت الزنزانة النهار، وماتت في ذلك الليل النكات، وتوقّف الحديث بيني وبين يحيى، وبقيت أمنيتي بعودة النزيل الجديد إلى تحت الطاولة مجرّد مصارعة مع جدران الزنزانة.
لقد فهمتُ أنّ الضمائر كالأجساد لا تترك أصحابها أبدًا، ولكنّها قد تنامُ طويلاً، هل كنت سأدرك هذا لو كنت نائمًا تحت الطاولة؟!

  • 174
    Shares
Advertisements

تعليقات