Accessibility links

بين العقل الجمعي والصمت وبناء العقل الواعي.. أين نحن؟


Advertisements

بلقيس محمد علوان*
الصح والغلط، والعيب وما ليس عيبًا، ما الذي يحدده؟

كيف ينظر الناس لقضاياهم وكيف يتعاملون مع أزماتهم؟ وعلى أي أساس يقررون ردود أفعالهم؟

في كل الإجابات سنجد أن محاكاة ما يفعله الآخرون في المجتمع هي الغالبة، وكأن هناك معايير غير مكتوبة، ولكنها متبعة وملزمة بدرجة كبيرة، الجميع يتصرفون بالطريقة نفسها حيال مواضيع وقضايا بعينها، ويطلقون الأحكام ذاتها، لأنهم يعتقدون أنها المواقف والأحكام الصحيحة ما دامت هي مواقف وأحكام الأغلبية، وكأن عقلًا واحدًا يفكر للجميع.

عرف “غوستاف لوبون” الطبيبُ والمؤرخُ الفرنسيُّ وأحدُ مؤسسي علم النفس الاجتماعي العقل الجمعي بأنه: ((الاستجابةُ غيرُ العقلانية لِمَا تردِّدُه الجماعةُ))، بمعنى أننا نتبنى رأيًا ما أو نتخذ تصرفًا ما كردّ فعل لأن هذا سلوك ورأي الجماعة أو الغالبية من الناس، وبالرغم من أن الكثرة لم تكن يومًا مقياسًا للصواب، إلا أن الحاصل هو التبعية لرأي الأغلبية، وسنسمع من يقول: “مع الجماعة رحمة”، ومن يقول: “مع إخوتك مخطئ ولا وحدك مصيب”، ويرى عالم الاجتماع الفرنسي “ايميل دوركايم” الذي صاغ نظرية العقل الجمعي أن التصورات الفردية تتكاثف بفعل عوامل عدة لتشكل عقلًا جمعيًّا خارجًا عن إرادة الأفراد، وهو ما يشكل بمرور الوقت إلزامًا لهم، ونستطيع القول: إن العقل الجمعي ظاهرة اجتماعية يعجز فيها الأفراد عن الانفراد بأفكارهم ومواقفهم وقرارتهم، ويفترضون أن مواقف الجماعة وسلوكياتها هي الصحيحة، وهي الجديرة بالاتباع. 

يتكون العقل الجمعي بفعل التراكم التاريخي للعادات والتقاليد والأعراف وتقديس الرواسب الثقافية والإبقاء على العمل بها، ولا يمكن إغفال تأثير اللغة والحكايات والأمثال والفنون الشعبية والأحداث والتجارب التي مر بها المجتمع، ويساهم الإعلام في ترسيخ فكرة العقل الجمعي من خلال ما يقدمه من مضامين عبر وسائله التقليدية والحديثة، كما يمكن أن يقوم بدور عكسي تمامًا، والأمر متوقف على ما يقدمه وعلى السياسة الإعلامية التي ينضوي الإعلام تحتها، وللنظام السياسي والاقتصادي المتبع دور واضح في الإبقاء على العقل الجمعي، وعدم التأثير فيه، وتجدر الإشارة إلى أن العامل الديني من أهم العوامل التي لها دور كبير في تركيبة العقل الجمعي للمجتمعات، وذلك باعتبار الدين عنصرًا مهمًّا في المنظومة الثقافية والأخلاقية التي تتكئ عليها  هذه المجتمعات.

 بالتأكيد ليس كل ما ينتج من قرارات أو ردود أفعال نابعة من العقل الجمعي تكون محل نقد أو رفض، فالإيجابي فيها كثير، وما يتفق مع القيم الدينية والإنسانية، والأخلاقية فيها كثير أيضًا، لكن تظل هناك مساحة واسعة مما يجب إعادة النظر فيه، ولو أمعنا النظر لوجدنا الكثير من المفاهيم والأفكار والاتجاهات قد تغيرت بمرور الزمن، ولكن من بدأوا التغيير كانوا هم والتغيير محل رفض ومقاومة، بل تعرض كثير منهم للعنف والإقصاء والعقاب.

ما الذي يقف أمام القبول أو الرفض لأي مستجد في المجتمع سواء أكان هذا المستجد فكرة أو تقنية تدخل لحياتنا؟ الإجابة هو رأي المجتمع، أو رأي الغالبية، هل هم مع أو ضد، وبالتالي ستجد  الفكرة أو التقنية القبول أو الرفض، وبالعادة فكل جديد فكرة كان أو تقنية هو مرفوض ومحل شك وريبة، لكن تدريجيًّا تجد التقنية من يتبناها بأعداد بسيطة، وبالعادة فإن المتبنين هم من الرواد والفئات العمرية الشابة والمغامرين الذي يحبون التجريب ويتحملون تبعاته، وبمرور الوقت يزيد عدد المتبنين للتقنية أو الشيء المستحدث إلى أن تصبح سائدة ومنتشرة، ويصبح القلة من الناس فقط من لا يتعاطون مع هذه التقنية أو ذلك المستحدث، ولعل التلفون المحمول بمراحل تطوره المتتالية أقرب مثال يوضح لنا كيف كان الرفض والقبول التدريجي إلى أن أصبح أغلب الناس لا يستغنون عنه، لكن الأفكار تأخذ وقتًا أكبر لتنتشر، وأصحابها يدفعون ثمنًا باهظًا لنشرها، والأنبياء والمصلحون خير مثال، فقد عانوا في بداية نشر رسالاتهم، ونالهم الكثير من التنكيل والمقاومة.

تختلف قوة وسطوة العقل الجمعي من مجتمع لآخر، وهي في المجتمعات التقليدية أقوى منها في المجتمعات الحديثة، وذلك تبعًا لشدة حضور عناصره ومكوناته أو ضعفها أو غيابها، فالمجتمعات التقليدية تعرف سيطرة كبيرة للعقل الجمعي بسبب تغلغل العادات والتقاليد والأعراف وقوة الانتماء وانتشار نمط الأسرة الممتدة ونظام القرابة، وكلها تسهم في إذكاء سطوة العقل الجمعي في المجتمعات التقليدية، وما يترتب عليه من إلزام الأفراد وإجبارهم على الدخول في دائرة الامتثال الاجتماعي، أما في المجتمعات الحديثة، فإن الأمر يختلف، فحضور العقل الجمعي في هذه المجتمعات يكون أقل بشكل واضح، وهناك مساحة كبيرة وكافية للأفراد لاتخاذ خيارات مختلفة، وللعقل الجمعي سلبيات كما أن له إيجابيات، ولعل من إيجابياته الحفاظ على وحدة الجماعة أو المجتمع والإبقاء عليها من أجل تحقيق أهداف حضارية مرسومة، مع التأكيد على أن لكل مجتمع أهدافه وغاياته التي يضع لها معايير ووسائل للوصول إليها، ومن سلبيات العقل الجمعي: تكبيله لحريات الأفراد وخنقه للإبداع والابتكار تحت مبرر الحفاظ على السائد والمألوف، وهذا يحتم على الفاعلين في المجتمع من تعليم وإعلام ومؤثرين العمل على بناء العقل الواعي وفي طريقنا لبناءِ «العقل الواعي» المناهِضِ لـ «العقل الجمعي» اللا واعي لن يكون طريقنا مُعبَّدٌ خالٍ من العَقَبات، بل هو بمثابة السباحة عكس التيار، وهذا يستدعي منا الصبر والاستعداد النفسي لمواجهة وتحمل كلما يمكن أن نواجهه من رفض ومقاومة. 

في حقيقة الأمر كثير مما يفرضه علينا العقل الجمعي من أفكار واتجاهات لا نجد لها في كثير من الأحيان تفسيرًا مقنعًا، وهذا يحدث بشكل دائم في ظل ما نشاهده خلال الحراك اليومي، سواء في الحياة الواقعية أو الافتراضية في مجال الرياضة، في الموضة، في الأكل ونمط الحياة، وفي العادات والتقاليد، ويجد الفرد نفسه إما مع الجماعة ورأيها لأنه يعتقد أنها دائمًا على حق، وأن رأيها هو الرأي الصحيح، أو أنه لا يتفق مع تلك الأفكار والاتجاهات، ويكون أمامه أحد خيارين، أما أن يتخذ موقف الصمت تجنبًا لاضطهاد الجماعة وخوفـًا من العزلة الاجتماعية، وربما يصل الأمر للخوف من (الفصل من الوظيفة، أو النبذ… إلخ)، وبالتالي إذا كان يؤمن بآراء مخالفة لرأي الغالبية في المجتمع، فإنه يحجب رأيه الشخصي، ويكون أقل رغبة في التحدث عن هذه الآراء مع الآخرين فيصمت، (وبذلك يكون السكوت في هذه الحالة علامة الرفض لا القبول)، أو أنه يتصرف بشكل أكثر إيجابية ويبدأ في محاولة بناء العقل الواعي وتقديم البديل ومواجهة الأفكار والاتجاهات المعيقة لحركة المجتمع بسبب تأثير العقل الجمعي.. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن أين نحن من هذه المواقف الثلاثة: بين الانصياع التام للعقل الجمعي أو الصمت أو بناء العقل الواعي؟

*كاتبة وأكاديمية يمنية.

   
 
Advertisements

تعليقات