Accessibility links

بين العالم الحقيقي والافتراضي: أين نحن.. مَن نحن؟


Advertisements

بلقيس محمد علوان*
مَن نحن على وسائل التواصل الاجتماعي؟

هل نحن حقيقيون؟ 

هل نُظهر أجمل ما فينا أم العكس؟ 

هل نستعرض، ونتنمر، ونعكس اختلالات نواقص شخصياتنا النفسية منها والاجتماعية؟

ما هو السلوك الاتصالي الأمثل والآمن لنا على وسائل التواصل الاجتماعي؟

هذه الأسئلة وغيرها كثير تتزاحم في الذهن بحثًا عن إجابات، وفي الواقع هي مادة لدراسات أجريت وتجرى وستُجرى في العلوم البينية بين علم الإعلام وعلم الاجتماع وعلم النفس والسلوكيات.

تشهد صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي بين وقت وآخر معارك افتراضية بين أشخاص على خلفية اختلاف قد يكون سياسيًّا، أو على مستوى آخر من القناعات الدينية أو الاجتماعية وحتى الفنية، وقد يكون الأمر شخصيًّا بحتًا، خرج من مساحة الخاص إلى العام على هذه الوسيلة أو تلك، ويتداعى المتابعون والأصدقاء للمشاركة والتعليق، وإن لزم الأمر سيكونون ملكيين أكثر من الملك، تمامًا مثلما يحدث في الواقع.

سمعت في ندوة قبل عدة سنوات من أحد المسؤولين في المرور في أمانة العاصمة: إن أغلب المشاجرات التي تحدث بين السائقين على الطرق الطويلة أو الداخلية أثناء الزحام، والتي قد يصل بعضها للاشتباك بالأيدي والأسلحة البيضاء أو النارية، وقد يخلف بعضها جرحى وقتلى.. يقول: أغلبها ما كانت لتصل إلى هذا المستوى لولا تدخل الركاب أو الأصدقاء الذين يتطوعون للمشاركة في الصراخ وتبادل الشتائم وإلقاء اللوم وتحميل الطرف الآخر المسؤولية كاملة.

هل ينطبق هذا الحال على معارك وسائل التواصل الاجتماعي؟

بنسبة كبيرة نعم.

ما الذي يحدث بالضبط؟ وما زلت أقول إن الأمر مثار كثير من الدراسات، وسيظل السلوك الاتصالي مادة خصبة للدراسة والبحث.

عندما يتعلق الأمر بمحادثات الوسائط الاجتماعية مقابل الدردشة الواقعية، فإن الأمر كله يتعلق بالمنظور: نظرتنا للواقع، مواقفنا من قضايا معينة، أو أشخاص معينين، ويزداد الموضوع حِدة عندما يكون أحد الأطراف في المحادثة أو المشاجرة امرأة، لحظتها ستظهر نظرتنا الحقيقية، موقفنا وصورة المرأة في أذهاننا أيًّا كانت، لن يتأخر العشرات عن كيل الاتهامات والتجني بل اختلاق المواقف والتأويل والربط بين الأشياء والتنقيب في منشورات وصور وتعليقات الماضي، وسيبحثون عمّا يعضد هجومهم، إنهم جاهزون تمامًا، وسيتطوع هذا أو ذاك لتسريب لقطات الشاشة لمحادثات على الخاص أو فبركتها للانقضاض على تلك المرأة التي قادتها قناعاتها لاتخاذ قرار رأت أنه الصائب، وبالمقابل يجد آخرون أنها فرصة مواتية لتصفية حسابات مع هذا الطرف أو ذاك، لكن كون أحد الطرفين امرأة فهي فرصة ذهبية لمعاقبة كل النساء من خلالها، فلا تستغربوا الهجمة الشرسة تطبيقًا للمثل الشائع “اضرب سعد…. يفهم مسعود”، لإيصال رسالة لكل النساء مفادها: أنكن النصَع السهل، وهذا مصير من تحاول أن تُقدِم على ما لم نعتده سواء أكان صحيحًا، أو أننا فقط لا نقبله كرأي أو موقف شخصي مبرره القوالب الجامدة التي تحكم تفكيرنا ونتناقلها من جيل لجيل.

كانت ردود الأفعال هذه أقل انتشارًا قبل وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تظل حبيسة المجالس والنطاقات الاجتماعية الضيقة، وفي أوسع الحالات تنتقل إلى صفحات الصحف، وتظل محصورة في حدود قرائها.

مثل هذه الوقائع حاليًّا تحظى بفرص انتشار أوسع بكثير مما كان في الماضي وفي الواقع هي تكشف لنا عن حقيقة كثيرين ممن يسعون كثيرًا لتجميل أنفسهم، وإظهارها بمظهر الشخص الذي يحترم الحقوق والحريات، ويؤمن بتمكين المرأة، ودورها وحريتها، لكن لحظة انفعال أو تعصُّب افتراضي تقلب الطاولة على وجوههم لتظهر حقائقهم ويقعون في شر أعمالهم.

في واحدة من المشاجرات على وسائل التواصل الاجتماعي كان موضع الخلاف قضية تتعلق بالملكية الفكرية ظهر المتعصبون الذين يقفون في صف المنتهك بحجة أنه ابن بلدك ويمثل بلدك، وهي مفارقة حقيقية فالحق حق كان لابن بلدك، أو لغيره، والملكية الفكرية مبدأ يحمينا جميعًا، كثيرون وقتها بدلاً عن الدفاع عن صاحب الحق تعاطفوا مع منتهك الحق ولاموا صاحب الحق لماذا يشهر بالمنتهك ويبلغ عنه ليثبت حقه.

وفي واقعة قريبة سببها تجاوز في محادثة شخصية، وسواء حدث ذلك التجاوز بقصد أو بدون قصد، فإن استطلاعًا سريعًا لردود الأفعال بالنسبة لي كان مروعًا لدرجة كبيرة: إلى هذا الحد يمكن أن نكون عنيفين ومتعصبين، ومتجنين؟

لقد انقسمت ردود الأفعال إلى عدة أشكال من الاستجابات، حاولت أن أحصرها للتعليق عليها:

هناك من وقف مع الطرف المتجاوز على اعتبار أن التصرف غير مقصود، وهناك من وقف معه باعتباره شخصًا منزهًا عن الخطأ، وشدوا على يديه، معتبرين تجاوزه ضربًا من بطولات الشباب التي تحدث حسب رأيهم بسبب تساهل البنات، والكثير من ردود الأفعال اعتبرت الموضوع شخصيًّا، وكأنهم الطرف المعني بالأمر، والمخول بالدفاع والهجوم معًا، كمية من الألفاظ البذيئة وغير اللائقة التي لا يقرها شرع، ويجرمها القانون صراحة، اتهامات وهجوم وعِداء غير عادي.. لماذا كل هذا؟

لا تخلو الأسباب من حقيقة أن التعصب هو جزء من تكوين كثير منّا في مواقفهم الصغيرة قبل الكبيرة، وبسبب التعصب سيمارسون العنف والتجني والظلم، ويستخدمون أسوأ الوسائل.

وكلما كان أحد أطراف الخلاف امرأة فسيسنون سكاكينهم للهجوم عليها والتشكيك في سلوكها وأخلاقها وسمعتها، والتعليق على ما تقول وتكتب وما تلبس، وبالمقابل تجميل وحماية وغسل الطرف الآخر، وهذا ليس تعميمًا، ولكنه تحليل لردود الأفعال التي تقف وراءها حقيقة: من نحن؟

هذه المهاترات والشجارات التي كانت تحدث في الواقع، ومع شيوع وسائل التواصل الاجتماعي انتقلت إليها.. تفصح لنا عن الجانب غير الأخلاقي في السلوك الاتصالي للبعض، وعن السلوك الاتصالي العنيف والمتعصب للكثيرين، وتكشف لنا أيضًا أننا غالبًا لا نُحسن التصرف، ونجهل القوانين والضوابط والأخلاقيات التي ينبغي أن ننتهجها في سلوكنا الاتصالي على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يكون هذا الجهل أقل تأثيرًا عندما يصدر عن العامة، لكنه غير مقبول من النشطاء والفاعلين على وسائل التواصل الاجتماعي الذين يتابعهم ويتأثر بهم الآلاف، وهو يدعونا جميعًا ليس فقط للتعرف على هذه القوانين والضوابط والأخلاقيات، ولكن أيضًا لإعادة النظر في سلوكنا الاتصالي على وسائل التواصل الاجتماعي، هذه المساحة التي يمكن أن تكون آمنة وصحية على الأقل في تواصلنا الاجتماعي الإنساني الذي ينبغي أن تحكمه وتنظمه أخلاقنا وقيمنا، والقيم لا تتجزأ، وفي ظل كون التقاضي في أمور الفضاء الإلكتروني ترفًا في ظل الحرب ومعركة لقمة العيش اليومية.. يفترض أن تكون قيم الاحترام والنزاهة والعدل والأخلاق موجهات لسلوكنا الاتصالي وردود أفعالنا في الواقع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا تغدو ساحة حرب أخرى.

* أكاديمية وكاتبة يمنية.

   
 
Advertisements

تعليقات