Accessibility links

باتريك زوسكيند وتجريب أشكال كتابية جديدة


Advertisements

وجدي الأهدل
باتريك زوسكيند الزاهد في المقابلات الصحفية والتلفزيونية الذي لم تنشر له أية صورة إلا فيما ندر هو أحد عبقريات عصرنا في الكتابة الأدبية. وروايته الخالدة “العطر” حققت مبيعات خيالية في شتى أرجاء المعمورة، وهي رواية تعد بحق سابقة لزمانها، ولكي تُكتب روايات على غرارها سيحتاج روائيو العالم إلى خمسين عامًا على الأقل حتى يستلهموا السبك التقني البالغ المهارة لمعلم يمتلك خيالاً مرعبًا.

وآخر ما وصلنا من نتاجات عنقاء الأدب هذا هو كتاب قليل الصفحات، ولكنه يترك أثرًا بالغًا في النفس عنوانه: “ثلاث حكايات وملاحظة تأملية”(1).

وتتحدث القصة الأولى “بحثًا عن العمق” عن فنانة تشكيلية شابة امتلكت موهبة فطرية في الرسم أي جمالاً في الروح، كما حباها الله بجمال الشكل. تقيم معرضها الأول ويحقق نجاحًا طيبًا، وتبدو مسيرتها الفنية واعدة. لكن فجأة يعترض طريق تطورها الطبيعي “الجمالي” ناقد فني معدوم الضمير يوحي مظهره بالجدية، ويكن له المجتمع مشاعر التقدير والاحترام. وبكل خفة وعدم تقدير لمسئوليته الأخلاقية يصف عمل الفنانة الشابة بأنه يفتقر إلى العمق. ويُصادق المجتمع الثقافي على هذا الرأي السخيف. ويدمغ به أعمال الفنانة الشابة. وتحت ضغط الرأي العام تتزعزع ثقة الفنانة بنفسها، وتحسب أن أعمالها تفتقر فعلاً إلى العمق! تصاب باكتئاب وتعتزل الناس، وتعجز عن رسم أي شيء، ثم ينتهي بها الأمر إلى الانتحار برمي نفسها من قمة برج عال. ما هو مريع قيام ذاك الناقد عينه بالكتابة في الجريدة مُعلقًا على أعمالها عقب وفاتها بأن فيها عمقًا! هكذا يتحول مصطلح “العمق الفني” إلى نكتة سوداء:

“أفلا تنطق أعمالها الأولى، الساذجة ظاهريًا، بذلك التمزق المرعب، ألا يُقرأ من تقنياتها صعبة المراس، صاحبة الرسالة، ذلك التمرد الموجه إلى الداخل، الذي يحفر الذات حلزونيًا، غير المجدي بشكل واضح، الذي يبديه المخلوق على ذاته؟ ذلك البحث الجبري خطير العواقب، أود القول، الذي لا يرحم، عن العمق”(2).

وهي قصة قصيرة بالغة الدلالة عن اتخاذ بعض المخلوقات “النقد الفني” ملهاة لهم، ووسيلة لكسب العيش عن طريق إيذاء مشاعر الآخرين. والأكثر فداحة عندما يتجرد الناقد من الضمير، فيبيح لنفسه إصدار الأحكام المستعجلة، مستخدمًا سلطته النقدية لتخريب المواهب الفطرية وتدمير بنيتها الإبداعية، مثاله كشخص لئيم يقوم بقطف الزهور الجميلة لكي يحرم المتنزهين من منظرها الجمالي البهيج.

وفي قصة “صراع” التي تتحدث عن مباراة في الشطرنج بين رجل شيبة مرتعش لكبر سنه “البطل المحلي”، وبين شاب متغطرس فخور بنفسه “لا يعرفه أحد”، يضعنا المؤلف في سياق مجازي متلألئ بالرموز.. إذ في داخل اللعبة لعبة.. نقلات الشاب الطائشة وحملاته الفاشلة لكش ملك الخصم، وردود الشيبة البالغة الحذر وعدم ثقته بنفسه ما أدى إلى تأخير انتصاره أمدًا طويلاً، كل هذا يحكي تاريخ الحروب العسكرية في أوروبا.. طيش زعمائها الشبان كنابليون وهتلر وانتهاء مغامراتهما العسكرية بهزائم ثقيلة. إنها واحدة من أروع القصص القصيرة التي يمكن لذواقة الأدب أن يطالعها معيدًا قراءتها مرات ومرات:

“وحيدًا يظل البطل المحلي. يعيد الملك الساقط إلى مكانه. يجمع القطع في علبة صغيرة. يبدأ بالقطع المأكولة وينتهي بالباقية على الرقعة. وبينما يقوم بهذا، يستعيد في ذاكرته، كما هي عادته، خطوات المباراة ومواقعها. لم يخطئ أي خطأ، طبعا لن يخطئ. ورغم هذا يبدو له أنه لعب أسوأ لعب في حياته. حسب سير المباراة، كان عليه أن يعمل كش مات منذ النقلات الأولى. فمن يقوم بنقلة بائسة على غرار التضحية التكتيكية بالملكة لاعب شطرنج مغفل، ودرج جان على الانتهاء من هكذا أغرار بسرعة ودون شك بالنفس، برحمة أو دون رحمة، حسب المزاج، لكنه لم يكتشف هذه المرة ضعف خصمه الحقيقي بالسرعة المطلوبة. أم أنه كان جبانا؟ لم يجرؤ على الحكم السريع على المحتال المغفل. بل وحاله أسوأ. فهو لم يبغ تصور خصمه بائسًا إلى هذه الدرجة. والأسوأ أنه آمن حتى نهاية الصراع أنه ليس ندًا للمجهول. لاح له أن ثقته العالية بنفسه، عبقريته وقدسيته لا تقهر. ولهذا لعب لعبًا أكثر حذرًا. وكل هذا غير كاف، فإذا رام الحقيقة، عليه أن يعترف أنه أعجب بالغريب على غرار الآخرين، بل وتمنى أن يغلبه الآخر، وأن يُلحق به الهزيمة، التي مل من انتظارها منذ سنوات وسنوات، بأكثر الطرق روعة وعبقرية ويحرره أخيرًا من عبء أن يكون الأقوى وأن يكون عليه التغلب على الآخرين، حتى يجد الجمهور النظارة اللؤماء، هذه العصبة الحسودة، الراحة أخيرًا، حتى تهدأ النفوس أخيرًا، وأخيرًا… لكنه عاد وربح. ويثير فيه هذا النصر اشمئزازًا أكثر من كل شيء آخر في سيرة حياته. فلكي يتجنبه أنكر طوال مباراة شطرنج ذاته وأهانها وجرد أسلحته كلها بوجه أبأس لخمة في العالم”(3).

وتنحو القصة القصيرة الثالثة “وصية المعلم موسارد” منحنىً بورخيسيًا مدهشًا.. وفيها يناقش الكاتب مشكلة وعينا الفردي بالعالم من حولنا. وكيف يقوم العقل بقولبة الوجود في بنية لصيقة بذاتنا وبهمومنا وحتى أمراضنا الجسدية! هذه النظرة الشخصية للعالم وتصويره على هوانا ومزاجنا هي محور هذه القصة الفاتنة. موسارد صائغ مجوهرات قرر في شيخوخته أن يتجه للبحث العلمي، فلما أصيب بمرض نادر “الشلل التصدفي” توهم أن العالم أيضًا يعاني من التصدف، وأن كوكب الأرض ستحل نهايته قريبًا بسبب تصدف البر والبحر! يرمز المرض الجسدي أيضًا إلى العقائد والإيديولوجيات التي تمرض النفوس البشرية وتجعلها تطابق بين انطفائها المعنوي وقرب نهاية العالم.

ولدينا نص رابع سماه المؤلف “ملاحظات تأملية” يحكي عن رجل أنفق عمره في قراءة الكتب ثم إذا به لا يتذكر شيئًا من كل ما قرأ. فيتأمل حالته ويستغرب لماذا بدد حياته في اكتساب شيء كان يتسرب منه باستمرار حتى لم يبق منه شيء يذكر! يُسمّي المؤلف هذه الحالة بتسمية دالة “فقدان الذاكرة الأدبية”. ويبدو أن مؤلفنا باتريك زوسكيند قد رشقه أحد الصحفيين دون مبالاة تقريبًا بسؤال من العيار الثقيل، شقلب كيانه رأساً على عقب:

“ماذا كان السؤال؟ نعم، نعم. طيب، طيب. ما هو الكتاب الذي أثر فيّ، طبعني بطابعه، دمغني بدمغته، هزني من الأعماق، الكتاب الذي حدد خط حياتي أو الذي أخرجني من مساري”(4).

يوحي المؤلف بأن النص مقال أدبي وليس قصة.. ولكن هذا المقال فيه من أدبية القصة ما يكفي وزيادة لنعدها قصة جيدة لا غبار عليها:

“هل قرأت ثلاثين عامًا عبثا. آلاف ساعات طفولتي، شبابي وكهولتي أمضيتها في القراءة ولم أحتفظ منها إلا بنسيان شامل. ولو أن هذه الكارثة تضمحل، لا على العكس، إنها تسوء. إذا قرأت اليوم كتابًا أنسى بدايته قبل أن أصل إلى نهايته. أحيانًا لا تكفي قوة الذاكرة لمتابعة مطالعة صفحة واحدة وهكذا تطلع روحي فقرة فقرة، جملة جملة. وقريبا سأصل إلى حد لا أفطن فيه بوعي إلا إلى الكلمات المفردة، التي تتدفق من ظلام نص يزداد غرابة علي، تتوهج في لحظة القراءة كمذنبات لتهوي للحال في تيار نهر النسيان المعتم”(5).

المؤلف ذاته لا يحسم أمره. وربما عن قصد قام بلعبة من ألاعيبه السردية ليوهمنا أن ما يحكيه مقال تأملي وليس بقصة. ولكننا عندما نتأمل في تأملاته نكتشف أن في داخلها شكلاً جديدًا حداثياً من أشكال كتابة القصة القصيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ثلاث حكايات وملاحظة تأملية: باتريك زوسكيند، قصص، ترجمة كاميران حوج، منشورات الجمل، كولونيا/بغداد، 2007.

(2) المصدر السابق، ص 11ـ 12.

(3) المصدر السابق، ص 27ـ 28.

(4) المصدر السابق، ص 55.

(5) المصدر السابق، ص 61.

*روائي وكاتب يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات