Accessibility links

شات، صوَر، ألعاب، توحُّش، استغلال، وقضايا تنتهي بالقهر، الثأر، والمحاكم..!

Advertisements

عبدالله الصعفاني*

اعتنوا بتربية الناشئة والشباب، وإلا فسيتولى الشيطان تربيتهم.. عبارة قالها حكيم فذكّرني بقول شاعرنا العربي القديم: 

إنّ الشباب والفراغ والجِدَة/ مَفسدة للمرء أيّ مَفسدة

وإلى زمنٍ غير بعيد كان المقصود بما سبق دعوة أولياء الأمور من مواقعهم المختلفة للاقتراب من الأبناء وإجادة مهارات تربيتهم؛ لأنّ الأب ربّ.

و الأم مدرسة.. وضروري أن يكون في البيت من يقول للأبناء (ذكورًا وإناثًا):

هذا صح وهذا غلط.. هذا ممكن، وذلك لا يجوز، مع شيء من المتابعة، ومعرفة من هُم أصدقاء الولد وصديقات البنت، واختيار المدرسة القريبة للتقليل من مخاطر الطريق، وتذكيرهم بمحفوظات (أنّ الصاحب ساحب، وأنّ القرين إلى المقارن يُنْسب.. وقلْ لي مَن هم رفاقك أعرف مَن تكون)، بالإضافة  إلى رسم بعض الخطوط بين ما هو كائن وما يجبُ أن يكون! 

أما في زمن الفضاء الكوني المفتوح وما بعد التلفزيون فيصح الجزم باتساع الخرق على الراقع، وإلاَّ ما الذي تبقَّى للأب والأم من خيارات إبقاء الدور القديم للبيت في قضية التربية؛ فالعالم لم يعد قرية وريموتًا تتحكمُ فيه أصابع وشاشة يتابعها الجميع، ويوجه مسارها بذكاء كبار الأسرة فحسب، وإنما صار الهاتف في متناول الجميع، وبخدمات تسهيلية داخل شبكات عنكبوتية تُقرِّبُ الهاوية من مراهقين أخذَ بعضهم طريقه إلى الشات بجانبه السيئ، وإلى غير ذلك من بثٍّ خدماتي يُلبّي فضول عقول طرية، وحتى أدمغة ذات نزعة متصابية ومشدودة إلى ما يفسد أخلاق صغار السِّن وكبارهم.

 في الشات يدخل ذكور بأرقام وأسماء إناث، وينتقلُ العام إلى خاص، وفيه يمكنُ الانتقال من التحية والسلام إلى طلب رصيد، إلى صور يجري استغلالها في ما بعد، فتكون مقدمة إمَّا للابتزاز والاستغلال المادي وحتى الجنسي، أو لانكشاف الأمر وتصاعد ردود الأفعال التي لا تخلو من حكاياتها ملفات أجهزة الأمن والبحث وحتى المحاكم.. وهنا يصح التحذير بالقول: انتبهوا… فقد صار الهاتف بشاته وصوره وفيديوهاته شيطانًا أو نصف شيطان في منازلنا.

 صار العالم كله مجرد شاشة هاتف تُقاس أطوالها بالسنتيمتر، وعلى مسافة قريبة من عين زائغة، وأصبع لا تتوقف إلا لتعاود الضغط من جديد. 

وهنا فالمشكلة ليست في كون العالم بين يدي مراهق يحيطُ اختياراته بسرية كبيرة، وإنما في أنّ مَن يُهيئ أسباب التواصل والمادة المنشورة لا يرقب في الأطفال والمراهقين إلاًّ ولا ذمَّة.. ولا مبالغة. 

في بيت كلّ منّا شيطان، وفي غرف نوم شبابنا وحْش أجهزة هاتف تتغذى على جهاز بثٍّ جماعي أو كروت وأرصدة تستنزفُ مصروفات العيال لصالح ما يعبثُ بالعقول الصغيرة، ويحتلُّ منهم مستقبلات الذاكرة وتلافيف الأدمغة، في عملية ظاهرها إطلالةٌ على العالم والاقتراب من فوائد تكنولوجيا المعلومات، وباطنها عبثٌ بالعقول وإفسادٌ للتربية.

ومَن يُتابع سيقفُ على جرائم أخلاقية يكون وراءها دردشة الشات التي تبدأ في ظاهرها بالفضفضة وتنتهي بالوقوع في ما لا تُشكر عواقبه.. كلام وصور ينتقل أوار خطرها إلى الواقع، والبقية معروفة.. وكم قرأنا عن صداقات تتحولُ إلى بذاءات وإلى ورطات حيث لم يعد كافيًا أنْ نرى نساء يَخترن وظيفة العمل في محلات صيانة الهواتف لتجنُّب مخاطر انتفاء خصوصية ما تحتويه الهواتف.

إنّ للبوابات الإلكترونية مخاطرها ومخانقها، وفيها من الإغراء ما يجعلُ الاستخدام إدمانًا، ويدفعُ مراهقين في الذي كنا نُسميه قلة أدب، وهناك من النتائج ما نراه في توحُّش صغار يعتدون على بعضهم ويسيئون التصرف تجاه مدرّسيهم، بل ويقول الواحد منهم لمُعلمه في المدرسة الخاصة: (بفلوسي).. وجميعنا وصلتْه أخبار من هنا وهناك حول ألعاب توحش تدفعُ مراهقًا إلى ما يعتبره ترقيًا في الألعاب ينتهي بعضه إلى الانتحار، كما حدث في أكثر من دولة عربية.

وكنتُ قرأتُ خبرًا عن إلقاء الشرطة البريطانية القبض على شاب انطلقَ بسيارته في الشارع ثم انحرف إلى عمق أحد الأرصفة ليُنهي حياة أحد المشاة دهسًا، وبصورة أدهشت المحقق الذي أخذ يقلِّبُ هاتف المراهق القاتل فصعقته معلومة أنّ المراهق القاتل قام فقط بتقليد حرفي لإحدى ألعاب هاتفه الجوال.

لقد دخلنا فعلًا بوابة شيطانية خطرة بقوة دفْع متباينة لها ضحاياها شئنا أم أبينا، اعترفنا أم أنكرنا، وصارت الجهود المطلوبة من أولياء الأمور أكثرُ إلحاحًا، خاصة في بيوتٍ ترَك الآباء والأمهات حبل السيطرة على الغارب، إما بسبب الجهل بتقنية وسائل التواصل وخدمات تقديم ما هو سيئ إلى البيوت، أو بانشغالهم بتفاصيل حياة شديدة التعقيد.

وكلا ليس في هذا الكلام استدعاء لنظرية المؤامرة، وإنما تحذير من خطر موجود يقتحمُ حياة الجميع، ولم يعُد من الممكن التغاضي أو الاستهتار أو التهوين من خطورة ثقافة نتعاطاها تحت شعار الحرية والانفتاح على تكنولوجيا العصر دونما إدراك ما هو ثابت من مصايد العبث بالأفكار.

 حوادث كثيرة بدأتْ بالشات، ومرّتْ بالابتزاز والاستغلال، وانتهتْ بجرائم الثأر أو السعي لإيقاف ذلك بجرائم الاعتداء والقتل، ونزاعات انتقلت إلى المحاكم.

 المشكلة كبيرة ومسيطِرة على أذهان أعدادٍ كبيرة تحت يافطة الانفتاح على خدمات هي في شقها الإيجابي إحدى وسائط المعرفة، لكن المؤكد أنّ المخاطر كبيرة، وتستدعي استنفار أولياء الأمور بحيث لا يتولى الشيطان مهمة التربية لأولادهم.

إننا أمام معطيات سمعية ومرئية مُبْهرة، فيها الكثير من فرص المعرفة، لكن استخدامها سيئ كلما تم بعيدًا عن رقابة أبٍ وأمٍّ يجهلان هذه التقنيات ومحتوياتها،  ولا يمتلكان حتى قدرة تعليم الأولاد سُبُل إدارة الوقت، وفرْض مواعيد النوم.. ليبقى باب الشرور مفتوحًا أمام هواتف تحتل الأيدي والحواس فيتوارى شق الفوائد المعرفية واكتساب المهارات التكنولوجية لتبقى السلبيات والمخاطر.

 

*كاتب يمني

  • 373
    Shares
Advertisements

تعليقات