Accessibility links

Advertisements
Advertisements

عبد الباري طاهر*

تاريخ اليمن الممتد والطويل مليء بالكوارث والحروب. فحرب 94 كانت ذروة كوارث وحروب عديدة. هذه الحرب دمرت الوحدة السلمية والديمقراطية التي تحققت في الــ 22 من مايو 90، وكانت البوابة لمآسي تبدأ ولا تنتهي، فلأول مرة في تاريخ اليمن الممتد لآلاف السنين تقوم وحدة عبر التحاور والتوافق السلمي بين حكام الشطرين، وتشهد اليمن تفتحاً ومناخات طيبة وطبيعية لازدهار الحريات العامة والديمقراطية، ويُسَّنَ دستور ديمقراطي مستفتى عليه يكفل حرية الرأي والتعبير، وتعلن فيه الأحزاب السياسية السرية عن وجودها، وتتشكل أحزاب سياسية ومنظمات جماهيرية عديدة، وتتشكل النقابات والجمعيات، وتصدر الصحف الأهلية والحزبية المستقلة، وقد كان قيد الترخيص، ثم الإحالة إلى العديد من مواده على القانون “غير الديمقراطي” هو أحد عيوب قانون الأحزاب والصحافة.

تصدر الخبر اليمني عناوين الأخبار والنشرات العالمية، ووكالات الأنباء والتقارير الدولية، ورُشِّحت اليمن كأحد أهم العناوين الديمقراطية في بلدان العالم الثالث، لكن القوى التقليدية العسكرية ذات الانتماءات القبلية شعرت بخطورة التحول الديمقراطي على شرعيتها القائمة على حكم القوة وقانون الغلبة؛ فبدأت الاستعداد للحرب، وإشعال الفتن والاغتيالات، متحالفةً مع الإسلام السياسي المتشكل في التجمع اليمني للإصلاح، وبدأت دورة من العنف والتضييق على الهامش الديمقراطي، وصولاً إلى حرب 94 أم الكوارث كلها.

الحالة التي نعيشها اليوم بعد حرب خمسة أعوام عجاف لها أسباب عديدة ومنعطفات كثيرة، ولكن بداية البدايات الوبيلة هي حرب 94؛ وذلك لتدميرها الكيان اليمني، وغرسها الأحقاد والعداوات المريرة بين أبناء الشعب والبلد الواحد، وإسهامها في العودة لهويات ما قبل الدولة والوطن.

الحرب المستدامة والشاملة تقتلع شعباً من جذوره، وتفرض تشرد اليمنيين داخل بلدهم، وجرائمها لا تقف عند حد؛ فضحاياها تتجاوز المئة ألف، والمشردون أكثر من ثلاثة ملايين، وتتعطل كل سبل ووسائل العيش الكريم. فرأس المال يهرب خارج البلاد بعد الحصار شبه التام، وتتوقف الزراعة والاصطياد في البحر، وتنتشر الأوبئة الفتاكة في ظل غياب الأدوية والتطبيب، ويتراجع التعليم ويؤدلج ويحزب، وتنتعش المجاعة لتعم غالبية السكان، وتتسيد المليشيات لتقيم كنتونات متعادية ومتحاربة في غير منطقة، وتنهار العملة، وتقطع المرتبات، وتجن الأسعار، ويسود العنف والإرهاب في اليمن كلها، وتطال الحرب والعدوان الخارجي كل شيء بما في ذلك قصف المساجد والمدارس، والطرقات العامة، والأحياء السكنية، والأسواق الشعبية، وقوارب الاصطياد، وصالات الأعراس والعزاء، ويبدو أفق الحل غائماً؛ فالزعامات المحلية وقادة المليشيات لا مصلحة لها في حل سياسي، وقد كدست ثروات من الحرب، وارتبط مصيرها باستمرار الحرب، أما الأطراف الإقليمية، فإنها تنظر إلى اليمن كساحة قتال، والمحاربون اليمنيون كـ”شُقاة” كتصفية للحسابات، ونقل صراعاتها إلى أماكن أخرى؛ لتجنب المواجهات، ويصبح مصير الحرب بيد هذه القوى الخارجية العابثة بأمن اليمن واستقراره، والحريصة على تدمير اليمن، وتمزيق نسيجه المجتمعي، وكيانه الوطني.

القوى الكبرى، خصوصاً الداعمة للتحالف الذي تقوده السعودية، تدعم الحرب وتساندها؛ لتسويق سلاحها، ولإعادة صياغة المنطقة العربية كلها؛ تمهيداً لصفقة القرن، والتطبيع الشامل.

إن الحرب في اليمن مرتبطة أشد الارتباط بالصراع الإقليمي الإيراني- السعودي الإماراتي المدعوم دولياً، وبسبب من ضعف العوامل الداخلية أصبحت القوى الإقليمية القوة الأساس، وخيار الحرب والسلام بيدها، وتحول قيادة الحرب الأهلية ومليشياتها إلى أدوات بيد الممول والمسلح الإقليمي والداعم الدولي.

إن مراوحة الحرب وحالات المد والجزر مرده إلى هذا العامل الخارجي الذي يفرض حرباً بالوكالة، ولا يريد لها أن تنتهي، أو يحرص أن تتحول إلى حالة اللاسلم و اللاحرب، أو يمننتها، وكلها احتمالات واقعية وخطيرة مؤشراتها تخز الضمير، وتفقأ العين.

الحرب الكارثة لا تلد إلا كوارث كقراءة الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، وكارثتها تدمر الحياة في مختلف تفاصيلها؛ فتجعل من الحالة اليمنية أسوأ كارثة على وجه الأرض.

الحرب اليمنية أضحت تؤرق الضمير الإنساني، وتقارير الأمم المتحدة والمبعوثين الدوليين والمنظمات الحقوقية والإنسانية تدمغ وتدين كل أطراف الحرب، وتحذر من الدمار الشامل الذي تلحقه الحرب باليمن: الإنسان، والمجتمع، والتمدن، والحضارة، وكارثية الحرب- على هولها- لن تقف عند تخوم اليمن، ومخاطرها وحريقها لا تقف عند حد؛ فالحكمة الشعبية تعلن: أن ما أمسى في بيت جارك أصبح في دارك.

كان الهدف الرائس لحرب 94 القضاء على الهامش الديمقراطي والتعددية السياسية والحزبية، وتدمير تجربة الجنوب الثورية، وضرب مشاركته في الحكم، أما حرب ما بعد انقلاب 21 سبتمبر؛ فالهدف الأساس منها إخماد أنفاس الربيع العربي في اليمن، والقضاء على انتصار الإرادة الشعبية السلمية في مواجهة حكم الغلبة والقوة، وتسيد الفساد والاستبداد، ولا تستطيع الحرب- أي حرب- حتى لو استمرت واستطالت أن تقتل شعباً بكامله، أو تقضى على إرادته في الحرية والمواطنة.

*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

Advertisements

تعليقات