Accessibility links

Advertisements
Advertisements

عبدالباري طاهر:

     بدأ دخان حريق كورونا، وتفشي وبائه وويلاته يكسرُ حاجز الصمت والتعتيم في اليمن كلها.. يتوج الوباء المنتشر كالحريق في الهشيم خمسة أعوام من الحرب حصدت المئات والآلاف من النفوس، وتوفر له المجاعة التي تجتاح غالبية السكان، وتتجاوز الـ80 –  التربة الخصبة لحصد أرواح جائعة ومتعبة، وضحايا مشردين يتجاوزون الأربعة ملايين.

الراعب أن اليمن المحاصر براً وبحراً، أو الممنوع عليه وصول المواد الغذائية والأساسية، مفتوح كأبواب جهنم أمام الحروب، والأسلحة، والأوبئة، والتدخل الأجنبي؛ فموانئه، وشواطئه، وكل حددوه مفتوحة أمام من هبّ ودبّ، ولا يوجد مناطق حجر صحي، وحصانته الجماعية منعدمة في ظل المجاعة الشاملة، والحرب المستطيلة، والأوبئة الفتاكة كالكوليرا، وحمى الضنك، والتيفود، والمكرفس؛ وصولاً إلى الطاعون الرئوي، والملاريا الآتية من كوارث السيول.. هذه الكوارث في اليمن تتظافر وتتساند لحصد أرواح الملايين بحسب مراقبين وأطباء وصحفيين.

المأساة أن اليمن الذي يدخله الوباء مؤخرًا، أو بالأحرى يُعلن عن وجوده مؤخرًا، كان المتسلطون فيه وعليه يسمعون ويشاهدون يوميًّا مآسي الوباء في مختلف بلدان العالم، ويسمعون النداءات الدولية الخائفة والمحذرة من انتشار الوباء في اليمن المهمش والمدمر البنية، وبالأخص مرافقه الصحية المفتقرة لأبسط التجهيزات، والذي ينعدم فيه الدواء والغذاء، لكن تعامل المتسلطون بتكتم وتعتيم، وكأن وجود كوفيد 19 فضيحة عائلية يجب التستر عليها.

الوباء الآن ينتشر في كل مناطق اليمن، وكان العديد من قادة العالم والمنظمات الإنسانية، ودعاة السلام يناشدون قادة الحروب، والتدخل الإقليمي، والقوى الدولية الداعمة؛ لإيقاف الحرب، والتوصل إلى هدنة تتيح للجميع مواجهة الوباء الذي يهدد اليمن كلها، ويقضي على ما تبقى، ولكن تجار الحروب – وما أكثرهم! – راحوا يسدلون الستار على الوباء، ويخرسون الأصوات الداعية إلى الكشف عنه، ويفرضون الصمت على الضحايا؛ الأمر الذي أفزع منظمة الصحة العالمية؛ لتعلن عن ضبط حركة موظفيها في مناطق سلطة الأمر الواقع.

الأخطر أنه بدلاً من التهدئة، والاتفاق على هدنة، ولو مؤقتة؛ لمواجهة الكارثة، راح الجميع يوسع دائرة الحرب، ويزيد من إشعالها في البيضاء، وأبين، ومارب، والجوف كدأب الطغاة دومًا: «امح الجريمة بالجريمة».

الحرب صناعة الطغاة دومًا، وهي السبب الأساس، والمسؤول الأول عن تجويع غالبية سكان اليمن، وعن تشريد الملايين، وتقتيل الآلاف، وتهديم الكيان اليمني، وتفكيك بنيانه، وتحويله إلى ميدان تقاتل للصراع الإقليمي والدولي.

دخول كورونا إلى اليمن – البلد المدمر – يدفع بالكارثة إلى النهاية؛ فتجار الحروب، وقادة المليشيات، ودول الإقليم يتعاملون مع الوباء باستهانة شديدة، وموضوعيًّا إذا كان التدمير والقتل والتمزيق والتشريد والمجاعة من صنع تجار الحروب، فإن الوباء الوافد (كورونا) يُعتبر سندًا لهم، ويقوي جرائمهم بمقدار ما يميت من الأحياء؛ فاستهداف الوباء للحياة كعداوة تجار الحروب لها.

لن نَعْدُ الحقيقة إن قلنا إن الحروب والأوبئة، ومنها كورونا، فعلها واحد، وغايتها متآزرة، ونتائج فعلها واحد، ولا خلاص من كورونا بدون الخلاص من الحرب، ولا قدرة على مواجهة كورونا بدون وقف الحرب؛ فالحرب، والكورونا، والأوبئة الفتاكة الكاثرة، والمجاعة، والتشريد أعداء الحياة.. فلتكن إرادة الحياة، وإحلال السلام في اليمن هي الأساس، ولا بد من إسقاط حاجز الخوف، والإحساس بالانكسار والهزيمة؛ فإرادة الحياة دومًا هي الأقوى.

الموت بالحرب مؤكد، والقتل بكورونا مؤكد، وبالمجاعة حقيقي، والقتل بالدعوة للسلام، والنزول إلى الميادين، والدعاء في المساجد، وقنوت المصلين في الصلاة الجهرية ضد الحرب احتمال وارد وكبير، ولكن قتلنا، ونحن ندعو للسلام، ونجاهر قولاً وفعلاً بوقف الحرب أجدى وأرحم ألف مرة من حرب تفقدنا وطننا وكرامتنا كبشر.

العالم كله، والمنظمات الحقوقية الدولية الإنسانية تُحذر من كارثة انتشار وباء كورونا في اليمن، وأن هذا الوباء قد يقتل أكثر من نصف السكان.

المتسلطون، وقوى التدخل الأجنبي لا يهمهما حياة الناس الذين تقتلهم بمقدار ما يهمها ما تكدسه من مال، وما تحرزه من سطوة، ولن يكون العالم أرحم بنا ولا أولى بنا من أنفسنا؛ فلنكسر حاجز الخوف، ولنوسع دائرة الدعوة السلامية إلى الميادين العامة والمساجد والأسواق الشعبية، ولنقل: كفى حربًا.

ليس أمامنا – كيمنيين – لمواجهة الحرب، والمجاعة العامة، والتشريد، وانتشار الأوبئة الفتاكة، والتستر والتعتيم على انتشار الوباء الفتاك غير التصدي لهذا التقتيل العامد، وتعزيز الدعوة للسلام في الميادين العامة، والأسواق الشعبية، والأحياء السكنية، وخيام النازحين، والأرياف، ومختلف المناطق؛ داعين ودافعين بالسلام، وبالأخص في مواطن القتال،  والمواجهات؛ لإسكات أصوات المدافع، وأزيز الرصاص، ودوي القصف الجوي للطيران السعودي – الإماراتي.

ويقيناً، فإن الذين سيُقتلون في الدعوة للسلام لن يكونوا أكثر من الذين تقتلهم الحرب، والمجاعة، والأوبئة.

الشعب اليمني فُرضت عليه الحرب، وكل المتحاربين لا غاية لهم غير السلطة، والتفرد بها، ورفض مشاركة أيّ طرف آخر، وتدمير اليمن واقتسامه.

Advertisements

تعليقات