Accessibility links

وجدي الأهدل*

Advertisements

منذ اللحظة التي استخدمَ فيها جورج ستيفنسون المحرك البخاري في تسيير قطار على سكة حديدية عام 1814، فإنّ العالم القديم مات فعليًّا، وظهر عالمٌ جديد.

لقد أحدث المحرك البخاري ثورة في وسائل النقل، وظهرت وسائل نقل آلية جعلت حياة البشر أسهل، كما سرعت التطور ونمو الحضارة البشرية ككل.

ترافق مع تطور وسائل النقل الحديثة نشوء ظاهرة “الدول العظمى”، ونتيجة لهذه الظاهرة حدث خللٌ في موازين القوى بالنسبة للدول المتوسطة والصغيرة.

هذه الدول العظمى تختلفُ عن الإمبراطوريات في العصور القديمة، فهي لم تعد بحاجة للتمدد الأفقي، ولكنها تفرضُ سيطرتها السياسية والاقتصادية والثقافية على الدول الصغيرة والمتوسطة من وراء البحار، وتخلقُ مجالها الحيوي الذي قد يتمددُ أو ينكمشُ بحسب موازين القوى العالمية.

أدركَ جمال عبدالناصر أنّ مصر دولة متوسطة، لن يُسمح لها بالتطور اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا إلا إذا دخلت ضمن المجال الحيوي لإحدى الدول العظمى، وهو الأمر الذي لمسه بوضوح عندما وضع مخططات بناء السد العالي، ورفضت أمريكا والدول الموالية لها تمويل بناء السد العالي، فاتجه الرئيس المصري إلى دولة عظمى أخرى، هي الاتحاد السوفييتي، الذي زود مصر بالمال والتكنولوجيا اللازمة لبناء السد العالي، وكان الثمن هو انضواء مصر ضمن المجال الحيوي السوفييتي.

امتلك جمال عبدالناصر فكراً استراتيجياً، لذا حاول بناء مجال حيوي خاص بالعرب، عن طريق مشروع “الوحدة العربية”، الهادف إلى تكوين دولة عربية عظمى، عاصمتها القاهرة، وتكون قادرة على توسيع مجالها الحيوي إلى مساحات جغرافية تقعُ على تخوم الأرض العربية، مثل منابع النيل في أفريقيا، ومنابع دجلة والفرات في تركيا.

لكن المشروع القومي لم ينجح، بسبب تصادمه مع المجال الحيوي الأمريكي، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945) دخلت منطقة الشرق الأوسط ضمن المجال الحيوي الأمريكي. وقد ترسخ هذا المجال الحيوي الأمريكي بقوة، بعد حرب حزيران 1967 وهزيمة مصر عسكريًّا.

لقد لاحظ الرئيس المصري اللاحق أنور السادات، أنّ مصر ستظل تعاني من الهزائم العسكرية، وتضييق الخناق على تطورها الاقتصادي والتكنولوجي، فاتخذ قرارًا استراتيجيًّا بنقل مصر من المجال الحيوي السوفييتي إلى المجال الحيوي الأمريكي، وتكللَ هذا التوجه بعقد اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979.

لستُ بصدد تقييم مدى صحة هذين القرارين الاستراتيجيين – التوجه شرقًا في عهد عبدالناصر ثم التوجه غربًا في عهد السادات- ولكن العبرة أنّ مصر، وهي أكبر دولة عربية، لم تكن قادرة على البقاء بمفردها في الساحة الدولية، وكانت وما زالت بحاجةٍ ماسة إلى ظهرٍ تستند عليه، ما لم فإنّ العواصف العاتية سوف تقتلعها.

الخلاصة أنّ الوطن العربي بوضعه الحالي المُفكك إلى 22 دولة ما بين صغيرة ومتوسطة، عاجز عن بناء مجال حيوي خاص به، وبالتالي على دوله في إطار الواقعية السياسية، أنْ تضع نفسها ضمن المجال الحيوي للدول العظمى، لتحمي نفسها من الانهيارات الاقتصادية والسياسية، التي قد تتفاقم تدريجيًّا إلى درجة المحو من خريطة العالم.

لقد تدبرت دول الخليج أمرها، ووضعت نفسها ضمن المجال الحيوي الأمريكي، فتمتعت على مدى عقودٍ طويلة بالاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي. وأما عُمان التي حققت نهضة حضارية مثيرة للإعجاب، فقد حمتْ مصالحها بواسطة المجال الحيوي البريطاني.

المراقِب يلاحظُ أنّ دولة صغيرة مثل جيبوتي نجحت في تحقيق درجة عالية جدًّا من الأمان والاستقرار السياسي والاقتصادي، وهو الأمر الذي عجزت عنه دولة متوسطة مثل اليمن، والسبب يعودُ إلى الحصانة التي خلقها المجال الحيوي الفرنسي لجيبوتي، بينما تفتقرُ اليمن إلى هذا النوع من الحصانة.

لقد حاولَ علي عبدالله صالح خلال فترة حكمه لثلث قرن، إبعاد اليمن عن المجالات الحيوية للدول العظمى، وأراد أنْ يبني مع زعماء العراق ومصر والأردن نوعًا من المجال الحيوي العربي، عن طريق “مجلس التعاون العربي” الذي رأى النور في 1989، لكن هذا المجال الحيوي العربي لم يصمد في أول اختبار حقيقي، وتفكك شذر مذر حين أقدَم صدام حسين على احتلال الكويت في أغسطس 1990.

يبدو منطقيًّا أنْ يتم استيعاب اليمن ضمن مجلس التعاون الخليجي، لبناء مجالٍ حيوي يغطي شبه الجزيرة العربية، ويمتد شعاع قوته السياسية والاقتصادية والثقافية إلى غرب آسيا والدول المطلة على المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج العربي، ولكن لعوامل مختلفة، قرر قادة دول الخليج الاستغناء عن هذا المجال الحيوي الاستراتيجي، والاكتفاء بمجال حيوي مُصغّر، يخدمُ أهدافهم القصيرة المدى.

لم ينجح الزعماء اليمنيون في ضمّ اليمن إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وبات من شبه المؤكد أنَّ اليمن لن تنجح في ذلك المسعى، وهذا يضعُ اليمن من الناحية الاقتصادية والسياسية في وضعٍ لا تُحسد عليه، وبالتالي عليها أنْ تنقذ نفسها بالتوجه إلى المجال الحيوي لإحدى الدول العظمى. والدول العظمى هي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن: أمريكا، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين.

نحن الآن في خضم حرب مدمرة، واليمن برسمها الحالي على خريطة العالم مهددة بالاختفاء، وعلى قادة اليمن توحيد كلمتهم، واتخاذ قرار استراتيجي باختيار واحدة من الدول العظمى، والانضمام إلى مجالها الحيوي.

على اليمنيين التجرد من مصالحهم الشخصية، وتفضيلاتهم العاطفية، وأنْ يُراعوا مصلحة اليمن أرضًا وشعبًا، وهم يوقعون المعاهدات والاتفاقيات مع الدولة العظمى التي تم اختيارها لحماية مصالح بلادهم.

فكرة بقاء اليمن خارج المجالات الحيوية للدول العظمى، بدعوى استقلال القرار السيادي، هي فكرة طفولية ساذجة، وتنم عن عدم خبرة بما هو عليه عالم اليوم حقًّا، وكيف يدير “الكبار” كرتنا الأرضية.

“الكبار” يتصارعون الآن على إدارة كوكب الأرض، وقريبًا جدًّا سيتصارعون على إدارة القمر وكواكب وأقمار المجموعة الشمسية، بينما لا نعدم في اليمن بعض الواهمين الذين يظنون أنّ بإمكانهم إزاحة هؤلاء “الكبار” والانفراد بحكم اليمن حكمًا تام الاستقلال.

أعرفُ أنّ هذا الرأي قد يكلفني كثيرًا، وأقله سوف يفتح الباب أمام ضعاف العقول للتهكم وربما التهجم بعبارات نابية، وهو الأمر المتوقع، حين تُصارح مريضًا بأنّ أسلوبه في الحياة هو السبب في مرضه.

*كاتب وروائي يمني.

  • 263
    Shares
Advertisements

تعليقات