Accessibility links

عبدالباري طاهر*

Advertisements

تاريخ الشعب الفلسطيني منذ ثلاثينيات القرن الماضي تاريخ كفاح ضد الاستعمار البريطاني المتواطئ مع إسرائيل. فقد تأسست كتائب عز الدين القسَّام منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وتواصل كفاح الفلسطينيين؛ فتأسست الجبهة الوطنية ذات الاتجاه اليساري في غزة، وتحالفَ الشيوعيون والبعث عقب هزيمة 1967، وتأسست حركة القوميين العرب في بيروت عقب نكبة 1948.

نكبة 48 أشعلت الأمة العربية، وأسهمت أو كانت عنوانًا ومتكأً للعديد من الانقلابات العسكرية. الأنظمة القومية والأحزاب القومية واليسارية جعلت من احتلال فلسطين القضية المركزية الأولى. لا ينبغي الاستهانة أو التقليل من دور تلكم الأنظمة والأحزاب في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني، وإبقاء القضية حية في نفوس وعقول الأجيال العربية.

ما يجري اليوم امتداد لِما جرى خلال ما يزيدُ على ثلثي قرن بين الأمة العربية، والاستعمار الجديد والامبريالية الأمريكية وأدواتهم الرئيسية: إسرائيل، والأنظمة العربية التابعة والمطبِّعة. شهدت فلسطين عشرات الانتفاضات أبرزها: الأولى، والثانية.

حققت الانتفاضة الأولى 1987 ما عجزَ عن تحقيقه جيوش ثلاث بلدان عربية، ولم يستطع تحقيقه الكفاح المسلّح الذي خاضته المنظمات الفلسطينية وجبهاتها المتعددة.

جرى الالتفاف على الانتفاضة بالتواطؤ بين إسرائيل وقيادة منظمة التحرير وبعض الأنظمة المطبِّعة بإغراء وإغواء أمريكي، وكانت الثمرة المُرة «أوسلو»، و«مدريد»، وتحولت المنظمة إلى صورة من صور الحكم العربي. أما الانتفاضة الثانية 2000، فقد جرى عسكرتها؛ ما مكَّن إسرائيل من قمعها في ظل انحسار الالتفاف الداخلي، والتنافس على العسكرة بين فتح وحماس، وضعف التضامن العربي والدولي، ومع ذلك لم تغب الانتفاضات الشعبية شبه المتواصلة، التي كان من أهمها مسيرة «العودة الكبرى» في غزة في العام 2018.

اليمين الفاشي الإسرائيلي بجناحيه الديني والسياسي بدأ الصعود منذ سبعينيات القرن الماضي، ورموزه آتون من العصابات الصهيونية الإرهابية: إسحاق رابين، شامير، نتن ياهو، وافيغدورليبرمان.

نتن ياهو الأب الروحي لليمين المتطرف: الديني، والعلماني، يعتبرُ نفسه الوارث والباني للدولة العنصرية، والأقدر على تهويد فلسطين، وفرض النظام العنصري، والأقدر على فرض صفقة القرن، وإلغاء شيء اسمه شعب فلسطين، ويعتبر اتهامه بالفساد وخيانة الأمانة جزءًا أساسًا من أزمة اليمين الإسرائيلي والانقسام الحاصل، ومحاولة التطويح به وإخراجه من اللعبة يدفعُ به إلى الخيار النيروني.

اليمين الإسرائيلي يحفر قبر دولة إسرائيل بنفسه. العصابات الإرهابية: «أراجون»، و«الهاجانا»، و«الشيترن» لها إسهامات كبيرة في تأسيس إسرائيل، ولكن اليسار الصهيوني هو المؤسس الرئيسي للدولة. بدأ اليمين في الصعود منذ ما بعد 67؛ لارتباطه أكثر بالحروب والإرهاب؛ ولأنه جزء أساس في بنية الدولة الإسرائيلية، والمعبر العميق عن طبيعتها الفاشية .

راهنت الصهيونية والدولة الإسرائيلية على ابتلاع فلسطين بالتقسيم، ثم الاستيطان، ثم مجيء جيل جديد يقبلُ بالوضع القائم، أما الاتفاقيات الاستسلامية، فقد فتحت شهيتها على الآخر، كما راهنت إسرائيل على أنَّ التطبيع وخروج مصر يعني نهاية القضية الفلسطينية.

مجيء ترامب، وفرض صفقة القرن، وجرّ بعض دول الخليج والسودان والمغرب إلى التطبيع، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وتأييد ضمها لِما تبقى من الضفة الغربية وغور الأردن والجولان السورية المحتلة – قَوَّى أوهام اليمين الإسرائيلي بنهاية القضية الفلسطينية، وأغراها بالاستمرار في نهج التهجير الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية.

قضية «حي الجراح»، وتهجير بعض ساكنيه، ومنع وصول المصلّين إلى المسجد الأقصى، كلها كان الغاية منها التطبيق الحرفي لصفقة القرن، وأيضًا عودة الاعتبار لزعامة نتن ياهو.

كان الرهان على دفن وإنهاء قضية فلسطين 1948، وظن قبول الفلسطينيين بالمواطنة الدونية، ثم انقسامهم أيضًا، وتشجيع الانقسام بين غزة ورام الله، ووصم غزة بالإرهاب وحصارها، وارتهان السلطة للتنسيق الأمني الذي يجعلُ منها جزءًا مساعدًا للأمن الإسرائيلي، والأخطر من ذلك عدم القبول بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية باعتبارها العاصمة الموحدة لإسرائيل.

لن ينسى فلسطينيو 48 أو 67، أو المشردون خارج وطنهم – وهم قرابة الثلاثة ملايين- قضيتهم؛ فرغم مرور ما يقرب من ثلثي قرن على النكبة، واحتلال 48 و67، والاستيطان المتواصل، والتهويد الممنهج، والإصرار على نهج التهجير، إلا أنَّ فلسطين ما تزال حاضرةً في نفوس أبنائها، وهو جوهر الصراع الدائر الآن، والذي لن يحل إلا بتحرير فلسطين، وخروج المحتلين من أراضي ومنازل السكان الأصليين، وسقوط اليمين الصهيوني العلماني والديني الفاشي.

يُجْمِعُ اليمين الإسرائيلي على طمس القضية الفلسطينية، وعدم الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويختلفون فيما بينهم على اقتسام التركة والزعامة. هذا الانقسام المتفجر في صف اليمين يعكسُ عمق الأزمة، وفشل هذا اليمين عن تحقيق أهدافه الأساسية بالاستمرار في فرض احتلال استيطاني يرفضه أصحاب الأرض.

مع استمرار الدعم الأمريكي المطلق والأوروبي بدأت تُطرح الآن أسئلة مختلفة إلى حدٍّ ما عن نهج ترامب الفاشي واليمين الشعبوي.

توحُّد فلسطينيِّي 48 و67، واللاجئين في الشتات وداخل وطنهم، والهبّة الكبرى هي الخلاص من نير أسوأ وآخر احتلال استيطاني على وجه الأرض في هذا العصر، ولعل أهم ما تؤكده هذه الهبّة الكبرى أنّ القوة مهما يكن جبروتها لا تستطيع إلغاء الحق إلى الأبد، وأنّ شعبًا صغيرًا يستطيعُ تحدّي أقوى قوة إذا ما تصدى لنيل حقوقه، وأنَّ مصير الاحتلال الإسرائيلي لا يختلفُ عن مصير نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إنْ لم يكن أسوأ.

الهبّة الكبرى توقظُ الأمة العربية من السُّبات، وتهيئ المنطقة للخلاص من أوضاع وأنظمة الفساد والطغيان، والأهم من كلّ ذلك انكشاف طبيعة النظام العنصري في فلسطين كلها، والتحول في ضمير الرأي العام الدولي إيذانًا بفجرٍ جديد، وأهم دلائل نهاية دولة إسرائيل هو تماهيها مع الأنظمة الفاسدة والاستبدادية في المنطقة، بل والتفوق عليها في التوحش والبربرية والهمجية.

*نقيب الصحفيين سابقا

Advertisements

تعليقات