Accessibility links

Advertisements
Advertisements

د. محمد عبدالكريم المنصوب

ذلك الأمر الربّاني الذي يؤرق البشرية وكل كائن حيّ على مرّ الأزمان والعصور، وهو الإعلان بزوال الحياة وانقضائها.. هذا الأمر شكّل ويُشكّل خوفًا وهلَعًا لا نظير له، وهاجسًا يقضّ المضاجع، وهو الذي حِيكتْ حوله قصص وحكايات وخرافات على طول التاريخ الإنساني وعرضه.. فهل الموت، فعلاً، أمرًا مخيفًا، ويدعو للهلع والتوجُّس؟!

من حيث المبدأ، نحن نسير إلى الموت منذ لحظة ولادتنا، فما خُلقنا إلا لنموت، وإلا فَلِمَ خُلقنا أساسًا؟، وبالتالي فهو أمر مُسَلّم لا شِيَة فيه ولا غرابة.. أما الأمر الثاني هو أنّ الله، جلّت قدرته، قد خلَقَنا وخَلَق الكائنات جميعها، بأجساد تَبلى مع مرور الزمن، ولا قدرة لأحد على تغيير طبيعتها أو إعادة التحكُّم بها، وهذا أمر مفروغ منه كذلك.. وأمر آخر، هو أن الله عند خلقه الكائنات، قد أوْدَعَ في كلّ منها دورًا محددًا في الحياة لا تحيد عنه يمنَة أو يُسرة..  والأدوار لا بد أن تكون محدودة في مكان وزمان كي تحمل معنىً وقيمة.. وطالما هي أدوار، فهي محمولة على الانتهاء، أيًّ كان ذلك الدور، وأيّ كانت أهميته، وما موت الأنبياء والعلماء إلا لانتهاء أدوارهم في دورة الحياة المتجددة باستمرار.

في أوقات كثيرة نسمع ونرى عن حالات يُقال فيها: إن فلانًا نجا، أو نجت تلك الجماعة من الموت بأعجوبة، والأمر ليس كذلك البتة، فالحقيقة هي أن الله قد نجّى ذلك الشخص أو تلك الجماعة؛ لأن دوره أو أدوارها في الحياة، التي رسمها الخالق، لم تنتهِ بعد، وهم بعد ذلك زائلون بانتهاء أدوارهم ليس إلا.. فإذا سلّمنا أن حيواتنا ليست سوى أدوارٍ في مسرحية الحياة المتوالية الفصول، عندها سندرك لماذا هنالك من يأخذ دور البطولة، وهنالك مَن دوره سريع، ومَن دوره طويل قليلاً، ومًن دوره هامشيّ، وهكذا، وهي – جميعها – أدوارٌ ضرورية وأساسية لاكتمال أركان تلك المسرحية.. ومن الجميل ذِكر كيف يتساقط من يحاولون لعب أدوارٍ لم يهيّئها الله لهم، فيُسيئون إلى أنفسهم وأهليهم وأوطانهم.

إن مما يُثير أشدّ الاستغراب، وبرغم الخوف من الموت وما بعده، فإن القليل هم مَن يعملون ليومه وميقاته.

تابعتُ، منذ أيام قليلة، فيلمًا قصيرًا عن الحياة البرّية، حيث شاهدتُ كيف انقضّ نسْرٌ على ثعبان مخيف، وسيطر عليه في ثوانٍ معدودة، بل سحبه بمخالبه إلى الأعالي طعامًا له ولأفراخه، هكذا بكلّ بساطة وسلاسة.. وكُنتُ، قبل مدّة، قد شاهدت فيلمًا وثائقيًّا عِلميًّا عن إحدى المحميات الطبيعية في أميركا.. حيث لاحظ اختصاصيو المحمية أن أعداد الثعالب قد تزايدت بشكل كبير، وأنها ستُشكّل ضررًا على المحمية، وخلصوا إلى ضرورة نقل أعداد منها إلى أماكن أخرى، وهو ما حدث.. لكن المفاجأة التي حدثت بعد ذلك أن أجزاءً من المحمية بدأت بالتصحر، وبدأت بعض الحيوانات الأخرى بالتزايد، وبدأت بعض النباتات الأساسية بالاختفاء.. أخلُص من هذين المثالين إلى أن كل شيء قد خُلق لِما هو مقدّر له لا انفصام، فكل شيء عنده بميزان، سبحانه وتعالى.. فالثعبان الذي التقطه النسر، ربما أن وجوده كان قد أصبح يُمثّل ضررًا على مخلوقات أخرى في بيئته، ولهذا انتهى دوره، وتحوّل جسده إلى طعام لحياة أخرى لا زال لها دور قائم ومهم في دورة الحياة.. والوجه الآخر للحياة نجده في مسألة الثعالب، فعندما تدخل الإنسان في دورة حياتها الطبيعية، حدث اختلال في نواميس طبيعية أخرى فماتت حيوات أخرى.. إنه الميزان الرباني الدقيق.

قد يبدو موت أحدنا أو أحد لنا أمرًا جللًا في بادئ الأمر، لكن إنْ تمعّنّا قليلاً فسنجد أنه أمر في منتهى البساطة والوضوح.. فلكلّ دور مرسوم بدقة متناهية، والمسألة برمتها أشبه ما تكون بطابور بشريّ ممتد زمنيًّا بعمر الحياة، ويمضي باتجاه واحد، وهو الموت.. وطالما هو كذلك، فهناك مَن هو في بداية ذلك الطابور، ومَن هو في منتصفه، ومَن هو في آخره، وهناك مَن يتقدم بسرعة، ومَن يتأخر قليلاً، لكن النهاية واحدة والمصير هو هو، ولا اختلاف إلا في الأزمنة والأماكن والأسباب.

بالإضافة إلى ذلك، لا حياة دون موت، ولا موت دون حياة، فكل ما يموت يتحول إلى غذاء لحيوات أخرى، وطاقات مختلفة مفيدة في جوانب حياتية أخرى، وهي في الأخير ليست سوى دورات من الاستلام والتسليم، بتراتبية بديعة، بل شديدة الإبداع، فهل بعد ذلك هلعٌ وخوف وحيرة من أمر الموت؟.. ربما، لكن عند كل مَن لا يُعمِل عقله وتفكيره.

  • 14
    Shares
Advertisements

تعليقات