Accessibility links

وجدي الأهدل*

Advertisements

شقيقي الأكبر (جمال الدين) كان منتشيًا ببلوغه الحلم. كاد المسكين يفقدُ عقله من شدة فرحه بامتلاكه آلة الرجولة!، كلما رأى بنتًا من بنات الجيران منفردة عن العيون أخرج غرموله النافر وراح يُريها إياه متباهيًا، وكأنه يُريها شهادة تخرّجه من الجامعة!، في يوم من الأيام اجتمع حشدٌ من بنات الجيران في بيتنا، وغاب الكبار جميعهم بسبب حادث لم أعُد أتذكره، فانتهز (جمال الدين) المناسبة وطلب مني ومن (فهيم) أن نتوارى خلف ظهره، ثم كشف عن عورته للبنات، وراح يُرقِّصه لهن، ثم غيّر طبقة صوته وأخذ يتكلم بصوت أجش وهو يُحركه ذات اليمين وذات الشمال، وكأنما ذاك الأعور هو الذي يتكلم معهن، فضحكن حتى أوجعتهن بطونهن!، كان عرضًا مسرحيًّا كامل الأركان، وناجحًا نجاحًا مدويًا، ويمكن سؤال البنات للتأكد من ذلك، وإذا عُرِض على خشبة المسرح فحتمًا سيُحقِّقُ إيرادات خيالية! لكن تبقى لدينا مشكلة عويصة، ألا وهي أنّ بطل المسرحية لن يتمكن من الحصول على تصريح رسمي بمزاولة المهنة، وغالبًا لن تقبل أيّة نقابة للممثلين في العالم منحه عضويتها. 

لا أتذكرُ أنّ (جمال الدين) قد ضربني يومًا، أو تسلّطَ عليّ ممارسًا دور الأخ الأكبر. كان يافعًا وسيمًا ناحل العود، ولديه موهبة في الرسم والنحت، ورسْم الوجوه بدِقّة كبيرة كانت تنتزع آهات الإعجاب. أتذكر أنه رسم بورتريه لِوجه فتاة حسناء من بنات جيراننا كان يعشقها بجنون، وأنفق وقتًا طويلاً جدًّا في نقل ملامحها إلى الورق وتلوينها بالألوان الخشبية. وفي تصرف غير مفهوم قمتُ بتمزيق الرسم في غيابه. لقد حدس بأنني الفاعل، كيف أَدركَ ذلك لا أعلم. كانت مناسبة معقولة ليؤدبني، لكنه لم يفعل واكتفى بمعاتبتي. بعدها ظل أيامًا كثيرة وهو حزين، ويتجنب النظر إليّ والكلام معي. لقد شعرتُ بخطئي، وفهمتُ للمرة الأولى أنّ وجهة نظري لم تكن صحيحة. لقد أقنعني أخي بوجهة نظره، وجعلني أدرك أنني قد ظلمته.

ينشأ الطفل وهو يتوهم أنّ كل تصرفاته عادلة، وفي أيّ خلاف ينشب يُطالب بإنصافه، معتبرًا نفسه دائمًا على حق. إذا لم يتدخل شخص ما ويقنعه في “الظرف المناسب” بأنّ وجهة نظره خاطئة، وأنّ الآخر على صواب، فإنه سيشِبُّ ويكتهلُ ويشيخُ مفتقرًا إلى النضج، وتأتيه المنية وهو يحمل في نفسه ذلك الوهم بأنه المالك الوحيد والحصري للحقيقة التي لا تقبل جدلاً أو تشكيكًا فيها. إنه لا يختار الحق، ولكنه يتخيل أن الحق هو الذي اختاره!، إنه “مختار” بوصفه ممثلاً سرمديًّا لكلّ ما هو حق وصحيح وصائب، وبسبب هذا الإحساس النفسي المشوّه سوف يرفضُ أنْ يكون للآخر “الحق في الاختيار.

شقيقتي (ربيعة) التي تكبُرني بثمانِ سنوات كانت فخر عائلتنا، أحرزتْ ترتيب “الأولى” في جميع صفوفها الدراسية. تصحو في الفجر لِتُراجع دروسها، وبعد عودتها من المدرسة وتناولها الغداء تخلُد إلى قيلولة تمتد إلى العصر، ثم تنْكبُّ بهمّة على دروسها طيلة المساء. فتاة مجتهدة ومتفانية في دراستها، إضافة إلى ذلك تساعد أمي في أعمال المطبخ وغسيل ملابسنا. كانت تشتري من مصروفها مجلات الأطفال، فإذا وجدتْ وقتًا تقرأ لي ولأخي الصغير (أنعم) ما تجده ظريفًا من الحكايات والقصص المصورة. كانت (ربيعة) تذهبُ إلى منزل إحدى مدرّساتها مرة أو مرتين في الأسبوع، وتأخذني معها أنيسًا لها في الطريق. بيت المعلمة بابه مفتوح – وهي عادة دارجة في هذه المدينة – وداخله يشبه خلية النحل لكثرة الأطفال من الجنسين. كانت أختي تأتي لتُبادل مجلاتها مع أُخريات مثلها يعشقن القراءة، وكانت معلمتهن هي التي تُنظم عملية تبادُل المجلات وكتب الأطفال، وتُحدِّد مواعيد صارمة لإعادة المجلة أو الكتاب المستعار. الصغار من أمثالي الذين لم يتعلموا القراءة والكتابة كان يتم أخذهم إلى غرفة مجاورة، وتُنظَّم لنا جلسة استماع إلى حكاية لطيفة. تُكلِّف المعلمة واحدة من طالباتها بالقراءة لنا، ومن حين لآخر تُطلُّ علينا لترى مدى التزامنا بالهدوء وحُسْن الإنصات، فإذا أحسّتْ أنّ الملل قد تسرّبَ إلينا وبدأ بعضنا ينعس تُقاطعُ القراءة، ونغنّي جماعيًّا إحدى أغاني الأطفال الشائعة.

الأستاذة (بثينة) سمراء شعرها جعد، بدينة وعلى قدر متواضع من الجمال. بشوشة حلوة المعشر، عذبة الحديث إذا تكلمتْ، يتضوّع منها الطيب رغم تعرّقها بغزارة. وأصابعها مزيَّنة بالخواتم، وتتدلى على جِيدها قلادة ذهبية. كانت عزباء وتعيشُ وحدها مع قطة بيضاء مدلَّلة. لقد أحببتها وبُهرتُ بشخصيتها، فقد كانت امرأة مُهابة خفيفة الروح وجذّابة. كذلك أحببتُ دارها العامرة بالحياة والتسالي والحكايات، وظللتُ لسنوات إذا ذُكرتْ الجنة أتخيلُ نفسي أطرق باب بيتها، وأنها هي التي تفتح لي الباب، وتشيلني من الأرض وتحملني بيد واحدة إلى جنّتها.

شقيقي (أنعم) الأصغر مني بعام تسبَّب لي في نيل عقوبات بدنية لا تُحصى من أبي وأمي. لم نكُن نتفق إلا نادرًا. كنا نلعبُ، نختلفُ، ثم ندخلُ في قتالٍ ضارٍ، وكنتُ أغلبه لأنني أكبر منه جسمًا، فيسعى باكيًا إلى أبي أو أمي ليقتصّا له مني. كان أبي ينحاز مباشرة إلى صف أخي، ويُنزلُ بي العقاب مفترضًا على الدوام أن الحق في صف الطرف الأضعف. لكن أمي كانت أكثر حصافة، فتبدأ أولاً بالتحري والتحقق من أسباب الخلاف، ثم تتخذ قرارها. نشأتُ متحاملاً على أخي الصغير (أنعم) بسبب ذكائه ونشاطه، كما كان معروفًا في أسرتنا وبين أقاربنا بسرعة بديهته. في المستقبل سوف يفلح في الحياة أفضل مني، ويُبلي في التجارة بلاءً حسنًا، ويجني ثروة ستشكِّل سندًا لنا جميعًا في أوقات الأزمات.

*فصل من رواية قيد النشر.
*كاتب يمني.

  • 108
    Shares
Advertisements

تعليقات