Accessibility links

Advertisements

بلقيس محمد علوان*
ظاهرة إجرام المرأة هي قضية معقدة ومتشعبة حالها حال الظواهر الإنسانية، فهي تحتاج لكثير من الدراسات والبحوث النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقضائية والقانونية لتشخيص العوامل والأسباب التي تدفع المرأة إلى ارتكاب السلوك الاجرامي.

في مجمل القول إن الدراسات التي تمت في مجال إجرام المرأة كانت كلها تبحث في عوامل وسببية ارتكاب الفعل الإجرامي، وتوصلت غالبية علماء الإجرام وكذا الإحصائيات إلى أن إجرام المرأة يختلف عن إجرام الرجل من حيث الكم والكيف وجسامة الفعل المرتكب، وهذا ما دفع العلماء إلى البحث عن العوامل التي تقف وراء اختلاف إجرام المرأة وانخفاضها عن جرائم الرجل، فتباينت الآراء في تفسير اختلاف جرائم المرأة عن جرائم الرجل.

ووفقًا لنتائج الدراسات التي خاضت في نقاش أسباب جرائم المرأة، تتضافر وتتفاعل عوامل كثيرة ومتعددة، تقف وراء ارتكاب المرأة للجريمة، ومن هذه العوامل:

  • العوامل الذاتية ويقصد بها تلك العوامل المتعلقة بالتكوين الداخلي لشخصية المرأة بما تتضمنه من تكوين نفسي وعقلي وبدني، وقد ذهب العالم تيجر  “TIGER”في كتابه (الشر في الجماعات) إلى أن النزعات التي توجد لدى الأفراد، سواء أكانوا ذكورًا أم إناثًا، لا تلبث إذا استمرت وقتًا طويلاً أن تستقر في المورثات (الجينات) ليستمر تأثيرها لأجيال، وعلى الرغم من النتائج حول أهمية الوراثة وتأثيرها في الإجرام يجب عدم المغالاة في ذلك، إذ إن الوراثة ليست من العوامل المسيطرة وإن كان لا يمكن إنكار دورها في بعض الحالات الإجرامية، وقد لاحظ (لومبروزو)، وهو طبيب إيطالي شهير وعالم جريمة، أن التطور الفسيولوجي للمرأة يؤثر في إقبالها على الجريمة، فالبلوغ والحيض وانقطاع الطمث كلها عوامل تؤثر في إجرام المرأة، ونظرًا لأهمية العامل النفسي في ارتكاب الجريمة أكدت الدراسات الحديثة أثر العوامل النفسية في الإقبال على السلوك الإجرامي، وألزمت التشريعات القضاة بالتحقيق في البواعث السيكولوجية للمجرم قبل النطق بالحكم.
  •  العوامل الاجتماعية ويقصد بها مجموع العلاقات والروابط والصلات التي تنشأ بين المرأة وغيرها من الأفراد في البيئة الاجتماعية، ابتداء من الأسرة، مرورًا بالمدرسة إلى جماعة الرفاق وباقي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، بحيث يتأثر سلوكها بالإيجاب أو بالسلب.
  • الأسرة كمؤسسة اجتماعية تؤدي دورًا مهمًّا في تكوين وتشكيل شخصية الفرد وتوجيه سلوكه وإبراز قدراته، وبالتالي فإن أيّ خلل يعرقل الأداء الوظيفي للأسرة يزيد من احتمال حدوث حالات الانحراف والجريمة، كما أن إجرام أحد الوالدين أو كليهما يؤثر في تنشئة الأفراد، إذ يحاول الأطفال دائمًا تقليد الكبار في تصرفاتهم وأفعالهم، ومن ناحية أخرى فإن التربية المبنية على إهمال البنت أو استخدام القسوة في معاملتها إما بإهانتها أو ضربها ومعاقبتها بشكل عنيف، خاصة إذا كان على مرأى الآخرين يؤدي إلى إصابة الفتاة بالعُقد النفسية أو إقدامها على الانتحار أو الهروب من البيت العائلي؛ مما يجعلها فريسة سهلة للتورط في جرائم مثل الدعارة والتسول والسرقة.
  • البيئة المدرسية: للمدرسة دور في تنشئة الفرد وتكوين شخصيته وإبراز قدراته، فإذا فشلت المدرسة في أداء أدوارها فإنها تؤثر في سلوكيات الفتاة. 
  • رفيقات السوء: تكوّن الفتاة صداقات مع الأخريات، سواء أكان ذلك في البيئة التي تسكن فيها، أم التي تدرس في مراحل معينة من العمر فيها، أو في أماكن العمل، فإذا كانت هذه الصحبة من رفيقات السوء، فإن هذا سيؤثر سلبًا في سلوك الفتاة، مما يؤدي إلى تعلم سلوكيات إجرامية وانحرافيه، خاصة إذا كانت ممن هنّ سريعات التأثر.

ولما كانت معدلات الجرائم التي يرتكبها الرجال أكثر من النساء، اتجهت أغلبية الدراسات والأبحاث إلى التركيز على جرائم الرجال، وبالمقابل اتجهت بعض الدراسات إلى محاولة تفسير ظاهرة إجرام المرأة، والبحث عن العوامل التي تدفع بالمرأة إلى ارتكاب الجريمة، وتوصلت إلى أنه لا يمكن إرجاع إجرام المرأة إلى عامل أو متغير واحد، ففي دراسة بعنوان (جرائم النساء أنواعها وأسبابها)، والتي هدفت لجمع معلومات حول (34) سجينة في مدينة السليمانية بالعراق، كانت جريمة القتل في المرتبة الأولى، تلتها تعاطي وتجارة المخدرات والجرائم الأخلاقية، ووجدت الدراسة أن الظروف الاجتماعية ساهمت بشكل مباشر بدفع المبحوثات لارتكاب جرائمهن، وفي مقدمة هذه الظروف الخلافات الزوجية، وإهمال الزوج، ووجدت الدراسة أن أغلب المبحوثات من المتزوجات، وتزوجن رغمًا عنهن.

ووفقًا للإحصائيات تتصدر جرائم القتل والشروع في القتل قائمة الجرائم التي ترتكبها النساء، ومن أبرز الأسباب التي تدفعهن لارتكاب تلك الجرائم الخلافات الأسرية، والزوجية، ودافع العار، والدفاع عن العرض.

في كتابه (المرأة والجريمة من منظور القانون الاجتماعي دراسة قانونية – اجتماعية – ميدانية) يشير الدكتور نجيب علي سيف الجُميل، الأستاذ المشارك في جامعة عدن، إلى أن الجرائم المرتكبة من قِبل النساء في اليمن، حسب ما تشير إليه الإحصائيات الرسمية لها طابعها الخاص، لكون المرأة اليمنية بوجه عام قليلة الاختلاط بالآخرين، كما أن مشاركتها في الحياة الاجتماعية ضئيل، ويشير إلى أن حجم إجرام المرأة ضئيل جدًّا بالنسبة لإجرام الرجل، حيث لا تتجاوز 2%، وأن جرائمها تندرج ضمن الاعتداء على الأشخاص، وخاصة في الأرياف كالقتل والإيذاء أو الاعتداء الجسماني، والتي تعود في أغلب الأحوال إلى المشاكل الأسرية وكثرة النزاعات على الإرث والأراضي الزراعية بين المرأة وأقاربها، أو بينها وبين الآخرين، تليها جرائم الزنا، إضافة إلى السرقة. 

وفي الدراسة يشير الدكتور نجيب إلى وجود عيوب ونواقص وثغرات في القوانين الجزائية اليمنية، وخاصةً تلك النصوص المتعلقة بحقوق المرأة، سواءً بصفتها جانيًا أو مجنيًّا عليه، وعدم وجود نصوص قانونية في قانون الجرائم والعقوبات اليمني من شأنها مساءلة الشخص جنائيًّا، كالمتسبب في انتحار شخص آخر، وخاصة انتحار المرأة التي تربطها به صلة الزوجية أو القرابة كالبنت أو الأخت، وعدم وجود نصوص قانونية خاصة وواضحة من شأنها مساءلة الزوج جنائيًّا في حالة استيلائه على مال زوجته دون رضاها، بالتهديد أو استخدام القوة، أو مساءلة الأب إذا استولى على مال ابنته أو مهرها دون رضاها وكرهًا عنها، أو مساءلة الأخ إذا استولى على مال أخته أو على نصيبها من الميراث دون موافقتها أو جهلها بنصيبها، فلا يمكن إغفال أن القهر والعنف ومصادرة الحقوق والضغط المستمر الذي تتعرض له المرأة قد يصل بها في لحظة ما إلى التصرف بشكل غير متوقع، أو تلجأ للعنف أو الجريمة.

ترى النظرية الأخلاقية أن المرأة أكثر تدينًا من الرجل، وهذا ما يفسّر قلة إجرامها بالمقارنة مع حجم إجرام الرجل، ويذهب أنصار هذه النظرية إلى القول بأن المرأة أقلّ من الرجل ارتكابًا للجرائم؛ لأنها أكثر منه استجابة لتعاليم الدين، وأنها تتميز عليه بسمو الخلق، كما تتصف بالإيثار والتضحية، وتمتاز بالرقة والعطف والحنان، ومع كل هذا تظل الجريمة هي الجريمة، ولا بد أن يخضع مرتكبوها للقانون، وينالوا عقوباتهم، لكن قبل كل ذلك لنبحث عن السبب، فمعرفة السبب حماية أكيدة لأفراد آخرين اليوم وغدًا، وهي كذلك مسوغ عادل لينال الجاني حكمًا تؤخذ كل الأسباب فيه بعين الاعتبار.

*كاتبة وأكاديمية يمنية.

   
 
Advertisements

تعليقات