Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل*

يمكننا القول بثقة إن الكاتب السوري محمد الماغوط مقاتل شرس في سبيل الحرية، وهو يعلم بأن الاختبار الحقيقي للحريات في أي بلد إنما يبدأ أولًا من خشبة المسرح.

والدول العربية التي تمزقها الخلافات والصراعات السياسية وتكاد لا تتفق على شيء واحد في صالح الأمة، نجدها تضطهد المسرح بالإجماع! المسرح واحد من أشياء قليلة اتفق العرب بلا استثناء على قمعه ومواراته تحت التراب، وكأنه فضيحة تمس الشرف!

وفي مسرحيته “خارج السرب” (1) يكشف محمد الماغوط كيف تعمل السلطات العربية على تدمير المسرح وشل حركته وتسخيف رسالته.. وتدور الأحداث حول فرقة فنية محترفة، تعرض المسرحية العاطفية الشهيرة “روميو وجولييت” لشكسبير. وهذه المسرحية تعرض في أفضل مسارح البلد وهو “مسرح النخبة”، بالإضافة إلى أن المخرج يحظى بتقدير عالٍ في أوساط المثقفين، وقد حصد العديد من الجوائز. وعلى هذا الإيقاع يرسم محمد الماغوط طيلة الأربعين صفحة الأولى من مسرحيته تفاصيل عرض مسرحي جاد، توفرت له كل أسباب النجاح والتميز، فيشعر القارئ بفتور في المتابعة، لأن كل شيء يسير على ما يرام، وهنا قد يترك القارئ غير الصبور الكتاب، ويفكر بأن اسم (محمد الماغوط) ككاتب مسرحي كبير قد ضلله، لأنه لا شيء هام يحدث في المسرحية..

شطحات العبقرية

لكن عندما يبدأ العرض الافتتاحي لمسرحية شكسبير ونصل إلى أشهر مشهد غرامي في تاريخ المسرح العالمي، وهو مشهد تسلل روميو إلى شرفة جولييت وبوحه بحبه الجارف لها، يحدث شيء غريب للغاية.. يدخلنا محمد الماغوط في منعطف درامي لم يكن في الحسبان:

“روميو: تكلمي أيتها الملاك البهي، إذ إنك تسطعين في هذا الليل الدامس وتحومين فوق رأسي كرسول ذي جناح آت من السماء.

جولييت: روميو، روميو (روميو يلتفت بشكل مفاجئ) الله بتبص فين؟” (ص41 – 42).

ومع التفاتة روميو يلتفت الجميع إلى انبثاق شخص غريب من وسط خشبة المسرح، ومن بين أرجل الممثلين تمامًا، بثقة وشوق وكأنه في بيته وأعز، وعليه علائم نعمة، وبوادر كرش صغير يظهر من سترته المفكوكة الأزرار، بثياب فاخرة دون أناقة، وتحت إبطه مصنف، وبيده دفتر ملاحظات، وهو الذي أطلق عليه الكاتب مسمى “المندوب”! ونتبين أن هذا الشخص الغريب الذي صعد إلى خشبة المسرح والعرض شغال، هو مندوب المنظمة العربية العليا لتطوير وتحرير المسرح التابعة للجامعة العربية! وعندما يحاول مخرج المسرحية أن يدبر له كرسيًّا ليجلس في الصف الأول، فإن المندوب الوقح يأخذ الكرسي ويجلس في وسط المسرح ليتابع العرض من داخله كما يزعم! ويشعر أعضاء الفرقة المسرحية بالقلق والتوتر، لأن حضرة المندوب منهمك في الكتابة، فيعجزون عن مواصلة التمثيل، ويداهمهم الخوف:

 “المخرج: لحظة يا جماعة، لنعرف شو القصة.

المندوب مستمر في الكتابة.

المندوب: يا جماعة لا يروح فكركم بعيدًا أنا مهمتي أكتب تقريرًا عن المسرحية لا أكثر ولا أقل.

المخرج: يعني تقرير أمني؟

المندوب: ولك يا أخي ليش بتنقزوا فورًا وبتتوجسوا من رجال الأمن، صدقوني بيحترموكن كثير، وبيحبوا الفن أكثر ما بتحبوه انتو، والدليل الصالة مليانة رجال أمن” (ص44).

وبهدوء يطرح مندوب الجامعة العربية ملاحظاته التي تنفذ في الحال، ودون مناقشة، وهو يبدأ أولًا بالديكور، مقترحًا الطابع العربي للبيت والحارة، فيشرح له المخرج أن أحداث مسرحية روميو وجولييت تدور في إيطاليا، بإمارة فيرونا، ولكن المندوب يصر على رأيه، وأنه لا بد من إضفاء لمسة عربية على الديكور.. وهنا يقدم محمد الماغوط واحدة من شطحاته العبقرية، فهذا المندوب الثقيل الظل، الدخيل على المسرح الذي يصر على إضافة لمسة من البيئة العربية، تفتق ذهنه عن هذه الإضافة إلى ديكور المسرحية:

“يغيب عاطف وراء الكواليس ويعود حاملًا تنكة قمامة وفضلات، وسطل دهان وفرشاة، يفرغ محتويات التنكة على أحواض الزهور هنا وهناك، ويبعثرها تحت الشرفة حيث يقف روميو ثم يغمس الفرشاة في سطل الدهان، ويكتب بخط رديء ولكنه واضح: كلب ابن كلب كل من يبول هنا، ويرسم وردة صغيرة على كل من جانبي الجملة” (ص46).

ثم يُدلي المندوب برأيه في شكسبير، مُعتبرًا مضمون مسرحيته سخيفًا، والقصة أكل عليها الدهر وشرب، وأنه مؤلف عنيف ومتحجر، بل وحقود أيضًا. المخرج الذي يسمع هذه الآراء يشحب لونه، ويعجز عن الرد. ويقترح المندوب أن يتم تغيير حبكة المسرحية، فتتصالح أسرتا روميو وجولييت، وأن تكون خاتمة المسرحية سعيدة، وأن تنتهي بعرس ودبكة!

شكسبير على الطريقة العربية

والمندوب لديه ما يبرر إجراء هذه التغييرات على نص شكسبير:

“المندوب: بصراحة أهل روميو وأهل جولييت لازم يتصالحوا وينسوا الماضي ويفتحوا صفحة جديدة، لأنو في معطيات عربية ودولية جديدة وتوازن قوى لازم تأخدوها بعين الاعتبار” (ص53).

ونتيجة لتعديلات المندوب في النص تدعو الحاجة إلى المزيد من الممثلين، فيطلب المندوب من بقية أعضاء اللجنة الصعود إلى خشبة المسرح للتمثيل، وشيئًا فشيئًا يحل هؤلاء الإداريون الجهلة محل الممثلين المحترفين، وتحل رئيسة اللجنة الكهلة محل الفنانة الأصلية في دور جولييت! وبعد كل هذه التشويهات والبهدلة يفشل عرض مسرحية روميو وجولييت فشلاً ذريعًا، فتقرر اللجنة المكلفة من الجامعة العربية أن تبيع “مسرح النخبة” العريق.

وكان المتوقع أن يعترض الناس على هذه الخطوة، لكن الذي حصل هو العكس، فقد انهالت برقيات التأييد والمباركة لقرار اللجنة من كل حدب وصوب:

“نبارك ونؤيد بكل حزم خطوتكم الرائدة والشجاعة في بيع المسرح العربي مع كامل ممثليه ومخرجيه ومؤلفيه، بغية تحريره من العبث والتحجر، وإنقاذه من العروض الهابطة والمسيئة لأخلاقنا وتراثنا، ونرجو أن تكون خطوتكم التالية هي بيع المشاهدين أيضًا” (ص99).

بهذه اللهجة الساخرة يهاجم محمد الماغوط أعداء المسرح العربي، وهم تحديدًا الإداريون المتحذلقون الذين يرون في أنفسهم مواهب أعظم من مواهب أهل المسرح الحقيقيين، ويظنون أنهم يفهمون في النص المسرحي والديكور والإخراج أفضل من المعنيين بهذه الأمور، وهم لا يعلمون أنهم الديدان التي نخرت المسرح العربي وما تزال.

وطبعًا يختبئ خلف ظهور هؤلاء الإداريين النظام الحاكم بأكمله، فهم الذين يلوثون أيديهم بالرقابة على النصوص المسرحية، وحذف ما يُشم منه رائحة نقد للنظام، أو التعدي بالمنع التام، نيابة عن السلطة الحاكمة.

ولكن هذه الصلاحيات الرقابية الممنوحة من النظام للإداريين لن تقف عند حد معقول، بل ستؤدي إلى نتائج خطيرة، إذ سيطمح الإداري الذي كل موهبته أنه (مخبر شاطر) إلى المشاركة في العرض المسرحي، وفرض نفسه بحكم نفوذه ومنصبه، ومن عرض لآخر تمتلئ نفسه بالغرور والوهم بأنه فنان قدير، فإذا هو يزيح الفنانين الموهوبين من طريقه ويحاربهم بضراوة، ثم يستأثر بالعمل المسرحي فارضًا على البلاد كلها ذوقه الفني الرديء، وطريقة تفكيره الضحلة الهابطة.

كتب محمد الماغوط (2) مسرحية “خارج السرب” لتوضيح علة المسرح العربي وأين تكمن.. وهو أيضًا لا يبرئ ساحة أهل الفن من المسؤولية، بل يرى أن من واجبهم الدفاع عن حريتهم واستقلالية الخشبة التي يمثلون عليها، ولو أدى ذلك إلى انتحارهم، أو إحراق أنفسهم بالنار احتجاجًا على التآمر الذي لحق بمسرحهم.

“خارج السرب” نص مسرحي فتًّان، كتبه محمد الماغوط بأعصابه ودمه، وكأنه يتعارك بالأيدي مع لصوص سفهاء، يقتحمون الدار ويسألون أصحابه: كيف دخلتم إلى بيتنا؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

  1. خارج السرب: محمد الماغوط، مسرحية، دار المدى، دمشق، 1999.
  2. محمد الماغوط: شاعر وكاتب مسرحي وروائي وسيناريست، مواليد 1934 حماة سوريا، له ثلاثة دواوين شعرية (حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي) وأعمال مسرحية (شقائق النعمان، العصفور الأحدب، المهرج) وسيناريوات مسلسلات تلفزيونية (حكايا الليل، وين الغلط، وادي المسك) وكتب سيناريو فيلمين سينمائيين (الحدود، التقرير) ورواية واحدة (الأرجوحة) وكتب أخرى متنوعة (سأخون وطني، سياف الزهور، شرق عدن غرب الله، البدوي الأحمر) فاز بالعديد من الجوائز، آخرها جائزة العويس للشعر عام 2005، وتوفي في عام 2006.

*روائي وكاتب يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات