Accessibility links

وجدي الأهدل*
نتطرق هنا إلى خطورة الكلمات اليومية التي نتفوه بها منذ استيقاظنا في الصباح وحتى خلودنا للنوم في الليل، وسنوضح أن الإجمالي العام لهذه الكلمات على مستوى الأمة، هو الذي يرفعها إلى القمة أو يهوي بها إلى الحضيض.

Advertisements

وسنبدأ أولاً بنموذج بشري منتشر في أوساطنا، هو “موزع القذارة النفسية”.. أي ذلك الشخص الذي يوزع ما تحتويه نفسه من قذارة نفسية على المحيطين به، سواءً كانوا بشرًا أو حيوانات أو نباتات أو حتى جمادات! وهو أشبه ما يكون بحافلة القمامة، يختزن في جوفه خليطًا مقرفًا من الأوساخ، مع فارق أن شاحنة القمامة تجمع الزبالة وتساهم في تنظيف البيئة، وأما “موزع القذارة النفسية” فينثر زبالته النامية داخله في جميع الاتجاهات، ملوثًا البيئة الاجتماعية، ومحدثًا أشد الضرر بالصحة النفسية للآخرين.

يفتح “موزع القذارة النفسية” عينيه لاعنًا العصافير التي أيقظته من سباته بزقزقاتها، ويشتم أفراد أسرته الذين لم يبرمجوا أنفسهم وفقًا لنمطه المعوج في الحياة، ولم يتكيفوا مع عاداته ليصفو مزاجه! وعندما يخرج من بيته فإنه يتأهب لدلق لعناته وألفاظه البذيئة على سيئي الحظ الذين سيصادفهم في طريقه، وإن لسانه لَيحكّه للنيل من أمهات الآخرين وأعراضهم، فإذا أحصينا ما تلفظ به هذا “الموزع” طيلة 16 ساعة هي مجمل ساعات يومه التي بقي خلالها صاحيًا، فإننا سنذهل من كمية الكلمات الفاحشة التي نطق بها، ومقدار اللعنات التي وجهها للرجال والنساء والأطفال ممن وضعهم القدر في مساره، وكأنه زوبعة تلفح الوجوه بالتراب وتُخلِّفُ غبارها على أرواحهم.

يُشكل هذا “الموزع للقذارة النفسية” خطرًا جسيمًا على المجتمع، قد لا نشعر بمدى التخريب الذي يُحدثه نظرًا لاعتيادنا على قاذوراته، ولكن بشيء من النظر والتفحص نكتشف أنه السبب في التراجع العام للخلق الحسن على مستوى الأمة، واختفاء آداب السلوك الراقية، وغياب الابتسامة من الوجوه.

“موزع القذارة النفسية” تتجمع بداخله الأوساخ عبر سنوات ولا يبذل جهدًا لتنظيف روحه، حتى يصل إلى مرحلة الامتلاء فتتشبع شخصيته بهذا المحتوى الرديء، فلا يجد مفرًّا من نضح فائض قاذوراته على الآخرين وتلويث مجالهم النفسي.

في المجتمع اليمني نلاحظ أن عينة “الموزع” تكاد تطغى على غيرها من البشر الأسوياء، وتأثيره مُعدٍ وسريع الانتشار، وأخشى أن يأتي يوم وتصبح هذه الآفة سمة تطبع شخصية الإنسان اليمني.

من الأمور البديهية أن يكون التعامل بين أفراد المجتمع ضمن إطار من التهذيب والسلوك الحسن، وألاّ تُسمع الألفاظ النابية إلا في حالات نادرة جدًّا، وأن تشيع بين الناس في شوارعهم وأسواقهم ومقار أعمالهم وبيوتهم الألفاظ اللطيفة، والأجواء الودية، والابتسامات المرحبة، كل هذا لجعل الحياة طيبة ومتوازنة، لكي يشعر كافة أفراد المجتمع بالراحة والطمأنينة، وذلك من خلال البوادر الإيجابية التي بدرت منهم في سائر أحوالهم.

ويمكننا أن نضرب مثلاً بالشعب الياباني المعروف بتهذيبه العالي، وبالاحترام المتبادل الذي يبديه كل فرد للآخر، والانحناء الذي يقومون به للتعبير عن تبجيلهم لمن يقف أمامهم، ولهم في هذا تقاليد عريقة ضاربة في القِدم، وكان نتيجة هذا السلوك ظهور شعب مهذب، وانعكس هذا التهذيب طاقة نفسية إيجابية تعم سائر فئات المجتمع، فإذا بالشعب الياباني يقفز إلى قمة شعوب العالم تحضرًا وعلمًا وثقافة وثراءً، ويحقق مستويات قياسية من السعادة والحياة الرغيدة.

في المجتمعات التي لا تُراعي قواعد التهذيب والسلوك الحسن، سوف نلاحظ تدهور هذا المجتمع، وترديه في العوز والجهل وتراجع الإنتاجية واحتياجه إلى المعونات الأجنبية، واتساع ظواهر الانحطاط الأخلاقي للمجتمع، مثل الكذب والغش وخيانة الأمانة وفساد الذمم، ومن ثم تدني مستوى الحياة بشكل عام.

لا يمكن لمجتمع يفتقر إلى “التهذيب” أن يُحقق أيّ خير، لا لنفسه بشكل خاص، ولا للبشرية بشكل عام.

هناك نوع من التجاوب بين المشاعر النفسية الشائعة في المجتمع، وبين درجة الأداء السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي التي تنتج عن هذا المجتمع.. وإنه لمن العسير أن ينجح السياسي العادل، والاقتصادي المتخصص، والمثقف التنويري، والعالم العبقري من صنع التغيير إلى الأفضل، في مجتمع يغلب على أفراده سمة تثبيط الهمم، والاستهزاء والسخرية من كل مجتهد، والجهر بالعداء لمن يجرؤ على “التجديد”.. هؤلاء الذين ابتُلينا بهم في بلادنا وما أكثرهم، هم المسؤولون عن دفع صفوة المجتمع إلى الهامش وفقدان تأثيرهم الإيجابي.

قد نعثر على موزع القذارة النفسية في شخص سائق دراجة نارية، يسب بألفاظ نابية كل رجل أو امرأة أو طفل أو مسن يتصادف أن يقطع السكة، وحضرته منطلق بسرعة صاروخية غير آبه بأرواح الناس.

وقد نعثر على موزع القذارة النفسية في هيئة جماعة بشرية كبيرة العدد، تحزبت لتحقيق هدف معين، ولكنها في خطابها الإعلامي لا تختلف في شيء عن سائق الدراجة النارية، فنجد الألفاظ الشوارعية والقدح في الأعراض، والسخرية والاستهزاء، وأخيرًا الغياب النهائي للتهذيب والتدني إلى مستوى الحيوانات أو أدنى.

عند نشر هذا المقال، سيظهر موزعو القذارة النفسية للرد عليّ، ولكنني لا ألومهم، لأن اللوم يقع على التربية التي تلقوها في صغرهم، إذ ينشأ موزع القذارة النفسية في طفولته على إطلاق العنان للسانه في التلفظ بالألفاظ البذيئة على أفراد أسرته، وعلى جيرانه، وعلى أساتذته في المدرسة، وعلى الأكبر منه سنًّا، دون أن يُجابه بتأنيب من الوالدين.. فإذا شبَّ هذا الولد عن الطوق، والتحق بموقعٍ ما في المجتمع، فإن لسانه المتمرس بالبذاءة والاستهزاء والسخرية والكذب واللعن والنيل من الأعراض، لن يكف عن نشر أوساخه وقاذوراته باسمه شخصيًّا، أو باسم الفئة التي انتمى إليها.. ولهذا نجد الفحش فاشيًا في الخصومة لدى السياسيين اليمنيين، بل وحتى في أوساط المثقفين، دون أن يوجد لديهم أدنى شعور بالحياء أو الخجل.

والآن تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بموزعي القذارة النفسية، الذين فتحت لهم هذه الوسائل الباب على مصراعيه لنشر قمامتهم النفسية على نطاق واسع، في فيسبوك وتويتر وانستغرام وسواها من المواقع، وخرجوا من نطاقهم الجغرافي المحدود، إلى نطاق مفتوح يمتد إلى قارات العالم الست، فهذا هو العصر الذهبي لموزعي القذارة النفسية، وربما قريبًا ستنشأ جوائز تكافئ المفسبك الأكثر انعدامًا للتربية الحسنة، والتويتري الأشد إيغالاً في اللعن والشتم، ولن تكون تلك الجوائز سوى منح الفائز بها مليونًا من اللعنات يسديها إليه مانحو الجائزة.

إذن، فما هو الحل للتخلص من التأثير السلبي لموزع القذارة النفسية؟ على الأقل على المستوى الشخصي؟

نجد الحل في حكاية زِنية جميلة عنوانها “الزورق والراهبان”، وتحكي عن راهبين أحدهما مسن والآخر شاب، قررا عبور النهر في زورق صغير، ولكن تصادف أن هبت رياح عنيفة وانتشر الضباب، فذعر الراهب الشاب وظل يولول متخيلاً أن العاصفة ستغرقهما، بينما ظل معلمه صامتًا وساكنًا، ثم ظهر فجأة قارب كبير يتجه نحوهما، فأشار إليه الراهب الشاب قائلاً: “أيها المعلم، القارب يوشك أن يصطدم بنا، يا براهما! اللعنة على هذا الربان المجرم، فلتستمر دورة تناسخه مليون سنة، فليصبح ابن آوى، ضبعًا، جرذًا، بقة..”، وفي آخر لحظة قام المعلم بمناورة بارعة وتجنب الاصطدام، فتابع الزورق والقارب طريقهما بسلام، حينها سأل راهب الزن الفتى: “هل رأيت ما في جوف القارب يا كاسوكو؟”، فرد الراهب الشاب: “نعم أيها المعلم، الشكل الذي حسبته رجلاً كان كيس حبوب”، فنظر إليه راهب الزن متسائلاً: “قل لي يا كاسوكو، على من غضبت كل هذا الغضب؟!”.

هذه الحكاية الرمزية توضح لنا كيف نتعامل في حياتنا مع موزعي القذارة النفسية، إذ يجب ألا نغضب منهم، بل نتجاوزهم، ليمضي كلٌ في طريقه، فما هم سوى قوارب منفلتة هيجتها العاصفة وطوحت بهم في اتجاهات عشوائية، وأما عقولهم فليست سوى أكياس حبوب لا تعقل ولا تملك من أمرها شيئًا.

*روائي وكاتب يمني

  • 257
    Shares
Advertisements

تعليقات