Accessibility links

Advertisements

أ.د. محمد عبدالكريم المنصوب*
دون أدنى شَكّ فقد شكَّلت هذه النّبْتة مسارات حياة غالبية أبناء هذا البلد وسلوكياتهم وطُرُق معيشتهم إلى حدٍّ كبيرٍ جدًّا، ورسَم وأفرَز تعاطيها والتعامل بها والتعايش معها ملامح ومعالم عادات وواقع اجتماعي غايةً في التفرُّد والخصوصية قلَّ نظيرها، أو ربما لا نظير لها في أيِّ بقعة من بِقاع العالم.
وأظنّ، في هذا المقام، أنّ عُلماء الاجتماع في اليمن، والمتخصصين في العلوم النفسية والفلسفية خصوصًا، والتخصصات الأخرى التربوية والطبية والكيمياء والاقتصاد، وربما علوم أخرى، أمامهم أمر لا ينضب مَعِين بحثه؛ كونه يُلامِس بقوة كلّ تلك الزوايا والأبعاد، والحقيقة أنني قد تحاشيتُ الكتابة حول هذا الموضوع لسببٍ بسيط، وهو أنّي – أصلاً – أتعاطى القات (دون الشعور بأيّ حرج)، وإنْ كان بمعاييري الخاصة، ومنذ سنوات مُبكّرة من حياتي لأسباب لا داعيَ لذكْرها؛ لِعدم أهميتها في هذا السياق، وقد خشيتُ أنْ يتأثر قلمي سِلبًا، فأُظهِر في القات محاسن ليست فيه عن غير دراية أو تفكير، متأثرًا فقط بِنَشوتي الخاصة مِن تعاطيه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن لديَّ ما أضيفه لمِا قاله ويقوله الكثيرون حوله، والتي جُلّها ينحصرُ في إبداء وتحليل تبعاته وأضراره المدمِّرة على صحة المتعاطين والاقتصاد والمياه والتربة،…..إلخ، والتي لا أشكّ مطلقًا بصحتها، ولا أتقوَّل ببطلانها أو عدم مصداقيتها وعقلانيتها، ولكنني بعد زمن من التفكير الهادئ في هذا الأمر (الظاهرة)، قد وقفتُ أخيرًا على مفهوم، أو قُلْ وجهة نظر غير تقليدية حوله، ساعدتني في بناء منظور فلسفي مُقْنِع لي على الأقل، وأودّ هنا طرحه أمامكم لعلّ فيه ما يفيدُ وينفع، حيث شكّلت وجهة النظر تلك من خلال زاويتين أو بُعدَين، أولهما روحاني إيماني والآخر عقلاني، وإنْ كانا في حقيقة الأمر ينبعان من أصلٍ واحد، أما البُعد الروحاني الإيماني فمنبعه الإيمان المُطْلق الذي لا يطاله شكّ – أيّ شكّ – بأنّ الخالق، جَلّ وعَلا، لا يُمكِن بأيّ حال من الأحوال أنْ يخلُقَ شيئًا ضارًّا أبدًا أو عَبَثًا، وقد جعل لكلّ مخلوق، حيوانًا أم نباتًا أم جمادًا، حكمة خلْقٍ يعلمها سبحانه وتعالى.. وبإدراكنا لِهذه الحقيقة المُطْلَقة والاقتناع بها كُلّيًّا، يأتي البُعْد الآخر (العقلاني) لِيضَعَ لَبِنات ذلك المنظور الفلسفي في قالبٍ يسهل فهمه واستيعابه، حيث يأتي السؤال مباشرة: (كيف لنا إذًا أنْ نقولُ ونؤكّد أنّ شجرة القات ضارة، “ثم يأتي السؤال الآخر”: إنْ كانت ضارّة، فلماذا يباركها الله في كلّ مكان، وتحت أيّ ظروف، وتنتشر بهذا الطوفان؟!)، وبالنظر إلى معرفة الناس جميعهم بمَضارّها وآثارها، “فلماذا هذا الإقبال عليها مِن كلّ شرائح المجتمع، حتى الأطفال والنساء، ومِن كلّ الفئات العُمرية؟”، ثم ننتقلُ إلى سؤال آخر لا يَقِلّ أهميةً عن سابقيه، وهو لماذا لا يُمكِن اعتبار نموّ وانتشار هذه الشجرة، وبهذا الشكل السرطاني، إيعازًا من الخالق، جلّ وعلا، بأنّ وراءها أسرارٌ لو حاولنا كشفها، وتعرَّفنا على مكوناتها لأرانا فيها من عجائب قدرته الكثير؟.
هذه الأسئلة تحديدًا، إذا حاولنا أنْ نُجِيبَ عليها بعقلانية ورَويّة لا شكّ بأنها ستقودنا إلى فهم واستيعاب هذه الظاهرة من خلال أبعاد جديدة قد تُشكّلُ انبعاثًا حقيقيًّا لِواقعٍ اجتماعي جديد لا يقوم على رفضها؛ لِأنّ الزمان و الأحداث أثبتت استحالة ذلك، بل بكيفية التعايش معها واستثمارها واستغلالها… ولكن كيف؟!، وهنا أقول إنّ أوّل خُطوة يجبُ أنْ نخطوها تقومُ على مبدأ الإقرار بعدم جدوى أيّ حلولٍ تقليدية لمحاربة الظاهرة، بما فيها فرْض قوانين أو استخدام القوة أو التعويضات المالية، أو ما إلى ذلك؛ لِغياب البدائل الاقتصادية والمعيشية، وغياب الدولة سابقًا، على الأقل في المدى المنظور أو بَعده، ثم يأتي بعد ذلك التعاطي الإيجابي المدروس من خلال إنشاء مركز وطني متكامل لِأبحاث القات تُسخَّر له كلّ الإمكانيات الفنية والبشرية والمادية، هدفه دراسة كلّ الجوانب المتعلقة به، وتنفيذ كلّ مخرجاته البحثية وتوصياته أولاً بأوّل، ويترافقُ مع إنشاء ذلك المركز تخصيص أراضٍ واسعة كحقولٍ تجريبية بحثية تكون نواة لِمَزارع قات تتبناها الدولة، وتحت إشرافٍ صارِم من قِبَلِها.. وهنا قد يقول قائل أَتُريد أنْ تتبنّى الدولة زراعته بدلاً عن محاربته؟، وأقول “نعَم وألْف نعَم”؛ لِدوافع أحدها يتناغم مع ما ذهبتُ إليه في طرحي هذا، حيث يقوم الدافع الأول على توافر قناعة تامة وإيمان مُطْلَق بأنّ الأبحاث العلمية المعمَّقة، والتراكم المعرفي من التجارب المَعْملية والحقْلية التي سيتم إجراؤها ستفضِي إلى فضاءات واسعة من الاكتشافات المهمة، والمؤثرة جدًّا في حياة اليمن واليمنيين… فكيف؟، وهنا أقول هل يستطيع أحد أنْ يؤكّد أنَّ الأبحاث العِلمية لن تُفْضِي إلى اكتشاف فصائل من القات، أو تطوير فصائل فيه غير ضارة للاستخدام الآدمي يُمكِنُ أنْ يكون لها فوائد بدلاً عن أضرار؟، وهل هناك مَن يُثبِت أنّ مِنْ غير الإمكان استخلاص بعض المركبات الكيميائية أو الطبيعية، أو مركبات قد تُساعِدُ على محاربة أمراضٍ بشريّة ونباتية معيّنة، أو تطوير مخصبات زراعية آمنة؟، ثم إنّ هناك أمرًا آخر له أهمية خاصة واستثنائية، يتعلقُ بالواقع المائي الحرِج الذي تعيشه اليمن، فمِن المعروف أنّ زراعة القات حاليًّا تستنزفُ نسبة هائلة من المياه، فهل هناك مَن ينفي أنّ الأبحاث العلمية قد تقود إلى استنبات فصائل قات لا تحتاج إلّا إلى كميات قليلة من الماء؟!!، وبالتالي الحفاظ على المخزون المائي واستخدامه في الجوانب الزراعية والنباتية الأخرى، ويقوم الدافع الآخر على مبدأ وطني مفاده أنّ صحة أفراد المجتمع ومراقبة وتتبُّع المؤثرات السلبية فيهم، يُفترَضُ أنْ يكون من أولويات الدولة، أيّ دولة.. وبناءً عليه سيُمثّلُ تبنّي الدولة لِزراعة القات البداية الحقيقية للحدّ من الكيماويات السامّة التي دأب المزارعون على استخدامها لِغرض زيادة الإنتاج وتسارعه.
وبرغم أنه قد أصبح معروفًا تمامًا الآثار الصحية المدمِّرة لِهذه الكيماويات الخطرة على البشر، وكذلك التُّربة، إلا أنّ منْع استخدامها والإتجار بها وتداولها أمْرٌ يصعُب التحكم به لأسباب كثيرة ومعروفة.
وهكذا فإنَّ خروج قات إلى الأسواق لا يحوي تلك السموم سيجعلُ متعاطيه يذهبون دون تردُّد لِشرائه، وشيئًا فشيئًا سيجدُ المزارعون أنفسهم أمام خيار وحيد، وهو الابتعاد عن تلك الكيماويات إذا أرادوا لِسلعتهم أنْ يستمرّ سوقها، حينها تكون الدولة قد استطاعت – إلى حدٍّ كبير – أنْ تحُدّ من استخدام تلك الكيماويات بشكلٍ سَلِس، ودون إكراه وصِدامات متوقَّعة، وحققت نجاحات مهمة في المجال الصحي للأمة.
وأخلص إلى القول إنّ المجتمع اليمني أمام قضية كبرى (القات)، والتعاطي معها يجبُ أنْ يتجاوزَ أيّ حلول جُزئية مبنيّة على عواطف ومواقف معيّنة؛ لِأنّ هذا – من وجهة نظري – لن يُجدِيَ نَفعًا، وإذا كان للدولة أنْ تنظر إلى هذه القضية، فيجبُ أنْ يكونَ من منظور استراتيجي عميق ومدروس بعناية فائقة، وقد حاولتُ مجتهِدًا في هذا المقال أنْ أضعَ بعض الملامح لتلك الاستراتيجية المطلوبة، و مستنِدًا إلى فلسفة ذاتية قامت على الملاحظة والتأمّل لِسنوات طويلة، ولِأنها ذاتية فلا بُدّ أنها تفتقِرُ إلى عناصر غابت عن إدراكي، وحَسبي أنني وضعتها مُجتهِدًا أمام القارئ، أو المهتم، أو صانع القرار لِيرى ما يراه.
اللهم إني أستودعك اليمن وأهله..

الساعة الثالثة فجرًا من صباح يوم الاثنين 11/ 3 / 2019م
*رئيس مركز درسان للاستشارات والتدريب

 

 

  • 106
    Shares
Advertisements

تعليقات