Accessibility links

وجدي الأهدل*
المؤرخ اليماني العظيم وهب بن منبه التابعي الجليل (ولد بمدينة ذمار عام 655م)، وأقدم من ألّف الكتب في الإسلام، الذي له أصولٌ يهودية يمنية، يُدلي بملاحظة مهمة عن الشجرة التي أخرجتْ آدم من الجنة، في كتابه “التيجان في ملوك حمْير”:
“وإنّ إبليس راعى أحوال آدم فلم يجده يغفل إلا عند إفاقته من نومه، فلما أفاقَ آدم من نومه، أتاه إبليس فقال له كُلْ من هذه الشجرة يذهب عنك ما تجد من كسل ووهن، فمد يده فأكل” ص17.

Advertisements

ومن وصْف وهْب بن منبه يتضحُ أنّ المقصود شجرة القات التي لها مفعول منشط. ليست الشاي أو القهوة، لأنهما يشربان ولا يُؤكلان.

ويبدو أنّ شجرة القات ومفعولها المنشط، كانت معروفة لدى أسلافنا اليمنيين قبل دخول الإسلام بكثير، ولكن اليمنيين تنبهوا مبكرًا جدًّا إلى خطورة هذه الشجرة، فاخترعوا أسطورة تزعمً أنّ آدم خرج من الجنة بسبب تعاطيه أغصان القات! فجعلوها شجرة ملعونة، واتخذت المسألة بُعدًا دينيًّا، ولاحقوها في كلِّ أراضي اليمن الزراعية حتى أوشكتْ على الاندثار.

وهناك أدلة تاريخية أنّ الفراعنة قد عرفوا شجرة القات، وتأثيرها المنشط، وكانوا يتعاطونها للحصول على الخيالات الخارجة عن المألوف.. وربما كانت اليمن إحدى الدول التي يحصلون منها على القات المجفف.

تذكُر المصادر التاريخية الحديثة أنّ شجرة القات انتقلت من إثيوبيا إلى اليمن في القرن السادس عشر الميلادي، أيّ قبل خمسمائة عام تقريبًا، ثم انتشرت عادة مضغه في عموم اليمن، وخصوصًا المناطق الشمالية.

ولكن هذه هي مرحلة الانتشار الثانية للشجرة الملعونة، التي عادت من وراء البحار لتستوطن الأراضي الزراعية الخصبة في اليمن. وجميع أشجار القات في اليمن هي فسائل مأخوذة من أشجار وليست أصلية، ولكن ثمة مؤشرات تذكُر العثور على أشجار قات تنمو بريًّا في مناطق نائية في أعالي جبال خولان الطيال.. وهذا ليس مستغرَبًا، فاليمن وإثيوبيا بيئة إيكولوجية واحدة، ولهما تاريخ جيولوجي مشترك، والغطاء النباتي متشابه.

ومن إشارة وهْب بن منبه نفهم أنّ الديانة اليهودية قد أنقذتْ اليمنيين من إدمان تعاطي القات أيام الحميريين القدماء، ونجحوا في استئصالها.

وعليه فإنّ واجب الديانة الإسلامية في وقتنا المعاصر أنْ تهُبّ لإنقاذ الشعب اليمني من محنة شجرة القات، عن طريق إصدار فتوى باسم كبار علماء المذهبين السُّني والشيعي، تنصُّ على تحريم مضغ القات وبيعه وزراعته، استنادًا إلى القاعدة الفقهية التي تحرم ما كان ضرره أكثر من نفعه، كالخمر والقمار، فالأول يضر العقل، والثاني يضر الجيب، وأما القات فقد جمع بين السيئتين، فضرره يصل إلى العقل والجيب معًا

تتفق القاعدة الفقهية الإسلامية مع الفطرة البشرية السليمة، ولذلك يمكنُ لعلماء الإسلام (اليمنيين) إصدار الفتوى بضمير مرتاح.
مسألة تضرر الجيب، وخصوصًا جيوب الفقراء، واضحة لا لبس فيها. ولكن مسألة تضرر الدماغ جراء إدمان تعاطي القات، فيها باب مفتوح للجدل، ومعظم الذين يخزّنون ينفون بشدة أنْ يكون للقات تأثير ضار على الدماغ.. ويتجاهلون أنّ طقوس تعاطي القات يوميًّا، على مدار سنوات، تجعل هذا الجهاز العظيم بليدًا خاملاً بطيئًا وشبه ميت، بسبب حالة التكرار الرتيبة للمقيل، والثرثرات التافهة التي تُلاك وتُعاد فيه إلى ما لا نهاية.

إنّ الأشخاص الذين يرفضون رفضًا قاطعًا الربط بين إدمان تعاطي القات وفشل التنمية في اليمن، هم أنفسهم أكبر دليل على الضرر الذي يُحدثه تعاطي القات في الدماغ! وهي مفارقة مضحكة فعلاً.

حروب الأفيون

على اليمنيين أنْ يتعلموا الدرس من الصينيين الذين فرضتْ عليهم القوى الاستعمارية إدمان الأفيون، حتى وصل عدد المدمنين إلى 120 مليون شخص، وتحولت الصين إلى بلد ضعيف خائر القوى، يرزحُ تحت وطأة الفقر والديون الخارجية.

قامت الحرب الأولى بين الصين وبريطانيا في عام 1839م بسبب القوانين التي أصدرتها الصين للحدّ من زراعة الأفيون واستيراده، ولكن بريطانيا أعلنت الحرب؛ بسبب الأرباح الضخمة التي كانت تجنيها من تجارة الأفيون. خسرت الصين الحرب، وأمست هونغ كونغ مستعمرة، وانتشر تعاطي الأفيون بشكلٍ مرعب بين المواطنين الصينيين، ما أدى إلى تراجع الإنتاج في المدن والأرياف. فحاولت الدولة الصينية مرة أخرى وقف هذا التدهور والتدخل لإنقاذ البلد، فنشبت حرب الأفيون الثانية عام 1856-1860، ودخلت فرنسا الحرب إلى جانب بريطانيا، وخسرت الصين تلك الحرب أيضًا، وسُمِح بتعاطي الأفيون وزراعته دون قيد أو شرط، وكان المخطط هو إبقاء الصين بلدًا منهكًا بالفقر والأمراض والجهل بواسطة الأفيون.

لقد سمَّى الصينيون تلك الفترة التاريخية بـ”قرن الذل”. آنذاك كانت الصين تحت رحمة القوى الاستعمارية، ومفتوحة على مصراعيها أمام الشركات ورجال الأعمال من كافة الجنسيات، ولاحقًا أرضًا مباحة تحت أقدام الجنود اليابانيين والفرنسيين والبريطانيين، وانتزعت كلّ واحدة من تلك الدول الاستعمارية الأراضي التي تطيب لها من التراب الصيني.

لقد خاض الصينيون ملحمة عظيمة للخلاص من مخدر الأفيون، وتطلّب الأمر حاكمًا يحكمُ بقبضة حديدية لا ترحم، لإنقاذ الصين من وضعها المزري، وتحقق هذا الأمر في عهد ماو تسي تونغ، الذي قضى على زراعة وتعاطي الأفيون نهائيًّا، فطوت الصين هذه الصفحة السوداء من تاريخها إلى غير رجعة.

ثم حدث الذي توجستْ منه الدول الاستعمارية، فنهضت الصين من بين الركام، وتفوقت في ناتجها القومي على اليابان وفرنسا وبريطانيا، تلك القوى الاستعمارية التي حاولت في الماضي ابتلاع أجزاء من الأراضي الصينية.

والصين تتأهبُ اليوم لإزاحة أمريكا عن عرشها كأقوى قوة في العالم، وما هي إلا بضع سنين ويصحو العالم، وقد غدت الصين أعظم قوة سياسية واقتصادية وتكنولوجية في العالم.

نحن في اليمن، نمر بما مرت به الصين في القرنين التاسع عشر والعشرين، ونعيش الآن في حقبة “قرن الذل”. وهذا الذل لن يُرفع عن رقاب اليمنيين حتى يُجمعوا أمرهم على استئصال شجرة القات من اليمن نهائيًّا، وإحلال أشجار منتجة مفيدة محلها، مثل أشجار البن واللوز والفواكه والخضار والقمح.

هل يتطلبُ القضاء على القات ظهور حاكم متسلط مستبد يقتلعُ أشجار القات ويُحرق مزارعه بقوة الحديد والنار؟ هذا هو العلاج الجراحي الذي يسبب الألم للمريض، وقد يؤدي إلى مضاعفات أسوأ.. والحل الصحيح هو إصدار قوانين تنظم عملية قلع أشجار القات، مع برامج تمويلية سخية للمزارعين، تعوضهم عن خسائرهم، ريثما يجنون ثمار الأشجار البديلة التي زرعوها.

مثلاً شجرة البن تحتاج إلى سبع سنوات حتى تبدأ بطرح ثمارها، وخلال سنوات الانتظار السبع يحتاجُ المزارع إلى دفعات مالية منتظمة، من صندوق تنشئه الدولة، ليتمكن المزارع من تغطية نفقات معيشته.

وأما أنْ نطلب من المزارع قلع أشجار القات دون أنْ نحسب حساب احتياجاته المعيشية، فهذا ضرب من ضروب الحماقة، وبلا شك سيحق له أنْ يرفعَ السلاح ليدافع عن مصدر رزقه ورزق أطفاله.

وأقترحُ إنشاء صندوق “اليمن الخضراء” لدعم المزارعين الذين يتخلون طوعيًّا عن زراعة القات، ويستبدلونه بزراعة أشجار أخرى، وأنْ يتم تمويل الصندوق من ضريبة القات، وموارد أخرى كالسجائر ونحوها.

ويجبُ أنْ يترافق الدعم النقدي مع أنواع أخرى من الدعم، مثل الإعفاءات الضريبية لمدة عشر سنوات، والدعم التقني الذي يقدمه مستشارون يعملون جنبًا إلى جنب مع المزارعين، وتنظيم دورات تدريبية للمزارعين لرفع كفاءتهم وتحسين جودة منتجاتهم، وتزويدهم بشبكات الريّ بالتنقيط التي تُساعد على التوفير في استهلاك المياه.

ويمكنُ الاستفادة من تجربة وكالة سمبس (SMEPS) في هذا المجال، التي قدمت الدعم النقدي والتقني لأكثر من 1200 مزارع من مزارعي البن، وقامت على سبيل المثال بإرسال 38 مدربة إلى منطقة برُع، قمْن بتدريب مئات النساء من مزارعات البنّ، فزادت إنتاجية البن بنسبة 90%، كما ارتفعت جودة البن، وأصبح يُباع بأسعارٍ أعلى.

يجبُ أنْ يتحالف المجتمع اليمني بكافة أطيافه، ويضعُ ثقله وراء حملة القضاء نهائيًّا على شجرة القات، وتركيز الموارد المادية والتقنية لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، ما لم فإنّ “قرن الذل” الذي يرزح تحته اليمنيون لن ينتهي.

*روائي وكاتب يمن

  • 299
    Shares
Advertisements

تعليقات