Accessibility links

Advertisements

عبدالباري طاهر*
في الذكرى الحادية عشرة من فبراير 2011 يقف الشعب اليمني كافةً إزاء الحدث العظيم، والهبة القومية التي هزت أركان أنظمة الفساد والطغيان في الأرض العربية، ابتداءً بتونس، وانتهاءً بالبحرين.

في اليمن – غير السعيد – كانت حرب 1994 جذر الكارثة وأساسها.. أعتقد علي عبدالله صالح بعد حرب 94 ضدًّا على الجنوب والحروب الستة ضد صعدة أنه حاكم اليمن إلى الأبد، لكن لم تمضِ إلا أعوام قليلة حتى هبّت حضرموت، وتحديدًا عام 2005 رافضةً قرار صالح بتقسيم حضرموت، واستشهد بارجاش، وابن همام.

في العام 2007 نزل الضباط والجنود، والشباب والشابات في شوارع مدن الجنوب في عدن ولحج مطالبين بحقوقهم في الوظائف والمرتبات.

عُقِدَ اجتماع في ملاح، إحدى مدن الضالع، في أكتوبر، وحضره الأمين العام للحزب الاشتراكي علي صالح عباد مقبل، وعدد من قيادات الأحزاب والقوى المدنية، داعين إلى احترام خيار الجنوبيين، وإدانة وتجريم حرب 1994 الإجرامية، وإعادة الضباط والجنود المسرّحين إلى أعمالهم، وصرف مرتباتهم.

أما في تعز، فقد عقدت منظمة الحزب الاشتراكي اجتماعًا لأعضائها، ولكن عضو المنظمة أيوب الصالحي ترك الاجتماع، وتحرك بسيارته، ومعه الميكرفون، إلى شوارع تعز، داعيًا المواطنين للتظاهر مرددين: “الشعب يريد إسقاط النظام”، فتحركت الجماهير، وكانت تعز بداية “الشعب يريد إسقاط النظام”.

أيوب الصالحي مختطف من قِبل مليشيات محسوبة على الإصلاح منذ بضعة أعوام، أما في صنعاء، فقد بدأت احتجاجات أسبوعية أمام مجلس الوزراء منذ بداية العام 2007، وظلت الاحتجاجات لأعوام تطالب بالحريات العامة والديمقراطية، ومحاسبة الفاسدين، وإطلاق المعتقلين السياسيين، واحترام حرية الرأي والتعبير، وقد تحولت هذه الاحتجاجات إلى انتفاضة عمّت مدن اليمن وأجزاء من الريف.

في مساء الـ 11 من فبراير حضر عدد من الشباب في منتدى الجاوي، وجرى نقاش واسع حول تردّي الأوضاع، وتعاظم الفساد والاستبداد، أعقبه اجتماع في منزل توكل كرمان حضره أحمد سيف حاشد، وعبدالرحمن صبر، وميزر الجنيد، وهاني الجنيد، وسميح الوجيه، وعارف الوجيه، ومحمد إسماعيل النهمي الذي دوّن محضر النقاش.

جرى الاتفاق على النزول إلى الشارع تأييدًا للثورتين: التونسية، والمصرية، فكانت الانطلاقة من جامعة صنعاء، ونقابة الصحفيين باتجاه السفارة المصرية، ولكن البلاطجة وقوات الأمن تصدوا للمظاهرة بالضرب والاعتداء.

توالت المسيرات والاحتجاجات، وعمت جل المدن اليمنية، والعديد من الأرياف، والتحق شباب القبائل بالساحات في غير مدينة متخلين عن أسلحتهم.

حصل تلاقٍ والتحام بين المجتمع المدني والأهلي، وتبارى الشباب والشابات في الساحات مطالبين بسقوط الفساد والاستبداد، ورحيل صالح.

كانت الانتفاضة عفوية وتلقائية، فتسلقها التجمع اليمني للإصلاح، ومعه أحزاب اللقاء المشترك، وتسيّد الموقف علي محسن الأحمر- قائد الفرقة الأولى مدرع، ومعه أولاد الأحمر مدعومين من قطر؛ فجُرّت الساحة في صنعاء إلى العنف؛ ما أفقدها سلميّتها واستقلالها، وجرى عسكرة الساحة، وتحشيد المئات من الشباب للفرقة، وامتد الصراع المسلح إلى غير ساحة، وإلى العديد من المناطق.

العودة بالربيع العربي إلى ميادين صراع القوى هو بداية تسيّد القوى التقليدية، والعودة للفساد والاستبداد في عموم بلدان الربيع العربي.

كانت الخطيئة الكبرى تسيُّد اتجاهات الإسلام السياسي للمشهد في كل بلدان الربيع العربي؛ كونها كانت الأقوى تنظيمًا، والأوسع انتشارًا ونفوذًا، إلى جانب ضعف التيارات السياسية القومية اليسارية والحديثة، وعدم خبرة الشباب والشابات المستقلين الذين فجروا الحدث.

تيارات الإسلام السياسي، سنيةً كانت، أو شيعية، كلها آتية من أحراش الجهاد المقدس، ومن مناخات الجهاد الطلبي.

تصدُّر هذه الاتجاهات الإسلامية ساعد وسهّل على الحكام الطغاة جر المحتجين السلميين إلى العنف، وإشعال الحرب في بلدان الربيع، وهو ما فعلته إسرائيل في الانتفاضة الثانية في عام 2000؛ مما سهّل ضربها.

كانت ممارسات التجمع اليمني للإصلاح قامعة ومتزمتة؛ فقد فرضوا الفصل بين الشباب والشابات في الساحات، وعزلوا الفتيات، ومنعوهن من الانخراط في المسيرات، واعتدوا عليهن بالضرب، ورفعوا شعارات متطرفة تدعو للعنف.

بلاطجة صالح وأمنه لم يكونوا بحاجة لتبرير القمع والإرهاب، ففي جمعة الكرامة 18 مارس 2011 قتلوا المصلين المسالمين، وهم أكثر من خمسين شهيدًا، وأحرقوا ساحة الحرية في تعز، وقتلوا العديد من الشباب والشابات في مسيرة الحياة، وهي المسيرة التي قادتها الفتيات التعزيات، وقُتل العديد منهن على أبواب صنعاء.

جاءت مبادرة التعاون الخليجي، 3 أبريل 2011، لترميم العلاقة بين الإخوة الأعداء: التجمع اليمني للإصلاح، والمؤتمر الشعبي العام، ورمزيها الأحمرين: صالح، وعلي محسن، وإيجاد مصالحة بينهما لاقتسام السلطة، ومنح الطرفين الشريكين في جرائم الحكم حصانةً، وكفالة بعدم المساءلة.

تشكلت لجنة الحوار الوطني، وبدأت اجتماعاتها في موفمبيك، ولكن الحوار كان يجري، والحرب مشتعلة في شوارع صنعاء، وعلى مقربة من مقر الحوار، وخارج صنعاء في غير مدينة.

كان رهان الطرفين الأساسيين على الحسم العسكري خيارهما الأوحد، أما الحوار، فليس أكثر من استراحة محارب بالنسبة لهما، واللافت أنهما وهما يتقاتلان في غير مكان كانا يتفقان في الرؤى في القضايا المهمة مثل الأقاليم الستة، وهو المطلب الخليجي والسعودي، وربما الأمريكي والبريطاني، كما يتوافقان على طبيعة الحكم الذي يتقاتلان عليه، والأكثر إرعابًا أنهما، وهما يتقاتلان، يتفقان على وأد الانتفاضة، والخلاص منها.

قضية شهداء جمعة الكرامة، الخمسة والخمسين مصليًا، تؤكد هذا الأمر، وقد اعتقل المحتجون في ساحة الستين القتلة، وسلموهم للنائب العام الأستاذ عبدالله العلفي، وجرى تهريبهم، ومعروف أن القتلة من القيادات الأمنية التابعة لعلي عبدالله صالح، وقد استقال النائب الكفء والنزيه عبدالله العلفي عقب ذلك.

خرج الحوار الوطني بنتائج ومقررات غاية في الأهمية، غالبيتها مُقرّة ومتوافق عليها، واقترح المؤتمر والإصلاح الأقاليم الستة، وكانت الغالبية ضدها، أما الهيئة المشرِفة على تنفيذ مخرجات الحوار، فقد انفرد بتشكيلها الرئيس عبدربه منصور.

أخطر ما في الأمر أن الصراع المسلح ظل يتصاعد، وكل طرف يراهن على الحسم العسكري.

تحالف صالح مع الحوثيين (أنصار الله)، فقاما بانقلاب 21 سبتمبر 2014؛ فأخذت الحرب أبعادًا أوسع وأخطر؛ فقد تحولت الحرب الأهلية إلى إقليمية ودولية شملت وعمّت الأرض اليمنية كلها.

منذ حرب 1994 ضد الجنوب لم تكن الحرب بعيدة عن التدخل الإقليمي والدولي المستتر، ولكن الحرب التي تدخل عامها الثامن أصبح الإقليمي والدولي هو الأجلى والأقوى، وتحولت اليمن إلى ميدان حرب مأجورة، والمليشيات “شقاة” هذه الحرب.

وللموضوع بقية..

*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

   
 
Advertisements

تعليقات