Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل*
لا أدري إن كان اليمانيون يرحبون بالسلام على طريقة (غاندي) أم لا، ولكن من شبه المؤكد أنهم لن يرحبوا بشخص يحمل تلك المبادئ مطلقًا!

الغاندية السياسية ترفضها جميع أطراف الحرب في اليمن، وفكرة أن تُناضل لتحقيق أهدافك السياسية عن طريق مبدأ “اللا عنف” تبدو مدعاة للتندر والضحك.

يحرص كل طرف مشارك في الحرب على استقطاب الجنرالات إلى صفوفه، ولكن إذا ظهر داعية للسلام فإنهم جميعًا يتجاهلونه، وقد يحطون من شأنه، وأخيرًا قد يتهمونه بالخيانة.

ولد مهنداس كارامشاند غاندي في بورباندار شمال غرب الهند عام 1869، ودرس المحاماة في إنجلترا، وتخرج في كلية لندن الجامعية، وبدأ حياته المهنية ونشاطه السياسي في جنوب أفريقيا، ثم عاد لوطنه الهند وخاض رحلة نضال وكفاح سمع عنها العالم كله.

استمد غاندي مبدأ “المقاومة السلمية” من كتابات الروائي الروسي تولستوي، وقد جرت بينهما مراسلات، استوضح خلالها عن عديد من المسائل، لكنه طوَّر لاحقًا المبدأ إلى أسلوب سياسي متكامل تحت مسمى “الساتياجراها” التي تعني مقاومة الاستبداد من خلال العصيان المدني.

يعتقد معظم المثقفين أن كفاح غاندي اقتصر على النضال ضد الاستعمار البريطاني، ولكن الحقيقة أن مسيرة غاندي ورسالته تجاوزت هذا البعد السياسي الضيق، فقد كان مهتمًا غاية الاهتمام بتحسين الأوضاع الإنسانية في بلاده، وانغمس في قضايا تتعلق بحقوق العمال والفلاحين الفقراء، فكان خصمًا عنيدًا وصلبًا ليس للمحتلين الإنجليز فقط، ولكن أيضًا لملاك الأراضي والمصانع الهنود المستغلين، ولم تكن لغاندي ميول شيوعية، ولكنه كان يطالب بمنح العمال والفلاحين أجورًا عادلة.

سمَّى غاندي عمله في السياسة بمصطلح له مغزاه: “الخدمة العامة”.. فالممارسة السياسية بالنسبة لغانديلم تكن تعني الاجتماعات الحزبية وضم أعضاء جدد لصف الحزب، وتسخير الجهود لكسب الانتخابات، ولكن كانت تعني خدمة عموم الناس بالمعنى الحرفي للكلمة.

قد نُفاجأ حين نعلم أن معظم النشاط السياسي لغاندي كان منصبًّا على معالجة المظالم التي تتعرض لها منطقة ما أو مجموعة ما وتقديم يد العون لها، ولكن هذا بالتحديد ما منحه الشعبية الهائلة التي كان يتمتع بها.

أي أن العمل السياسي من منظور غاندي يختلف كليًّا عن منظور السياسي اليمني.. فالسياسي اليمني ينظر إلى عمله كمصدر للحصول على الثروة والسلطة، بينما كان غاندي ينظر إلى عمله بوصفه خدمة يقوم بها عن طيب خاطر، فكان إذا سمع عن ظهور الطاعون في قرية أو منطقة ما، يبادر بالذهاب إليها، ويقوم بإجراءات عزل المصابين عن بقية السكان، وينهض بمهمة تمريضهم بنفسه مع متطوعين من تلاميذه.. وكان يساهم في تنظيف البيوت والشوارع من القذارة، بل وحتى تنظيف المراحيض ليكون قدوة لأبناء بلده.

السياسي اليمني يسعى إلى امتلاك فيلا واسعة وسيارة فخمة وراتب ضخم بالدولار، بينما عاش غاندي حياته كلها مثالاً للزهد والتواضع في المأكل والملبس، وكان يكره بشدة البذخ واستعراض الثراء وشهوة الامتلاك.

بسبب انحياز غاندي للضعفاء والمساكين ونضاله ضد الاحتلال البريطاني، فقد واجه عددًا هائلاً من الأعداء، ولكنه بالرغم من ذلك كان يحوز على احترامهم.. وهذا شيء غريب جدًّا في عالم السياسة!

ما السبب الذي يجعل أعداء غاندي يقعون هم أيضًا في سحر هذه الشخصية؟ نعثر على السبب في سيرته الذاتية المعنونة بـ”قصة تجاربي مع الحقيقة” حيث يفسر سلوكه المعتدل، بل وحتى الدمث مع خصومه بقوله:

“أَبْغِض الخطيئة وليس مقترفها”.

هذه المقولة هي السر، وهي المفتاح الذي فتح به غاندي قلوب خصومه من الهنود والبريطانيين على السواء.

يوضح غاندي مقصده بقوله:

“يجب أن نميز بين المرء وأعماله.. العمل الجيد يجلب الاحترام لصاحبه، والعمل السيئ يجلب الشفقة على صاحبه.. عدم التمييز هذا هو السبب في انتشار سم الكراهية في العالم”.

لم يكن غاندي يبغض خصومه، لم يكن يدعو إلى قتلهم، أو معاداتهم بأي شكل من أشكال العداوة، ولم يكن يُحرِّض عليهم لا بالفعل ولا بالقول، ولا حتى في فكره.. والمرحلة الثالثة (الفكر) هي الأصعب على الإطلاق، ومع ذلك هو يدعو معتنقي مبدأ اللا عنف أن يصلوا إلى هذه المرحلة.

التعامل الودي مع الخصوم كان نابعًا من داخله، ولم يكن نوعًا من التكتيك السياسي المرحلي ليحقق أغراضه.. وكما يقول المثل اليمني: “الكلمة الطيبة تكسر الحجر”، فإن غاندي كان يطبق معنى هذا المثل بحذافيره، ونجح طوال مسيرته السياسية الحافلة في تكسير وإزاحة الكثير من الصخور الضخمة التي كانت تسد الطريق أمام الهنود لنيل حقوقهم المادية والمعنوية، وأمام بلاده لنيل استقلالها من بريطانيا.

يمكن أن تتوقف الحرب اليمنية في أية لحظة، ولكن الأحقاد من يوقفها؟ لكي نحظى بسلام دائم في اليمن يجب أن يؤمن السياسيون اليمنيون بمبادئ غاندي التي حفظت السلام والاستقرار للهند حتى يومنا هذا.

لن ترفرف راية السلام الاجتماعي على اليمن إلا إذا نجحنا في الفصل بين الخطأ والمخطئ، فالخطأ مرفوض بكل تأكيد، ولكن المخطئ ليس مرفوضًا، بل يبقى محل ترحيب متى رجع عن خطئه، فإن لم يرجع عن خطئه، فلا يجب أن نكرهه لشخصه، بل أن نكره الخطأ الذي قام به.. وهذا الذي يخلق المسافة الإنسانية بين الخصوم، ويُبقي خيطًا رفيعًا من المودة والرحمة والشفقة، ممتدًّا بين الإخوة الأعداء.

كيف ينسى اليمني أنه إنما يحارب أخاه؟؟ وكيف يتجاهل أن هذه الحرب عارض مؤقت ما تلبث أن تنطفئ، وأن الأصل هو العلاقات الاجتماعية الطيبة؟؟

الرؤية السياسية التي طرحها غاندي “أبغض الخطيئة وليس مرتكبها” نحن الآن أحوج ما نكون إليها، ونأمل أن يظهر في أفقنا زعيم سياسي يحمل هذه الرؤية ويعمل بها، لينقذ اليمن من التشرذم والأحقاد وسم الكراهية المنتشر بين سائر فئات المجتمع.

لن تقوم لليمنيين قائمة ما داموا يحرصون على حل صراعاتهم السياسية عن طريق القوة والغلبة، وإجبار الطرف الآخر على الخضوع والإذعان.

قد ينتصر طرف ما على طرف آخر، ولكن الضغينة لن تُهزم، فلا أحد انتصر على الضغينة بقوة السلاح.. ولعل حرب صيف 1994 التي خاضها الشمال على الجنوب هي أكبر دليل على ذلك.. إن الانتصار الحقيقي لا يحدث بفضل السلاح، ولكن بفضل المبادئ الأخلاقية.

عُرف عن صلاح الدين الأيوبي تعامله الودّي مع أعدائه الصليبيين، وعندما مرض ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا أرسل إليه طبيبه الخاص ليعالجه.

وما يزال المؤرخون الأوربيون يذكرون صلاح الدين بالخير، خصوصًا حين فتح القدس وسمح للمسيحيين بالخروج منها آمنين ولم يسفك دماءهم كما فعلوا هم حين دخلوها.

وهناك عدد لا يحصى من النماذج التي يمكن إيرادها، والشاهد أن الانتصارات العسكرية مؤقتة لا قيمة لها، وأن الانتصار الوحيد الذي يصمد في وجه الزمن هو انتصار المبادئ الأخلاقية.

*روائي وكاتب يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات