Accessibility links

وجدي الأهدل*

نُعاني من سوء تفاهم مع شركات الإنتاج السينمائي في كلّ أنحاء العالم:

Advertisements

إذا قلت لهم إنّ (السيناريو) هو نَصٌّ أدبي؛ فسوف يفقدون صوابهم، وربما كلفوا قاتلاً مأجورًا بتصفيتك!

وإذا سألتهم إلى أيّ جنسٍ كتابيٍّ ينتمي السيناريو، فإنَّ جوابهم الذي يُضمرونه في أنفسهم ولا يبوحون به هو أنّ السيناريو كتيب إرشادي، الهدف منه تقديم معلومات وصفية للمستخدم، وهو هنا المخرج حصرًا، وبالتالي فإنه بلا قيمة أدبية تقريبًا، مثله مثل الكتالوج المرفق مع الأجهزة الكهربائية.

المؤسف أنّ معظم الكتب الأجنبية المترجمة إلى اللغة العربية المتعلقة بتعليم كتابة السيناريو تُكرّس هذه النظرة الدونية لفنّ كتابة السيناريو، فهي تُركز على الجانب التقني، وتسهو عن التطرق إلى الجانب الأخلاقي!

إنّ أيّ فنّ من الفنون هدفه الأسمى هو الارتقاء بذوق الناس، وفنّ كتابة السيناريو لا يشذ عن هذه القاعدة، ولا بد أنْ يُسهم بسهم وافر في تهذيب السلوك البشري، واجتلاب المزيد من الجمال الروحي إلى هذا العالم.

ما لاحظته في تلك الكتب المترجمة – وهي عظيمة الفائدة حتمًا – أنها تستدرجنا لفكرة مؤداها أنّ كاتب السيناريو هو مجرد موظف مطيع تحت إدارة المخرج الذي هو بدوره عبد خاضع لشركة الإنتاج، ووفقًا لهذه الطبقية (طبقة العمال: كاتب السيناريو والمخرج/ الطبقة البرجوازية: المنتج) فإنّ على السيناريست كتابة ما تُمليه عليه السوق لا ما يُمليه عليه ضميره، وأنْ يُنفِّذ كجندي مرتزق ما يطلبه منه السادة المتحكمون في المال والاستوديوهات.

ولهذا عندما يتحدث كاتب السيناريو عن المغزى الأخلاقي في مكاتب المنتجين فإنه سيغدو أضحوكة، وتقريبًا سيتلقى ركلة حسنة التسديد بين ردفيه!

ومِن نكد الدنيا أنْ يتبرز الواقع الفني الضحل كاتب سيناريو مستلبًا، ملكيًّا أكثر من الملك، يؤيد بلا خجل احتقار الفنّ الذي يُمارسه، مُظهرًا فسولة تحسده عليها شركات الإنتاج، فيخوض حربًا شرسة ضد كلّ من تُسوِّل له نفسه الزعم بأنّ السيناريو نوع أدبي، ويُصرّح بغباء أنّ ما يكتبه ليس أدبًا، بل كتابة موجهة للاستخدام المؤقت من قِبل فئة مخصوصة – المشتغلون في السينما – وهو لا يفهم أنه يهبط بفن ّكتابة السيناريو إلى مستوى ورق التواليت الذي تُمسح به المؤخرات ويُرمى بعد الاستخدام.

أحد المخرجين الإيطاليين، كان يتعاقد مع كاتبيّ سيناريو أو ثلاثة، ويعملُ كل واحد منهم منفصلاً عن الآخر على القصة نفسها، ولما سُئِلَ لماذا يفعل ذلك، أجاب بوقاحة إنه يُفضّل استخدام أكثر من مرحاض!

وإذا تغاضينا عن رائحة المراحيض التي تفوح من بعض المخرجين، فإنّ خلاصة الرأي السائد في الأوساط السينمائية هو التالي:

لا أحد في العالم كله يَكتبُ السيناريو كاستجابة داخلية، وإنما هو يُكتبُ لأجل المال فقط.

ولدى سدنة معابد السينما التجارية هذه الحجة التي يتوهمون أنها الدامغة:

الأدب مشروع شخصي، ولكن عندما ننتقل إلى السيناريو، فهذا حقل كتابي مختلف، الكتابة هنا ليست مشروعًا فرديًّا، بل هي مشروع تجاري، خاضع لقانون العرض والطلب، وعلى الجميع البحث عن الأرباح وتجنُّب الخسائر، وفي مقدمتهم السيناريست، الذي يتوجبُ عليه إزاحة قيمه المثالية جانبًا، والتحول إلى بائع محنّك يجيد تصريف بضاعته، وعليه أنْ يُساوم بحذق ليبيعها مقابل سعر ممتاز.

إنها حجة متهافتة؛ لأنَّ التفكير على هذا المنوال التجاري في السيناريو كبضاعة خاضعة لقوانين السوق، هو العامل الكارثي في انسحاب عباقرة الكتابة من حقل الكتابة الدرامية.

ولدينا أنموذج أجنبي هو غابرييل غارسيا ماركيز الذي عمل لسنواتٍ، اضطرارًا، في كتابة سيناريوهات الأفلام السينمائية، إلا أنه أقلع نهائيًّا عن كتابتها بمجرد صدور روايته الناجحة “مائة عام من العزلة”.

ولدينا أنموذج عربي هو نجيب محفوظ، الذي اضطرته الحاجة المادية هو الآخر إلى مزاولة كتابة سيناريوهات الأفلام لعدة سنوات، ولكن عندما تحسنتْ أحواله المادية قرر العودة إلى كتابة الأدب، وطيّ تلك الصفحة الرديئة من حياته.

وهناك جواب ظريف منسوب إليه مفاده أنه اشتغل سيناريست ليوفّر ثمن الأحذية لابنتيه! وخلف جواب نجيب محفوظ الساخر ركام من المرارة الداخلية، وتلميح إلى ما كان يُكابده من تدخّل الحمقى ومنحطّي الذوق في عمله كسيناريست.

ولو افترضنا أنّ نجيب محفوظ – رحمه الله – يشاركنا هذا الجدل، وسألناه: “هل ينتمي السيناريو إلى الأدب؟”، لعله أجابنا مُعَرِّضًا: “لا.. السيناريو ينتمي إلى قلة الأدب!”.

وقلة الأدب لا تقتصر فقط على ما تحت السرة، ولكنها تُشير – أيضًا – إلى خلو السيناريو من: العمق، البناء الدرامي السليم، الرسم الجيد للشخصيات، الطرح الإنساني، وكلّ ما يمتُّ بصلة للأدب الرفيع.

لماذا نتمسكُ برفع السيناريو إلى مرتبة النَّص الأدبي، ونرفضُ تعليبه كغرَض للتسلية يتساوى مع الأغراض المعروضة للبيع في السوبر ماركت؟، إذا اتفقنا على منح السيناريو صفة “الأدبية” فهذا يعني التأكيد بأنّ له رسالة أخلاقية يؤديها للمجتمع.

وهذه الرسالة الأخلاقية ذات أبعاد لا نهائية؛ لأنها مَعِين لا ينضب للدراما الجديدة الجيدة.

إنّ أفلام الحركة – مثلاً – تحملُ رسالة غير أخلاقية، وهي تُسمِّم عقول الأطفال والمراهقين في كلّ قارات العالم، وتدعوهم من طرفٍ خفي إلى حلّ مشاكلهم باستخدام القوة كخيار أوحد.. والمصيبة أنّ كتّاب السيناريو يدأبون على كتابة هذه النوعية اللا مسؤولة من السيناريوهات التي تُشجّع الناشئة على العنف وتدمير العدو وقتله.

إنّ رسالة هذه الأفلام مناقِضة لرسالة الفنّ الراقي، ومفعولها في تشويه الأرواح مفضوح ولا يحتاج إلى مزيد من التوكيد.

ألم يكن من الأفضل الاتجاه إلى كتابة سيناريوهات تحظُّ على: استخدام العقل، الأخذ بمبدأ الحوار، استحسان الطرق السلمية؟؟ هل هو قدر البشر أنْ يذهبوا إلى العنف دائمًا حتى في الأفلام؟!

ما عادت الأفلام السينمائية أمرًا يُستخف به؛ لأنها منذ ميلادها تقوم بـ”البرمجة البصرية العصبية” لمليارات البشر، وهناك جزء من “البرمجة البصرية العصبية” يذهبُ إلى العقل الواعي – وهذه يسهل كشفها – وجزء منها يذهب إلى العقل الباطن..

بشأن البرمجة البصرية العصبية الموجهة للعقل الواعي، فإن الإنسان المتوسط الثقافة يمكنه ملاحظتها، وتمييز ما هو ضار منها، وبالتالي اتخاذ الموقف النقدي الصحيح. 

لكن بالنسبة للبرمجة البصرية العصبية الموجَّهة للعقل الباطن، وهي الأكثر خطورة ودهاءً، فإنّ أفضل العقول وأذكاها ستقعُ ضحية لها وهي لا تشعر بشيء.

وأبسط صورها، كمثال، الظهور المتكرر للعلم الأمريكي في مشاهد كثيرة – وهو ظهور غير مبرَّر دراميًّا في أغلب المشاهد – فتقعُ عليه عين المشاهد عرضًا وهو معلقٌ على جدران المنازل، ومرسومٌ على الحوائط، ومركوزٌ عند المداخل والأسطح وعلى الأسوار والأفاريز، ومطبوعٌ على القمصان وأغطية الأسرّة، إلخ.. وهذه رسالة باطنية للشعب الأمريكي لزرع حب الوطن في نفوسهم، وهذا أمر مقبول طبعًا بالنسبة للأمريكان، ولكن ماذا بشأن شعوب العالم الأخرى كالعرب والأفارقة والآسيويين والأوروبيين والأمريكان اللاتينيين؟
يؤكد علماء النفس أنّ (اللا وعي) يفكر عن طريق الصور فقط، وهذه حقيقة علمية قطعية، والحل إذًا هو أنْ تنتج هذه الأمم دراما عالية المستوى، ترسّخ العزة القومية في نفوس الأجيال الصاعدة.

البرمجة البصرية العصبية الأكثر عمقًا للعقل الباطن، التي تشتغلُ عليها أفلام الحركة الأمريكية، تأتي عن طريق الأبطال الخارقين، واختيار ممثلين بمواصفات جسدية فائقة، تعكسُ تفوق الولايات المتحدة الأمريكية وجبروتها في لاوعي المشاهدين.. وبما أنّ هذا البطل الأمريكي الخارق لا يُهزم، فإنّ (اللا وعي) يُسقط هذه الصورة تلقائيًّا على أمريكا في الواقع الحقيقي؛ باعتبارها دولة من المستحيل هزيمتها.

بينما نلاحظ أنّ السينما المصرية منذ صعود تيار ما يُسمى بـ(أفلام المقاولات)، تُعزِّز نوعًا من البرمجة البصرية العصبية المشوهة، وتحفز برمجيات ضارة بالعقل الباطن للمشاهدين العرب.

مَن هم الأبطال الذين قدمتهم الأفلام المصرية منذ بداية القرن الحادي والعشرين وحتى اليوم؟؟ البطل  على شاكلة (اللمبي): غبي، محدود التفكير، مهرِّج، تافه، معتوه، مخبول، كسول، ليس لديه هدف في الحياة.

البطل في الأفلام الأمريكية ذكي، قوي، إنساني.. وعلى النقيض منه، نجد البطل في الأفلام العربية فهلوي، أناني، يدّعي القوة بجسم رخو، أو مخبول يفكر بطريقة لا عقلانية.. والواجب على كُتَّاب السيناريو العرب الكفّ عن إنتاج النماذج السلبية من الأبطال، والتركيز على “البطل الأخلاقي”.

في الحياة الواقعية قد نُصادِف هذا “البطل الأخلاقي” متجسدًا في جندي مرور يحملُ على ظهره شيخًا مُسِنًّا ليساعده على عبور شارع مزدحم، أو في امرأة تنبشُ في حاوية القمامة بحثًا عن طعام لصغارها، رافضة بإباء بيع جسدها، وفي ملايين الرجال والنساء الذين يكافحون كل يوم من أجل الفضيلة.

ثمة نماذج عربية ناصعة للبطل الأخلاقي، في السينما لدينا أنموذج (عمر المختار)، وفي الدراما التلفزيونية لدينا أنموذج (رأفت الهجان).

إذا أراد أحدهم اتخاذ كتابة السيناريو كمهنة بلا شرف؛ فهو حر في رهن ضميره وقلمه لأيّ جشع يملك نقودًا، ويريد التكسب من إنتاج الأعمال الدرامية، ولكن إذا آمنَّا بأنّ كتابة السيناريو مهنة شريفة، رفيعة القدر، ترتقي بالذوق العام، فإنّ علينا البحث عن أبطال لهم رسالة أخلاقية في الحياة.

*روائي وكاتب يمني

  • 77
    Shares
Advertisements

تعليقات