Accessibility links

الذكرى السبعين لثورة 23 يوليو القومية في مصر 2-2


Advertisements

عبد الباري طاهر*

يقرأ الأستاذ محمد حسنين هيكل ما تعرضت له تجربة الثورة من حصار وإصابة في 1967 “إلى مشى عبد الناصر بقدميه إلى حافة الخطورة، والرغبة في الاختصار، والقفز على مراحل التطور، وزيادة الاعتماد على سلطة الدولة في الداخل، وعلى عروض القوة في الخارج”. وانكشف المشروع القومي لمخاطر جعلت محاصرته وإصابته ممكنة في صحراء سيناء. ويقينًا، فإن الصراع الاجتماعي داخل مصر قد بلغ الذروة، واتخذ المدى الأبعد عربيًّا بين الثورة القومية، والقوى المحافظة بقيادة السعودية، خصوصًا في اليمن، وكانت إسرائيل، مدعومة بأمريكا وبريطانيا، تعد نفسها للحرب، في حين كانت مراكز القوى تعد نفسها لعسكرة كل شيء، وتهميش أو عزل ناصر عن الجيش والأمن، ليصبح المشير عامر هو السيد المطلق.

هزيمة 1967 كشفت طبيعة الصراع في القمة، ومدى تغول عامر داخل الجيش والأمن. اعتقال الزعماء اليمنيين لبضعة أشهر، وطريقة إعدام سيد قطب وبعض قيادات الإخوان يؤكد ذلك. 

يرى الأستاذ هيكل أن حرب أكتوبر 1973 أثبتت أن الأمة، في الأيام الأولى على ضفتي السويس، وعلى سفوح الجولان، وعند منابع النفط، تمتلك جسارة وكفاءة الفعل، وكانت تلك رسالة من الحاضر إلى المستقبل؛ مؤداها أن العرب قادرون على الحرب.

يضيف: العملية تعرضت لعملية إجهاض لم ينتبه إليها أحد وسط مشهد أكتوبر الجليل. ويشير إلى تدخل قوى دولية نافذة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل المعركة، والواقع أن السادات، خليفة عبد الناصر، وأحد أقطاب مراكز القوى، لم يكن مع المواجهة إلى النهاية، وكان اعتقاده أن أمريكا تمتلك جل أوراق اللعبة، وكان مع التصالح مع إسرائيل، ومع تغيير النهج 180 درجة.

جرى إيقاف الحرب، وأُقصي بطل الانتصار الحقيقي عبد الغني الجمسي، كما أبعد الضباط الذين كانوا في قلب المعركة، وأسقطوا أسطورة خط بارليف.

المفارقة الراعبة أنه في حرب 1967 أفشل الجيش الذي يقوده عامر السياسة التي يرمز إليها الزعيم العربي جمال عبد الناصر، والعكس في حرب أكتوبر 1973، ففي حين أنجز الجيش مهمة تدمير، واجتياح خط بارليف، تدخلت السياسة ورمزها أنور السادات لكبح تقدم الجيش، وفتح الخط مع الأمريكان لوقف الحرب، وفي كلا المعركتين كان رمزا مراكز القوى: عامر، والسادات هما الفاعلان الأساسيان.

من البداهة القول إن مصر رأس المنطقة كلها، وقد ارتبط النهوض القومي في المنطقة كلها بثورة يوليو 1952، وكانت هزيمة 67 انتكاسة للتحرر الوطني، والثورة الوطنية أيضًا. فرملة الانتصار في 1973 أدى إلى نتائج أشد ضررًا وأكبر خطرًا من هزيمة 1967. بعد هزيمة 67 لم يستسلم الزعيم ناصر، واستمر في حرب الاستنزاف، ثم أعاد بواسطة المناضل محمد فوزي بناء الجيش، ورفع اللاءات الثلاث، وأعاد ترميم العلاقات العربية، وقوَّى علاقته بالاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، وحركات التحرر الوطني، وحركة عدم الانحياز، في حين أن الرئيس السادات، وهو المنتصر نسبيًّا، ضحى بالانتصار، واستغنى عن الخبراء الروس الداعمين لمصر، وتحالف مع الأمريكان، وذهب طائعًا إلى إسرائيل، ووقّع اتفاقات كامب ديفيد، وانجرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى مستنقع مدريد وأوسلو، وكان للأستاذ هيكل وصديقه الفلسطيني إدوارد سعيد الفضل في قراءة مدريد وأوسلو قراءة نقدية تكشف هشاشتها ومخاطرها على القضية الفلسطينية والحق العربي.

يعتذر الأستاذ عن إطالة الحديث عن الأزمة، ثم يطرح لغز أبي الهول: كيف يمكن حل الأزمة الراهنة؟

قبلها يقارن ما بين انتصار ديجول، وهزيمة العرب، ويواصل طرح الأسئلة، ولا يرى حلاً للأزمة؛ لأن تعقيداتها تجاوزت بدائل يصح الاختيار بينها، والعالم العربي لم يعد موضع أزمة عامة، وإنما منطقة أزمات مختلفة متعددة.. مشيرًا إلى عدة ملاحظات، مقترحًا عدم إصدار أوامر من نوع: من الواجب.. من الضروري..، أو الانشغال بالأماني البعيدة، داعيًا إلى تجنب قصص الخيال العلمي، ومع ذلك يفترض أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام الحل، فيتساءل: كيف التوجه نحوه؟ وكيف التقدم للمستقبل؟ 

ويرى أن جذب العصر مؤثر على العرب، ولكن قوة اندفاعه مع عدم الاستعداد قد يتحول إلى سحل، وهذا ما يحصل فعلاً، ويؤكد بصدق أن معظم بلدان العالم العربي أمام نظم أضاعت سندها الشرعي، ولم تعثر على مشروعيتها المستقبلية، وقصارى ما فعلته هذه النظم، بظن مجاراة العصر، قيامها بخصخصة بعض الشركات في مقابل تأميم كل السلطات.

طبعًا الكتاب المهم طبع عام 1995 (عام المحاضرة)، أي قبل هبوب رياح الربيع العربي الذي بدأ من تونس أواخر العام 2010 ليعم الأرض العربية.

إشارة الأستاذ هيكل لفقدان هذه الأنظمة شرعيتها ومشروعيتها مهمة، وهو ما دفع هذه الأنظمة إلى تقوية الجيش والأمن، وانغمست في شراء السلاح عالميًّا، وعندما شعرت بتراخي الحامي الأمريكي اتجهت للتطبيع، وبعضها لعقد الأحلاف العسكرية والأمنية مع إسرائيل.

تدرك الأنظمة جلها أن الخطر هو شعوبها، فهي منذ ثورة الربيع العربي تشن حروبًا ضد الداخل، متحالفة مع ألد أعداء الأمة.

يقرأ الموثق والمؤرخ والمفكر الصحفي الكبير الحلم الصهيوني الذي تحول إلى قرار تقسيم، وإلى موائد التفاوض في مدريد. والقرن الواحد والعشرون قد يجعل المستحيل ممكنًا، بمقدار ما القرن العشرين جعل الأسطورة واقعًا.

ويتوقع أن إسرائيل في التسوية النهائية لا تريد مسلمين ومسيحيين في الأندلس العربية، ولا تريد مسلمين وصربًا في البوسنة الفلسطينية، ولا تريد وطنًا ثنائيًّا من الفلمنك والوالون في بلجيكا الإسرائيلية، وإنما تريد دولة واحدة، ودينًا واحدًا يوفر أرضية ثقافية واحدة، ويومها، وليس قبل هذا اليوم، سوف يصدر قانون الجنسية الإسرائيلية التي لم يصدر بها قانون حتى اللحظة.

والواقع أن سيطرة اليمين الديني الأكثر عنفًا وتطرفًا، وتهافت السلطة الفلسطينية، وتزايد وتوسع الاستيطان، وانحياز جل الجامعة العربية، ترجح قراءة الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، ولكن رياح الربيع العربي قد خلقت واقعًا جديدًا، ورغم وأدها، وتسعير الحروب ضدها في مناطق اشتعالها، إلا أن استمرارها في فلسطين (الموطن الأول)، وفي السودان (الموطن الثاني)، وفي ليبيا، والعراق، وتونس، ولبنان، كلها تزكي وتشهد أن الانتفاضة هي السبيل الوحيد للخلاص من الاحتلال الإسرائيلي، والأنظمة التابعة والحليفة. 

نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

   
 
Advertisements

تعليقات