Accessibility links

الذكرى السبعين لثورة 23 يوليو القومية في مصر


Advertisements

عبد الباري طاهر*

الحدث العظيم في تاريخ أمتنا المعاصر هو ثورة الــ 23 من يوليو 1952 في مصر. الثورة القومية كانت البداية الحقيقية لتحولات نوعية وكبيرة في المنطقة العربية، وفي عالمنا المعاصر كان تأثيرها كبيرًا وعميقًا على الثورات الوطنية، وعلى حركات التحرر الوطني في القارات الثلاث، كما كان حضورها في تأسيس حركة عدم الانحياز فاعلاً وقويًّا أيضًا في السبعين عامًا الماضية.

جرت أحداث مزلزلة في مصر، وعلى صعيد الأمة كلها، كما شهد العالم تبدلات كونية، أخطرها سقوط الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، وانهيار جدار برلين، كما أن هزيمة 67 مثلت أقوى وأقسى ضربة ضد توجه السياق القومي الصاعد، ليس في مصر وحدها، وإنما طالت الثورات الوطنية العربية وحركات التحرر الوطني.

يدرس المفكر الكبير والصحفي القدير محمد حسنين هيكل في كتابه الصغير حجمًا، الكبير قيمةً (أزمة العرب ومستقبلهم). الكتاب ثمرة محاضرة ألقاها الأستاذ في فرنسا 7 ديسمبر 1995 في متحف حيميه في حي ايينا في باريس.

يقارن بين أزمة فرنسا في الحرب الكونية الثانية، واجتياح هتلر لباريس 1940، معتبرًا هزيمة فرنسا عارضة، في حين أن أزمة العرب معقدة، تتداخل وتتشابك، وتتفاعل فيها أسباب موروثة ومحدثة، وظاهرة وخفية، خارجية وداخلية، ويقرأ العاملين: الداخلي، والخارجي.. ذاكرًا أن الأسطورة لها بطل واحد، أما القصة الإنسانية، فلها بطلان على الأقل، مشيرًا إلى جذب الموقع والموارد، وفكرة المؤامرة.

قراءته لتظافر العاملين أو الأكثر مهم، وهو ما أشار إليه ابن خلدون في استدعاء الداخلي للقوى الخارجية، وأكد عليه المفكر الإسلامي مالك بن نبي، وسماه قابلية الاستعمار، وهو بمثابة هزال الجسد وضعفه، ليكون مرتعًا للعلل والأمراض.

كما يتناول الصحفي الكبير المؤامرة، وعقلية المؤامرة كإشارته الذكية الدقيقة والعميقة، ففي الوضع العربي الشائن، فالعاملان كلاهما واصل إلى العمق. وأضيف: أنه في ظل هشاشة وتبعية القوى والعوامل الداخلية، يكون العامل الخارجي والقوى الخارجية هي الأقوى والأشد فاعلية وتأثيرًا، ففي الوطن كله يكون الخارجي (الإقليمي أو الدولي) هو الفاعل الأقوى، وتكون القوى الداخلية الحاكمة هي الأدوات، بينما التدخل الخارجي هو الأساس، وتكون الجغرافيا العربية ميدان صراع: العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، وفلسطين، وهناك مناطق أخرى إما محاصرة أو سليبة الإرادة.

يتناول الأستاذ هيكل الغرام بنظرية المؤامرة، معتبرًا إياها حمية على حساب النفس قبل حساب الآخرين. ويرى محقًّا أن الوقائع التاريخية المشهودة يستحيل إنكارها. يضيف: وقد نريح أنفسنا وغيرنا بالاستغناء عن وصف المؤامرة في توصيفنا لدور العامل الخارجي، ومن ثم نسميه بوصفه المباشر كصراع مصالح، وصراع إرادات، وصراع قوى لها مطالبها، وهي تعتمد الغزو وسيلة للتسلط، لا بجيوش الإسكندر ونابليون وجيوش أخرى بعدهما. معروف أن الصحفي الكبير واحد من العقول النيرة والمنيرة في الثورة، ومن أهم من درس تجربة ثورة 23 يوليو، وألمّ بكل معاركها سلبًا وإيجابًا، ووثّق لهذه التجربة الرائدة، وأدرك بحكم قربه وعلاقته بزعيم الثورة جمال عبدالناصر، بل اطلع على تفاصيل المؤامرات الكبرى التي تعرضت لها ثورة يوليو، واحتفظ بوثائقها، وتتبعها ورصدها ودوّنها في العشرات من كتبه: (سنوات الغليان)، و(ملفات السويس)، و(حرب أكتوبر)، و(جيوش وعروش)، و(خريف الغضب)، و(مدافع آية الله) و(زيارة جديدة للتاريخ)، و(لمصر لا لعبدالناصر)، و(المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل)، و(مبارك وزمانه)، و(بين الصحافة والسياسة)، وعشرات الكتب والأبحاث والدراسات.

ربما يكون هيكل أكبر موثق ودارس ومعايش لطبيعة وتفاصيل المؤامرات التي اطلع على أدق تفاصيلها، وهذا ما أزعج مَنْ حكم بعد الزعيم العربي جمال عبدالناصر، والحكام العرب.

المؤامرة موجودة وحقيقية عبر التاريخ البشري كله، ولكنها، وهي جزء من التاريخ، ليست كل التاريخ، شأنها شأن التفسير البوليسي للتاريخ، أو شأن القضاء والقدر، فقد وظف الحكام المستبدون، وبرروا جرائمهم بنسبتها للقضاء والقدر، ولطالما لعن المسلمون الشيطان الرجيم في مخالفات ارتكبوها راضين مختارين، ثم إن الحكام الثوريين والرجعيين، والثوريين أكثر من اتخذ من المؤامرة شماعة علقوا عليها عجزهم، ومقصلة لتصفية المعارض أو الخصم السياسي.

استخدم الحاكم العربي وحكام عالمنا الثالث والرابع تهمة المؤامرة كسلاح رعب لقمع المعارضة السياسية، وإخراس الأصوات الاحتجاجية، أما الليبرالي فقد نفى المؤامرة جملة وتفصيلاً للتبرئة والإدانة بدون تمييز.

يقف الأستاذ إزاء أربعة شواهد تدلل على حقيقة رؤيته الدقيقة لدور العامل الخارجي، ومدى أثره وتأثيره، فحملة نابليون على مصر هي البداية المتفق عليها لهذا التاريخ الحديث، وهي مصرية وعروبية في آن كقراءته.

يستعرض المشاهد الأربعة:

المشهد الأول: مشروع محمد علي لبناء دولة عصرية في مصر والشام، فتحالفت ضده القوى الأوروبية، فمزقت جيشه؛ ما اضطره إلى توقيع “معاهدة لندن” 1840، مؤكدًا ومشددًا أن الضربة كانت السلاح.

المشهد الثاني: المشروع التنويري لإسماعيل، ومشروع التعليم والعمران والفنون والصحافة، وقد انتهى بالغزو البريطاني 1882.

المشهد الثالث: التجربة شبه الليبرالية التي أعقبت ثورة 1919 في مصر، وقد ضربت بكتيبة دبابات بريطانية أحاطت بقصر عابدين أرغمت الملك على تكليف زعيم الأغلبية المحرومة من الحكم. التكليف صدر بإملاء مدفع دبابة في 4 فبراير.. ثم جاءت الضربة القاضية لهذه التجربة شبه اللبرالية عندما أقيمت دولة إسرائيل، فأصبح التهديد الخارجي خطرًا مستوطنًا ومقيمًا وسط العالم الداخلي، وليس مجرد أساطيل تظهر في البحر، أو جيوشًا تغزو من البر، “وكانت الضربة بقوة السلاح مرة ثالثة”.

أما المشهد الرابع، فهو المشروع القومي لجمال عبدالناصر بعد ثورة يوليو 1952. يشير الأستاذ هيكل – محقًّا – أن المشروع محاولة طموحة لوضع مصر وبقية الأمة العربية على مداخل عصر جديد أعقب الحرب العالمية الثانية، واستجابة لدواعي وضرورات أمن مكشوف ومعرض أمام تهديد مستوطن ومقيم.

يضيف: لكن هذه المحاولة تعرضت لسبق الإصرار والترصد ثلاث مرات في السويس سنة 1956، وفي دمشق سنة 1961، وتكرر سبق الإصرار والترصد مرة ثالثة، وبنجاح، سنة 1967، وكان الجرح غائرًا، ويرى أن كل ذلك لم يكن مصادفة لأن العقل يعلن حين تتكرر الظواهر أن في الأمر ما هو أكثر من المصادفة.

* نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

   
 
Advertisements

تعليقات