Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل

يقف الديكتاتور بين يدي ربه مدافعاً عن نفسه بقوله: “ما أنا إلا واحد منهم، من عامة الشعب، أفكر كما يفكرون، وأشعر كما يشعرون. لست أفضل منهم، وليسوا أفضل مني! أنا جئتُ من وسطهم، وحكمت بشرعيتهم متبعاً طرقهم، وأي واحد منهم حلّ مكاني لفعل كما فعلت، ولنهج النهج الذي نهجت، فأنا من طينتهم، والعجينة التي عجنتها أيديهم”.

يبدو هذا التبرير منطقياً، لكنه ليس صحيحاً. كان من واجب “الديكتاتور” أن يتنازل عن منصبه في السلطة، ويشارك في البحث عن شخصيات أفضل منه مؤهلة للحكم، وهذا ليس عيباً، بل شرف كبير له، ومأثرة تاريخية أن يعرف قدر نفسه حق قدرها، وأن يرى غيره أولى منه بموقعه.

وواجب المجتمع أن لا يقبل بحاكم توازي قدراته قدرات رجل الشارع العادي، ولكن عليه البحث عن شخص تتوفر فيه “القوة الأخلاقية” في أعلى تجلياتها. والهدف الأساس من النظام الديمقراطي المُطبّق في الدول الغربية هو غربلة المجتمع، والبحث عن الإنسان المتميز أخلاقياً، ومن ثم إتاحة الفرصة له لقيادة الدولة.

ولعل أهم صفة ينبغي توافرها في قائد الدولة هي أن يكون فكره غير مطابق لفكر الشعب، وأن يحمل المبادئ “الأصلية” التي غالباً ما يجري تمويهها بسبب العاطفة الشعبية. وهنا قد نقع في التناقض، إذ كيف يمكن أن ينتخب الشعب شخصية مخالفة له في الرأي؟! إن الشعوب الواعية تفعل ذلك، وهي لا تختار للزعامة رجلاً أو امرأة يردد المقولات الشعبية والأفكار المبتذلة التي تشيع لأسباب ظرفية.

كمثال، يبدو (دونالد ترامب) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية رغم ثروته رجلاً أمريكياً عادياً جداً، يحمل الأفكار نفسها التي يحملها رجل الشارع العادي، ويردد ذات المقولات الشعبية النمطية عن معتنقي الديانات الأخرى مثل “الإسلام” أو عن الشعوب الأخرى مثل “المكسيكيين”.

والاستنتاج أن (دونالد ترامب) رجل متوسط، من العامة، يفكر كما يفكر العوام، ويصدر أحكامه بناءً على تعميمات – بعضها اعتباطية أو ظالمة- التي كوّنتها الجماعة البشرية المنتمي إليها.

حتى في بلد ديمقراطي مثل الولايات المتحدة الأمريكية هناك مجازفة أن يتم السماح لرجل “عادي” بالوصول إلى أعلى منصب في الدولة، وأن تصبح تحت تصرفه القوة العسكرية الهائلة للجيش الأمريكي، وفي المقدمة بالطبع الأسلحة النووية.

في العالم العربي أقرب نموذج لرجل الشارع العادي الذي يجد نفسه فجأة في قمة هرم السلطة هو العقيد (معمر القذافي). ونلاحظ أن تحولاته الفكرية من القومية العربية إلى القومية الأفريقية، وتبدل مواقفه من النقيض إلى النقيض تشبه تماماً الطريقة التي يفكر بها الإنسان البسيط الذي ينساق وراء عواطفه ويتخذ من ردود الفعل سلوكاً سياسياً يبني عليه موقفه في الحياة.

يقول الحكيم الصيني (لاو تسو):

“راقب أفكارك

لأنها ستصبح كلمات

راقب كلماتك

لأنها ستصبح أفعال

راقب أفعالك

لأنها ستتحول إلى عادات

راقب عاداتك

لأنها ستكون شخصيتك

راقب شخصيتك

لأنها ستحدد مصيرك”.

لا ينجح الرجل العادي في التحكم بأفكاره فهي تجول في ذهنه كيفما يعنّ لها.. وبالتدريج تلك الأفكار تظهر وترسم معالم المستقبل، فما بالك إذا كان هذا الرجل ديكتاتوراً ويتوقف عليه وحده ليس مصيره فحسب، ولكن مصير شعب بأكمله.

تمر شعوبنا العربية اليوم بلحظة تاريخية غامضة.. الثورات الشعبية تندلع في كل الأقاليم، وهناك بحث عن شيء مفقود.. المطالب تتكدس ولكنها لا تتحقق، بل وكأن الشيطان يخرج لسانه ثم يحدث العكس! هذا الشيء المفقود الذي تبحث عنه الشعوب العربية هو “البطل” الذي يقودها إلى الخلاص.. و”البطل” الذي نقصده ليس شبيهاً بأبطال السينما الأمريكية الذين يتباهون بقوة العضلات، ولكنه بطل يمتلك “القوة الأخلاقية” فقط.

الأنبياء لم يكونوا محاربين عظماء ولا زعماء عشائر، ولكن سلوكهم الأخلاقي وحده الذي رفعهم إلى مرتبة القيادة الروحية لشعوب الأرض. وصف الله سبحانه وتعالى سر نجاح الرسول كقائد ومؤسس لديانة عظيمة بقوله: “وإنك لعلى خلق عظيم”.

لاحظ عزيزي القارئ أن سر نجاح هذا الرجل الأمي الفقير في التبشير بدين جديد هو تفوقه الأخلاقي لا غير.

البحث عن إنسان يحوز معايير أخلاقية عالية ليشغل منصب رئيس الجمهورية هو بداية الطريق الصحيح نحو السلام والرخاء والعدالة الاجتماعية.

Advertisements

تعليقات