Accessibility links

الحرب ومدونو الفيديو: قراءة في تجربة “اليوتيوبرز” اليمنيين  


Advertisements

صنعاء – “اليمني الأميركي” – أحمد الكمالي:
يومًا بعد آخر والمشاركة اليمنية في منصة التسجيلات المرئية “يوتيوب” تتسع؛، إلا أن المحتوى الذي يقدمه مدونو الفيديو اليمنيون ما زال دون المستوى (كمًّا ونوعًّا)، وهذا لا يقلل من شأن (عدد قليل جدًّا) من مدوني الفيديو اليمنيين، حققوا نجاحًا في هذا الفضاء، إلا أن اليمن يحضر في معظم ما يقدمه صنّاع المحتوى المرئي اليمنيون على الإنترنت في صورة نمطية سلبية أكثر منها إيجابية تطغى عليها الهزلية الشعبوية، للأسف الشديد!

على الرغم من أن تجربة صناعة المحتوى المرئي على الانترنت في اليمن لا تزال حديثة مقارنة بغيرها من الدول العربية، إلا أنها برزت بشكل ملحوظ خلال سنوات الحرب التي تشهدها البلد منذ عام 2015، حيث يحتل موقع “يوتيوب” المرتبة الثالثة بعد موقعي “جوجل” و”فيسبوك”، ضمن عشرة مواقع الأكثر زيارة في اليمن، وفق موقع “إليكسا” المتخصص بترتيب مواقع الإنترنت.

35 يوتيوبرز

ورصد موقع (السوشيل بلاد)، المتخصص بمتابعة التفاعل مع منصات التواصل الاجتماعي، وفق تحديث شهر مايو/ آيار، 100 قناة يوتيوبية (نطاقها الجغرافي اليمن) يفوق عدد مشتركيها الـ 150 ألف مشترك، ومن ضمنها – تقريبًا – 35 قناة لمدوني فيديو أو ما يطلق عليهم بـ “يوتيوبرز”، فيما يتوزع نشاط بقية الحسابات على قنوات فضائية وأخرى تجارية ومتنوعة.

يتصدر اليوتيوبر اليمني صدام العزي، قائمة القنوات اليمنية في يوتيوب بشتى أنواعها، من حيث عدد المتابعين، بأكثر من ثلاثة ملايين و65 ألف مشترك، ويخصص محتواه لألعاب الخفة وكشف الخدع بالشرح والتطبيق.

الأسلوب الهزلي

ووفقًا لقراءة أجرتها “اليمني الأميركي”، لمحتوى أكثر من 25 قناة لمدونيّ الفيديو الأعلى مشاهدة والأكثر شهرة في اليمن (يتجاوز عدد مشتركيها الـ 240 ألف مشترك)، فإن الأسلوب الهزلي المبتذل المفتقر للابتكار يكاد يطغى على معظم ما يقدّم من محتوى سواء أكان في استكشات تمثيلية كوميدية، استطلاعات ومقالب من الشارع، ومعالجة قضايا اجتماعية أو سياسية أو دينية.

ننوه هنا بعدد محدود من القنوات تقدم محتوى غير هزلي وإن كان في دائرة الترفيه ذاتها كقنوات: فواز التعكري، وليد مثقال، مازن السقاف على سبيل المثال، أو أخرى تهتم بالتكافل الاجتماعي كقناتي أحمد علاو وعبداللطيف الزيلعي.

يغيب عن مضمون المحتوى الذي يقدمه الكثير من اليوتيوبرز ما تزخر به اليمن من تاريخ، حضارة، مواقع سياحية، تراث لا مادي، فنانين، كُتّاب، تجارب ناجحة… إلخ، إلا بالحد الأدنى، حيث لا يوجد على سبيل المثال، مدون يهتم بالترويج السياحي للبلد إلا قلة قليلة جدًّا، منها اليوتيوبر، عياش شبيل، الذي يسلط الضوء على المواقع السياحية والأثرية في اليمن.

في الوقت الذي تحظى قناة تعرف نفسها “بمتابعة ورصد علامات آخر الزمان”، وتنشر عن خرافات وأساطير ظهور المسيح الدجال والمهدي المنتظر، بأكثر من 423 ألف مشترك، ينحصر المحتوى التعليمي والعلمي المتخصص في مساحة ضيقة جدًّا لا تكاد تظهر.

ضمن الـ35 مدونًا، المصنفين ضمن قائمة المائة قناة التي رصدها موقع  (السوشيل بلاد) كأعلى القنوات اليمنية مشاهدة على موقع يوتيوب، يكاد يغيب حضور المرأة اليمنية، حيث لا تكاد تتجاوز مشاركتها في عالم اليوتيوبر بشكل عام عدد أصابع اليد، أغلبهن خارج البلد كالمدونة والرحالة سمية جمال التي يتجاوز عدد المشتركين في قناتها 154 ألف مشترك، وتهتم بنشر رحلاتها السياحية ويومياتها، وهبة سكاي، والعنود عارف.

الحرب

انخرط بعض اليوتيوبرز اليمنيين بشكل مباشر بالصراع الدائر الذي تشهده البلد، كاليوتيوبرز محمد الربع، محمد المسمري، يحيى السواري، جلال الصلاحي، وأحمد حجر، وآخرون يحظون بنسب مشاهدة ما بين عالية ومتوسطة مقارنة بمحتوى مدونيّ الفيديو الذين لم ينخرطوا في الصراع، ويشكلون الغالبية العظمى من يوتيوبرز اليمن، وإن لم تتطرق معظم أعمالهم بالشكل المطلوب للتداعيات الإنسانية لظروف الحرب كمواجهة أزمات النزوح والدعوة إلى السلام.

الشعبوية

تشكّل ظاهرة (الترند) للقضايا الأكثر تداولاً على وسائل التواصل الاجتماعي مهما كانت طبيعتها أو أهميتها… مجالاً خصبًا للكثير من مدوني الفيديو للإدلاء بآرائهم والبقاء في دائرة الضوء، ذلك ليس حصرًا على بعض يوتيوبرز اليمن فقط، لكنه أسهم في زيادة رواج وانتشار الشائعات وتعالي الصوت الانفعالي الصاخب على حساب الخطاب الهادئ والمنطقي والمتزن في تناول مختلف القضايا والأحداث وما ترتب على ذلك من طفو للشعبوية بصورتها السلبية التي تقدم اليمني كإنسان بدائي وغوغائي وفوضوي، إلى السطح، حسب نُقاد!

يُمثل اليوتيوبر مصطفى المومري، الذي تأتي قناته في المرتبة الثانية حسب عدد المشتركين (1 مليون و85 ألفًا) حتى كتابة هذا التحقيق، كأبرز المثيرين للجدل، حيث تتسم فيديوهاته بالنقد الحاد لمختلف القضايا السياسية والدينية والاجتماعية، مستخدمًا ألفاظًا نابية تسيئ للذوق العام. 

من الصعب تعميم صورة نمطية سواء إيجابية أو سلبية لمحتوى مدوني الفيديو في اليمن، كون كل مدون يُمثل تجربة خاصة قائمة في ذاتها ومختلفة عن البقية نتيجة لاختلاف الغايات والإمكانيات والظروف، وانطلاقًا من ذلك حرصت “اليمني الأميركي”، على تقديم مقاربة لتوصيف هذه الحالة مع مهتمين بعالم التواصل الاجتماعي، كتّابًا وناقدين وأكاديميين متخصصين في مجال الإعلام والاتصال.

حطاب ليل

«ينبغي التفريق بين صنّاع المحتوى على اليوتيوب وبين من يُمثل مؤسسة ينبغي عليه حتمًا أن يسعى لتقديم محتوى هادف ومحترف، أو الأفراد الهواة الذين يمارسون صنع المحتوى بأيّ طريقة كانت لأهداف شخصية قد لا تتجاوز التعبير وحب الظهور ليس إلا، لكن التعميم قد لا يكون سليمًا، والأمر يحتاج إلي دراسات تحليلية لإثبات ذلك»، يتحدث أستاذ مشارك بقسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام بجامعة صنعاء، مجيب الشميري لـ”اليمني الأميركي”، مشيرًا إلى أن «من الطبيعي تفسير سطحية محتوى اليوتيوبر، وربما عدم موثوقيته أيضًا من خلال بيئة الإعلام الإلكتروني نفسها التي برغم السهولة التي أتاحتها والسرعة التي وفرتها والتنوع الذي تدعمه، إلا أنها في النهاية كان لها تأثيراتها السلبية في قوة وتخصصية محتوى اليوتيوب الذي يوصف بأنه محتوى حطّاب ليل لا يميز بين الغث والسمين».

يتحتم على مشاهير السوشيل ميديا بشكل عام واليوتيوبرز تحديدًا، مسؤوليات وطنية وأخلاقية في تبنّي رسالة ومحتوى راقٍ يعكس انطباعًا إيجابيًّا عن البلد، ويسهم في تصحيح الصورة النمطية السلبية التي كونتها وسائل إعلام ودراما وسياسات عن اليمن… حسب نُقاد ومهتمين.

الجمهور

يوجد العشرات من صنّاع المحتوى الذين يهتمون بتقديم مادة معرفية، لكنها عادة لا تحظى بالتفاعل الكبير مقارنة بالقنوات التي تتوجه نحو الترفيه، ويُرجع المدون، لطفي نعمان، الذي يهتم بنشر محتوى عن التاريخ والحضارة اليمنية على قناته في اليوتيوب باسم “تاريخساب” ( 3.3 ألف مشترك)، تدني متابعة القنوات المعرفية والعلمية إلى: «طبيعة جمهور قنوات التواصل الاجتماعي بما فيه اليوتيوب الذي يبحث عن التسلية أكثر، وضعف تسويق المحتوى، إلى جانب عدم استمرارية بعض القنوات المتخصصة بتقديم هذا النوع من المحتوى في بث الحلقات واجتزاء المعلومات».

«بشكل عام يميل الجمهور لكل ما هو سطحي، ويتجنب كل ما هو معرفي وعميق، وهذه ظاهرة عالمية»، بحسب الكاتب والناقد رياض حمادي لـ”اليمني الأميركي”، «الهدف من قنوات اليوتيوب هو الربح، وتحقيق أعلى نسبة مشاهدات، وبالتالي فمن الطبيعي أن يبحث أصحاب القنوات عن مادة ترفيهية تنسي المشاهد واقعه المؤلم، وهناك من ينجح في الجمع بين الشكل والمضمون، وهناك من يفشل في تحقيق هذا الهدف».

وحول تصاعد الأسلوب الهزلي الخالي من القيمة المعرفية والحضارية في محتوى بعض اليوتيوبرز اليمنيين، يوضح الناقد حمادي، أن ذلك يعود  لـ«الشعبوية التي تتصاعد على المستوى السياسي والديني والاجتماعي، ومن البديهي أن نرى لها نماذج على وسائل التواصل ومنصات البث المجانية، هذه المنصات والقنوات تنقل الواقع بقدر ما تعيد صناعته، ولا يبدو أن هذه الدائرة ستنتهي إلا بمراجعة جذرية على مستوى الأسرة ومؤسسات المجتمع والدولة».

الجذب والإثارة

ويرى الناقد الفني، محمد سلطان اليوسفي، في حديث لـ”اليمني الأميركي”، أن «الجانب الثقافي أقلّ حظًّا بالمقارنة مع غيره من المجالات في صناعة المحتوى اليمني، فلا يوجد محتوى يقدم الفن والشعر اليمني إلا نادرًا، وبإمكانيات محدودة، ومعلومات متواضعة، أو تناول سطحي للقضايا الثقافية والفنية، تعتمد بالغالب على الشائعات وعنصريّ الجذب والإثارة، وهذا ينعكس سلبًا على واقعنا الثقافي، ويقدم صورة مخدوشة عن الثقافة اليمنية».

ويرجع اليوسفي ذلك إلى «التأثير المباشر وغير المباشر للحرب في صناعة المحتوى، وتسيُّد الصراع السياسي والعسكري على المشهد».

تلقي الحرب بظلالها على صناعة المحتوى، سواء من حيث عدم توفر الإمكانيات، ونقص فرص التدريب للشباب الهواة، وضعف خدمة الإنترنت في اليمن الذي يعد الأسوأ عالميًّا حسب تصنيفات، وغياب المناخ الحر اللازم للإبداع… أو حتى ضعف المردود المادي لليوتيوبرز بسبب عزوف الشركات عن الإعلانات في قنواتهم مقارنة بغيرهم من الدول الأخرى، بحسب حديث اليوتيوبر اليمني عياش شبيل، لـ”اليمني الأميركي”.

المحتوى القيّم

ويرجع اليوتيوبر شبيل، الحائز على درع سفير السياحة اليمنية من وزارة السياحة في صنعاء لِما يقدمه من محتوى سياحي يعكس صورة إيجابية عن اليمن أرضًا وإنسانًا، ويسهم في التعريف بها، أن سبب نجاح تجربته في عالم اليوتيوب يأتي لنظرته لصناعة المحتوى «كرسالة واستثمار يجب إعطاؤه حقه من الوقت والإمكانيات والجهد والإبداع»، ويؤكد أهمية وجود إطار يضم جميع صنّاع المحتوى المرئي، ويسهم في تلبية التوجه المتصاعد للشباب اليمني نحو تدوين الفيديو، وربما تحقق نقلة نوعية في رؤية اليوتيوبرز اليمني لهذا المجال.

شبيل ليس التجربة اليمنية الوحيدة الناجحة في تقديم المحتوى القيّم، فهنالك الكثير من الشباب الناجحين سواء في الداخل أو الخارج، كالمدون العالمي اليمني، والعالِم في مجال الجينات الوراثية، هاشم الغيلي، الذي سخر التدوين لتقديم أبحاثه العلمية بشكل مبسّط، فحصدت مشاهدته على قناته في يوتيوب أكثر من 78 مليون مشاهدة، بينما بلغت مشاهدة محتواه على موقع “فيسبوك” أكثر من 12 مليار، وهو رقم قياسي لم يحققه صانع محتوى عربي… وهذا يُمثل دليلاً على إمكانية النجاح في صناعة محتوى هادف موجه للعالم.

كون طبيعة التدوين على يوتيوب تجربة ذاتية خارج الوسائل الإعلامية التقليدية… ولِما لديها من تأثير واسع لدى الجمهور، فإنه يتطلب من اليوتيوبر اليمني استشعار المسؤولية في المحتوى الذي يقدمه سواء من حيث المضمون أو الأسلوب؛ كونه متاحًا للعالم وبوابته لاكتشاف اليمن.

   
 
Advertisements

تعليقات