Accessibility links

الحرب والجوع وجهان لمأساة يمنية واحدة مقاربة نقدية في مجموعة لطف الصراري “آيسكريم بالنحاس”


Advertisements

عبده منصور المحمودي*
عن دار عناوين في القاهرة، صدرت للكاتب اليمني لطف الصراري مجموعته القصصية الثالثة “آيسكريم بالنحاس”، ديسمبر 2021م، بعد مرور سنوات خمس على صدور مجموعته الثانية 2016م، واثنتي عشرة سنة على صدور مجموعته الأولى 2009م().

 

العنونة نسقُ طفولة وحرب

تصدَّر غلاف هذا العمل واحدٌ من عناوين نصوصه، فكان عتبته الأولى: “آيسكريم بالنحاس”، أما نصُّ العنونة، فقد كان سرديةً لما وصلت إليه الحرب من كارثية لم تسلم منها الطفولة، حيث تضمنت مشهديته أطفالًا يحصون غنيمتهم من أغلفة الذخائر الفارغة، التي جمعوها قبل ساعات “من مراسم دفن ثلاثة شهداء وصلت جثامينهم في اليوم نفسه”، أخرجهم مما هم فيه وصول سيارة الآيسكريم، فانتفضت رغبتهم، لكن خواء جيوبهم من النقود، أسدل على رغبتهم أفقًا من الحرمان المنظور، لم يتحرروا منه إلا حينما انبرى أحدهم، وقايض بائع الآيسكريم، بما لديهم من أغلفة الذخيرة الفارغة، لم يستطع البائع إلا القبول بما لديهم ثمنًا لشيء من بضاعته.

   بالإحالة على مضامين هذا النص، استقامت عنونة المجموعة على الثنائيتين: (الحرب/ الطفولة)، هذه الثنائية الاستثنائية في التقاء طرفيها، تمظهرت فنيًّا في تصميم غلاف العمل؛ إذ حلّت ظروف الذخيرة الفارغة فيه محل قطع البسكويت الجاف الخاصة باحتواء الآيسكريم، فكانت وعاءه الذي تدرج جزؤه الأعلى، في تحوّله من حقل الاقتتال إلى حقل الطفولة، تدرجًا انتهى إلى اتساق أغلفة الذخائر مع وظيفتها الجديدة، فأحال هذا التحول، على ما تحمله الطفولة من إمكانات التغيير، في وظائف مكونات الحرب، إلى النقيض مما جُبلت عليه.

لقد شكّلت العنونة بهذه الثنائية امتدادًا لنسق صُمّم بإحالاته غلاف مجموعة الكاتب “الرجاء عدم القصف”، التي فيها من الخصائص ما يجعلها في صدارة التعاطي السردي مع الحرب اليمنية بعد عام من اندلاعها في مارس 2015م، وقد حضرت في تصميم غلافها ثنائية (الحرب/ الطفولة)، في صورة طفل وأنقاض منزل دمّرته الحرب.

حضور الطفولة في عتبة المجموعتين ومضامين غلافيهما، يحمل إحالة ضمنية، على الفئة الأكثر تضررًا من الحرب وتداعياتها وآثارها، ذات الامتداد في مستقبل هذه الفئة، التي سيتشكل بها مستقبل وطن منهك بالحرب والدمار.

 

الحرب وصناعة الجوع

الاشتغال على نصوص المجموعة مؤسس على استثمار لتيمة الجوع؛ باعتبار الجوع واحدًا من أبرز تداعيات الحرب، وما ترتب عليها من آثار كانت جوهرية في كارثية الجوع وشراسته، فاليمن في نتائج تقرير مؤشر الجوع العالمي 2019، تُصنّف ضمن أسوأ الدول، محتلة المرتبة 116 من أصل 117 دولة، والتي تعيش، وفق التقري، ضمن الفئة المنذرة بالخطر.
في النص “سقوط حر على السيراميك” معالجة سردية لمشكلة انقطاع الرواتب، والتي كانت الشخصية الرئيسة في النص واحدة من ضحاياها، مدرسًا انقطع راتبه، فتمزقت كرامته حينما أنهكه الجوع وأنهك أسرته، قدّم للمجوهراتي بطائقه رهنًا، لكنه لم يخرج من غيبوبته إلا في المشفى، وهو يردد جملة التعريف بنفسه، والتي كانت بعض كلماتها آخر ما استطاع قوله قبل أن يُغمى عليه في محل المجوهرات: “أنا مدرس فيزياء في مدرسة النهضة اللي جمْبكم، من أمس أقسم بالله ما أكلت حاجة، وعيالي منتظرين الدقيق… خذوا بطايقي رهن بثلاثة ألف ريال لمّا أستلم الراتب.. مَعاد فِيشْ معي غير البطايق”.. انصدم بالرد عليه كشحاذ لا كمدرس، همّ بالخروج فسقط على البلاط بعد خطوات، لقد نسي أن يأخذ حذره من السقوط، الذي يُعد خاصية من خصائص السيراميك إن لم يأخذ الماشي عليه حذره.. والمشي بحذر على السيراميك، لم يكن استيعابه والبناء عليه في تجربة الكاتب وليد لحظة إنجازه هذا النص، وإنما استيعابًا قديمًا له تموضعه في تجربة الكاتب الواقعية، التي انعكست في تحريره مقالًا صحفيًّا، تناول فيه نوعية البلاط غير المناسبة، والتي استُخدمت في مبنى عمادة شؤون الطلاب الجديد؛ كون السقوط سيكون مصير الماشي عليها إن لم يأخذ حذره().
وعالجت سردية النص “حديقة التحرير”، أقسى صورة من صور الجوع، فالشخصية في النص مشرّدة، عانت أيامًا من حاجتها الماسة إلى لُقيمات لم تظفر بها، فلفظت أنفاسها الأخيرة.
وتتبع النص “مسلة القدور المعدنية” آثار الحرب على العمل وحركة البيع والشراء، البائع المتجول فيه مسحوق بالجوع، وبصفاقة من لم يَذق معاناته، حاجته إلى الطعام اعتلت هرمية أولوياته، وللحصول عليه، لم يتوانَ عن بيع بعض من بضاعته بخسارة، أمّا النص “عيد وكساء وخاتم ذهب”، فقد تطرق إلى معاناة مقاول، نزح قبل أن يستلم باقي مستحقاته من” طبيب مشهور لم يدفع له أجور عمله في بناء وتشطيب فيلّا من طابقين داخل المدينة…. [و] استغل ظروف الحرب، وسافر خارج البلاد دون ما يدفع حتى قسط واحد من المبلغ الباقي عنده”. 

 

بساطة المواجهة وشراسة الجوع

لم تقف فضاءات الاشتغال السردي، في نصوص المجموعة، على علائق الحرب والجوع فحسب، وإنما اتسعتْ لتتعاطى مع صور من الفعل الاجتماعي المواجه لهذه المأساة، على ما في هذه الصور من بساطة ومحدودية، والتي تأتي في مقدمتها ما تضطلع به العائلة من دور في مساندة بعض من أفرادها الذين فقدوا مصادر رزقهم، كشخصية النص “مهندس الذرة الشامية”، التي لم تستطع قبول إشفاق عائلتها عليها بعد فقدانها أهم مصدر للدخل (الراتب).. كذلك هو الأمر في نص “العيد الأخير للجدة”، فقد تولّت الجدة مسؤولية إعالة أحفادها الذين أزهقت الحرب أرواح آبائهم، ففرضت على أبنائها الأحياء مبلغًا شهريًّا تستعين به على نفقات اليتامى.

وفي مساحات من الضوء السردي، ظهرت المرأة ذات دور فاعل، في التخفيف من وطأة الجوع؛ فكانت في النص “آيسكريم بالنحاس” مثقلة بتدبير لقمة العيش، لغياب الآباء الطويل في جبهات القتال، وقدمت إلى زوجها مجوهراتها ليبيعها، ويوفر بثمنها المستطاع من احتياجات الأسرة، في النص “سقوط حر على السيراميك”، فالزبائن الأربعة فيه، “باعوا للتو مدخراتهم وذهب نسائهم، وسوف يغادرون باتجاه محلات المواد الغذائية والصيدليات ومعارض الألواح الشمسية”، كما كانت حريصة في نص “جيران البيت”، على اتخاذ التدابير المناسبة في توفير الغذاء، حيث “عاشت ياقوت مع أفراد أسرتها في الطابق الأرضي شهرًا وعشرة أيام، على مؤونة جلبتها من السوق دُفعة واحدة، قبل أن يشتد الحصار على المدينة، ووفق حسبة مدروسة لتكفي العائلة لشهرين”. 

مقابل هذه الصور الاجتماعية المواجهة للجوع، يغيب الدور الرسمي، ويحل محله دور منظمات الإغاثة الدولية، التي اقتصرت على تزويد النازحين بجزء يسير من احتياجاتهم الغذائية، وبمضامين من هذا الدور اضطلعت سردية النص “سهرة برفقة دبّور تائه”، عملت الشخصية الرئيسة فيه، بعد نزوحها إلى مدرسة، في حراسة المعونات الغذائية، وعلى لسانها تكشَّفت صور الفساد، الذي ينخر منظومة العمل على هذه المعونات، كاستئثار النافذين بالنصيب الأكبر منها، أحالت عليهم شخصية مدير المدرسة التي تُودع فيها المعونات.

لقد هيمن الجوع، في نصوص المجموعة، على مجريات الحياة، فتوارى من مظاهرها ما لا يتسق مع ماهيته، سيما ما يتعلق منها بالسعادة واحتياجاتها المتزامنة مع حلول العيد، ومع ذلك لم يكن في مستطاع هذا التواري القسري الحيلولة دون حتمية المرور الزمني بمناسبات الأعياد، وهو المرور الذي يتكاثف فيه الشعور بوطأة الحاجة والفاقة والفقر، ففضّل مهندس الذرة الشامية النوم حتى تنتهي أيام العيد، وحاولت المرأة التعاطي الإيجابي مع العيد، من خلال استشعار زوجة المهندس للعافية كمصدر مهم للسعادة، والذي استحضرته في المقولة الشعبية: “العيد عيد العافية”، لتُهوّن بها عليه من حاله الشعورية المسحوقة بالحاجة.
وفي نص “العيد الأخير للجدة”، صورة أخرى من الدور الإيجابي الذي تضطلع به المرأة، محاوِلةً توفير قسط من معاني السعادة العيدية، فلم تتخلَّ الجدة فيه عن طقوس العيد التي اعتادت عليها، طقوسها في جمع أحفادها، وحثّهم على الفرحة بالعيد، ناثرةً عليهم الحلوى والشوكولاتة.

أما ذروة نُبل المرأة، وتعاطيها الإيجابي مع العيد في وجه الحرب، فقد تضمنه النص “عيد وكساء وخاتم ذهب”، حيث الزوج المنهك بالفقر والحاجة، تغشاه المفاجأة بنيله كسوته العيدية من زوجته التي اشترتها بثمن خاتمها، لتضفي عليه شعورًا عيديًّا سعيدًا.

 

مفارقات التخمة والوفرة

استلهمت المجموعة أقصى ما استطاعت ذهنية كاتبها من أبعاد الجوع، بما في ذلك مشاكسة الجوع بنقيضه، “التخمة”، وهو ما يحيل على هوة سحيقة بين تراتبيتين اجتماعيتين، في الأولى تتموضع فئة الجائعين، وهي الغالبية الساحقة، وفي الثانية فئة المتخمين.. ظهرت فئة المتخمين في نَص “غذاء القائد”؛ ففيه كان لحم اليمام من ميزات غذاء القائد، والذي كلَّف واحدًا من جنوده، باصطيادها وشوائها كل يوم، يتناول يمامةً قبل وجبة الإفطار، ويمامتين قبل وجبة الغداء، ويصل به الأمر إلى أن يتفهّم قائده الأعلى منه خصوصية غذائه، فيوجه بشراء ثلاث بندقيات هوائية لاصطياد اليمام، وهنا تتجلى المفارقة بين حالين: حال الجائعين، وحال المتخمين.

كما تجلت مفارقةٌ أخرى بين زمنين: زمن الحرب، والزمن السابق له.. استلهم نص “العيد الأخير للجدة”، جوهر هذه المفارقة، فقد كان بيت الجدة قبل الحرب مأهولًا بالضيوف، وهي صورة يمكن إسقاطها على منازل غيرها.. نالت الحرب من هذه الصورة، وصار الحصول على ما تسُد به الجدة جوع أحفادها اليتامى هو أقصى ما تستطيع السعي إليه.

* ناقد أكاديمي يمني

   
 
Advertisements

تعليقات