Accessibility links

الحادي عشر من فبراير وسردية الربيع العربي (2- 2)


Advertisements

عبدالباري طاهر
مرت ذكرى الـ 11 فبراير، أو بالأحرى العيد الـ 11 لانتفاضة الربيع العربي في اليمن مرورَ العابرين، باستثناء الندوة اليتيمة التي أقامتها منظمة الحزب الاشتراكي بتعز، وقدم فيها الأستاذان: الدكتور عبدالرحمن الأزرقي، والباحث عيبان السامعي، أوراقًا مهمة، وتعرّض عيبان لمضايقات أثناء الإلقاء، وهناك ورقة ثالثة للأستاذ فهمي محمد.

غياب الاحتفاء بهذا الحدث العظيم مرده للانكسارات المروعة، والانتكاسة الفاجعة في عموم المنطقة العربية، وما ساد بعد سيطرة قوى الثورة المضادة.

المعنى الرائع الحاضر بقوة هو سطوع شمس حرب اللاعنف في مواجهة العنف كتسمية جين شارب.

العنف، واستخدام القوة في القاموس السياسي، هو الأسلوب السائد كنهج استعماري منذ القرن السابع عشر وما قبله، وهو ما يعالجه كتاب “دور العنف في التاريخ” لإنجلز، وهو أحد الأساليب في مواجهة الاستبداد والاستعمار في القرن العشرين.

القوة سلاح الاستبداد والفساد عبر التاريخ وحتى اليوم، ولا شك أن سلاح اللا عنف هو أيضًا أحد أسلحة الأمم والشعوب منذ “ثورة سبرتاكون”، مرورًا بالثورات الكبرى، ولكن الطغاة والمفسدين في الأرض هم من يفرض العنف، ويحتكم إلى القوة، فعبر التاريخ كان العنف والغلبة أداة ووسيلة الطغاة للوصول إلى الحكم والاستنقاع فيه، وكان العنف بالنسبة للأمم والشعوب والفئات المضطهدة حالة استثنائية، وهي وإنْ كانت مشروعة إلا أنها أيضًا غالبًا ما تفرض عليها من قِبل المستغِلين والمستبدين والغزاة.

رمزية قصة هابيل وقابيل في العهد القديم والقرآن دالة.. الحروب الاستعمارية سببها الأساس نهب ثروات الشعوب، وإرادة استعبادها، والحربان العالميتان مصدرهما اقتسام الأسواق في العالم، والسيطرة على الثروات ومناطق النفوذ.

الكفاح السلمي هو الأساس في مقاومة الأمم والشعوب والطبقات المستغلة – بالفتح – وهو ما تدلل عليه النضالات المطلبية والحقوقية والسياسية عبر مختلف المراحل في القارات الثلاث.

انتفاضة الربيع العربي جذورها ممتدة في تاريخ الأمم والشعوب، فمطالب العبيد في الدولة الرومانية، ومطالب الخلاص من الإقطاع، والدعوة إلى العدالة والإخاء والمساواة في الثورة الفرنسية 1776، وحركات الإصلاح في تركيا 1908، وإيران 1905 (المشروطة)، وثورة عرابي في مصر 1879، وثورة الهند غاندي 1930، وإيران 1978، وجنوب أفريقيا 1952، والانتفاضتان الفلسطينيتان الأولى 1986 والثانية 2000، تاريخ يمثل الكفاح السلمي الحي والدؤوب ضد الاستبداد والاستعمار.

النظام العربي في خاتمة القرن قد وصل إلى ما يسميه الأدب السياسي الأزمة الشاملة أو الأزمة العضوية، حيث يطال العجز السلطة والمعارضة على حد سواء، ويتفكك المجتمع. هذا العجز الذي وصل إلى حد عدم القدرة على حماية السيادة والاستقلال، وتوفير قوت المواطن قد طال مختلف جوانب الحياة، ووصل الإفقار العامد حدودًا قياسية.

تونس (وطن الربيع العربي) وصل الفقر فيها بين الأعوام 2010 و2015 نسبة 28 و29% ، وفي مصر29.2، والجزائر (البلد النفطي) 23% حسب تقارير دولية، أما اليمن فتحتل المرتبة 151 من 177 دولة، وحالتها بعد الحرب، وانتهاب الربيع، تنافس على المرتبة الأولى في العالم كأسوأ كارثة على وجه الأرض، حيث تتجاوز المجاعة فيها الـ80%، وتصل الأمية الأبجدية في غالبية البلدان العربية، وبالأخص بلدان الربيع الـ 50%، أما الأبجدية المعرفية والتقنية، فتلف بجلبابها الأسود الأمة العربية، ويصنف بعضها في آخر سلم التعليم والحريات، ويشكل بعضها خطرًا على حرية الرأي والتعبير.

الفساد والاستبداد جوهر وطبيعة الحكم العربي، وبدأ الجنوح في الأنظمة الثورية سابقًا إلى التوريث كمصر والعراق وسوريا وليبيا واليمن، وتم تأسيس ما اصطُلح على تسميته في النحت السياسي “جملكية”، ولم تكتفِ هذه الأنظمة الشمولية بتجويع شعوبها، وحرمانها من حرية الرأي والتعبير، ومصادرة الحريات العامة والديمقراطية، وتسويد القمع والقهر، بل تجاوزت كل ذلك إلى خيانة القضايا القومية.

كان الجزء الأكبر من الموازنة العامة في الدول “الجملكية” موظفًا لصالح الجيش والأمن، وتكديس السلاح، وعسكرة الحياة، وإفقار الحياة الأدبية والثقافية والروحية، فكانت الانتفاضة الشعبية التي مثلت ردًّا على كل هذه الممارسات القمعية، والأهم الرد بسلاح اللا عنف ضد العنف الفاشي الذي يغطي مختلف جوانب حياتنا العربية.

عِداء هذه الدول لبعضها حاضر، ولكن شعوبها هي العدو الرئيسي، ومن هنا انتهاج العنف كوسيلة وحيدة للاستنقاع في الحكم، ورفض دعوات الإصلاح، وقمع أيّ بوادر للمعارضة.

اللافت تماهي الأوضاع في المنطقة العربية كلها، وتسيّد الطغيان والفساد في أنظمة الحكم من الماء إلى الماء.

الظرف الثوري ناضج، فالاحتكام للعنف والإرهاب، والإفراط في القمع، فتح الباب واسعًا أمام الأسلوب المغاير والمختلف، وهو حرب اللا عنف، كما يسميها جين شارب.

يتحرك شباب الأمة العربية بصدور عارية، مرددين: “الشعب يريد إسقاط النظام”.. اعتقد الحاكم العربي أن احتكار السلاح وتكديسه والإفراط في العنف هي الوسيلة المثلى للتأبيد وتوريث الحكم، كما هو الحال في دول النفط التي سار على نهجها الحكام الثورجيون في سوريا والعراق وليبيا ومصر واليمن.

كانت الانتفاضة الشعبية في المنطقة كلها، وفي المقدمة فلسطين المحتلة، هي البديل الأرقى لمواجهة الاحتلال الاستيطاني، ونظام الفصل العنصري بعد تخلي القيادة الفلسطينية عن نهج المقاومة، وفي الوقت نفسه كانت انتفاضة الربيع في الأرض العربية ضدًّا على الحكام الطغاة الفاسدين والمتواطئين مع أعداء الأمة، وكانت البديل الأرقى والأنجع للانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية والبينية.

ثورة الربيع في المنطقة العربية كلها بعامة، وفي اليمن بخاصة لم تُدرس، ولم يقف الدارسون والمثقفون وقادة الأحزاب إزاء حدث من أهم أحداث المنطقة في خاتمة ومطلع القرن العشرين والواحد والعشرين، كما لم يدرس دور الفئات الشعبية، والمرأة، والشباب، ولم تقرأ إبداعات الربيع في الشعر والقصة والرواية والمقال النقدي، ولم تبحث أسباب الانتكاسة والانكسارات المروعة في المنطقة كلها، بما في ذلك البلدين الرئيسيين: تونس ومصر، بالإضافة إلى اليمن.

خلفية الربيع ومغزاه ودلالته هو الانتقال من الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والعنف بمختلف صوره وأشكاله.

وفي اليمن، ومنذ الأسابيع الأولى، التحق الإصلاح بالساحات، وفرضوا الحراسات على بعض الساحات، واستولوا على المنصات الخطابية، وأقاموا عازلاً بين النساء والرجال، ومنعوا الفتيات من الاشتراك في المسيرات، وبدأوا في تشكيل المنسقيات التابعة لهم، وتم تغييب الصوت المستقل، وطغت المواجهات العسكرية على الانتفاضة السلمية.

لم تقرأ مبادرة التعاون الخليجي، فخطورة إعادة إنتاج النظام هو تغييب عفوية وتلقائية واستقلالية الانتفاضة، وهذا وُظّف لصالح الإسلام السياسي وأحزاب المشترك، وتحول الصراع من احتجاجات سلمية إلى نزاع مسلح، ومساومات على اقتسام السلطة.

أغفل الشباب والشابات تشكيل قيادات للساحات، ووضع الخطط والبرامج، وراهنوا على قيادات الأحزاب المهتمة بالتقاسم وبالعنف أكثر من الاحتجاج السلمي.

لا نستغرب المزاج المجرم للانتفاضة، وتحميلها الحالة البائسة التي يعيشها اليمني والعربي، فالحروب المدمرة هي نهج الحكم ومصدر الثورة المضادة.

ويقينًا، فإن انتكاسة الربيع والخيبات الكبيرة غالبًا ما تدفع الشعوب والأمم للالتفات للماضي أكثر، والمقارنة بين السيئ والأسوأ، والانحياز للسيئ؛ لأن المستقبل غائب.

*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

   
 
Advertisements

تعليقات