Accessibility links

Advertisements
Advertisements

عبدالباري طاهر*

 

 التطبيع المتسارِع بين إسرائيل والإمارات والبحرين حاليًّا ماذا يعني؟، وما هي الأسباب الفعلية لهذا التسارُع، وفي هذا الوقت بالذات؟

يُمكِن العودة إلى هزيمة 67 وما تلاهها: زيارة السادات للقدس، واتفاقيات كامب ديفيد، واتفاق أوسلو ومدريد، وحرب الخليج الأولى والثانية، والتطبيع الأردني، وكلها واقعية وتُستخدَمُ كمبررات لِمن يريدُ التطبيع، بغضّ النظر عن أيّ اعتبار، وعن خطأ أو صواب التبرير.

وإذا ما عُدنا إلى الأسباب الواقعية، والحالة القائمة، فإنّ هاجس الخوف من ربيع الشعوب العربية الذي اجتاح المنطقة كالإعصار في العام 2011، ولا يزال يتغلغل، ويفعل فعله هنا وهناك في الجزائر والسودان ولبنان والعراق وليبيا، وغير بعيدٍ عن سوريا واليمن هو المحرِّك الأساس وراء التطبيع.

ويقينًا، فإنّ المنطقة الأكثر استحقاقًا وقابليةً للانتفاضة هي دول الخليج. بالأمس غير البعيد حماها النفط، والاستعمار الأوروبي والأمريكان من رياح القومية، والثورة العربية، ولكن شبح الربيع العربي لا يمكن التوقّي منه.

في العام 1847 أصدر ماركس وأنجلز «البيان الشيوعي»، مؤكّدين “أنّ شبح الشيوعية ينتاب أوروبا. ضد هذا الشبح اتحدت قوى أوروبا القديمة كلها في حلف مقدس”، ومنذ أواخر القرن الماضي تجتاحُ الانتفاضة الشعبية العديد من أمم وشعوب العالم؛ فكانت الانتفاضة الإيرانية 1979، والانتفاضتان الفلسطينيتان: 1987، و2000 من أهم هذه الانتفاضات.

اشتعال جسد البوعزيزي في تونس أشعل المنطقة كلّها، ووصل دخانه إلى السعودية والبحرين، ولا تزال الجذوة واعدة؛ فهؤلاء الحكّام المؤبدون، والمنتمون لقبائل وأُسر تتوارث الملك لعقودٍ قد أصبحوا عاجزين عن الحكم، وغارقين في الفساد والاستبداد.

يقول غرامشي: “يدخلُ المجتمع في أزمة حين يلفّ الفساد السلطة والمعارضة معًا”. وكثيرًا ما ردّد لينين: “يدخل المجتمع في سيرورة من التفكك والاستنقاع حين يتساوى العجز بين السلطة والمعارضة”. وفي قراءة مائزة للباحث فيصل دراج يرى: “أنّ المنطقة العربية يعمها العجز”.

ربما تطالُ الشيخوخة حدّ الإدقاع الأنظمة الخليجية القروسطية أكثر من أيّ نظام آخر؛ فالنظام السعودي الذي يهربُ من أزمته الداخلية، وصراع الورثة على التركة – هو أكثر الأنظمة تهاويًا وعجزًا، والإمارات مأزقها أنّ شعبها لا يُمثّلُ إلا نسبة ضئيلة أمام الوجود الأجنبي، أما البحرين فنظامها في عهدة الملك السعودي، وتطبيعها لا يعني إلا رسالة سعودية مفتوحة لأمريكا وإسرائيل، وتقول فيها للبحرين: أنتم السابقون، ونحن اللاحقون. فهذه الأنظمة محتاجة للتطبيع، أو بالأحرى لإعلان التطبيع ربما أكثر من ترامب ونتن ياهو؛ فترامب وعد شعبه بالانسحاب حين هدّد السعودية ودول الخليج بأنه لولا الحماية الأمريكية؛ لسقطت أنظمتهم، وكان بهذا التهديد يبتزهم، وفي نفس الوقت يُهيّئهم للقبول بالحامي الجديد إسرائيل بدل القوات الأمريكية؛ وهو في كلّ ما فعله سلّم العهدة للحامي الجديد إسرائيل.

أنظمة منخورة بالفساد، وعاجزة عن حماية نفسها، ومتصارعة مع نفسها وجوارها، ثم تخوضُ حروبًا عدوانية لا تقوى على حسمها؛ فلا بديل غير الاستعانة بحامٍ جديد، وهي حماية مدفوعة الأجر، وقد تكون مضاعفة، ولكنها حماية خطرة. وطبعًا ليست هذه الدول وحدها في مأزق؛ فترامب يريدُ العودة للحكم لدورة ثانية وبأيّ ثمن؛ فهو يواجهُ صعوبات الكورونا، والوضع الاقتصادي الصعب، والرفض لدى قطاعات واسعة لاتجاهه العنصري، ولا يهمه وضْع العائلة السعودية والإمارات أو البحرين، ومأزق نتن ياهو أنه مقدَّم لمساءلة فساد، وتحالفاته الداخلية تشهدُ تفكّكًا حدّ الصراع؛ فهو بأمسّ الاحتياج للعهدة الجديدة المهداة من ترامب.

كان شبح الشيوعية في منتصف القرن التاسع عشر يتهدّدُ الرأسمالية، والقوى التقليدية في أوروبا القديمة، لكن شبح الانتفاضة في عصرنا يتهدّد الطغاة والفاسدين والمستبدّين في القارات الخمس، وهو تهديد للديكتاتوريات، بمقدار ما يشهدُ على فشل الليبرالية والنيوليبرالية.

تستطيع أمريكا ووكيلها المعتمد إسرائيل حماية هذه الأنظمة من إيران أو غيرها، ولكن لا أمريكا ولا إسرائيل تستطيعُ حماية هذه الأنظمة من شعوبها أو أُمّتها أو مِن نفسها، والحامي نفسه مهدد.

الأزمة الشاملة في عصرنا كقراءة المفكّر الإيطالي غرامشي تطالُ الأنظمة العربية كلها، لكن هروب الأنظمة المتهالكة إلى أمريكا وإسرائيل لا يُشكّلُ حماية بمقدار ما قد يسرّعُ بتهاوي هذه الأنظمة؛ فمَن حمى حسني مبارك من غضبة شعبه؟، ومَن حمى بن علي وبوتفليقة أو القذافي أو علي عبدالله صالح في مواجهة شبح الانتفاضة الشعبية العربية؟.

شجّع الأمريكان والأوروبيون الثورات المضادة، والحروب والصراعات البينية، وموّل الخليجيون هذه الحروب في اليمن وسوريا والسودان ضِد ثورة الربيع العربي.

شبح انتفاضة القرن الواحد والعشرين يُهدّدُ أمريكا وفرنسا، كما يُهدّدُ الصين وروسيا، ويُهدّدُ إيران، كما يُهدّدُ السعودية، ويهدّدُ تركيا بمقدار ما يهدّدُ سوريا، أما نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، فهو مهدَّدٌ من الشعب الفلسطيني الذي يخوضُ كفاحًا وطنيًّا ومقاومة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وقد قام الفلسطينيون بانتفاضتين: انتفاضة الحجارة – حجارة الطفل الفلسطيني 1987، والانتفاضة الثانية عام 2000، وهي مستمرة الآن، كما أنّ الشعب اليهودي هو الآخر في مواجهة ضد فساد نتن ياهو واستبداده؛ فلأول مرة تُصبِحُ السعودية والإمارات طَرَفًا في الصراع الأمريكي- الأمريكي، والإسرائيلي- الإسرائيلي؛ فيقفان مع ترامب الشعبوي العنصري المستند إلى الإنجيليين، كما يقفون مع نتن ياهو الفاشي الصهيوني المستبيح للقدس، والرافض للقرارات الأممية، والساعي لتهجير الفلسطينيين والمُجَرَّم من قِبَل شعبه.

كثيرًا ما ربط اليسار بين الصهيونية والامبريالية، وبين الرجعيات العربية، وجاءت الانتفاضات الشعبية، وهاجس الخوف منها؛ لتُبرِز توحُّد مواقف هذه الأطراف.

لا ينبغي التقليل من خطورة التطبيع العربي مع إسرائيل؛ لِأنّه يُديرُ الظَّهر للقرارات الدولية، ويتماهى مع الموقف الإسرائيلي تمامًا. والأسوأ من الخذلان العربي المعلَن والمخفيّ ميوعة الموقف الفلسطيني، سواء في غزة أو رام الله؛ فالقيادتان: حماس، والسلطة لا يزالان أسيرا سلطتهما، ولا تزال خلافاتهما أكبر من القضية، ويتمسك كلٌّ منهما بتحالفات مُسيئة تخدمُ مصلحة المحتل الإسرائيلي.

حركة التحرر الوطني الفلسطيني تتحول إلى سلطة فاسدة مستبدة ومنغمسة بعد أنْ تخلّت عن حقِّها في الكفاح المسلّح، وتخلّت في أوسلو، أو قبِلت بتأجيل مطلب عودة المهاجرين في الشتات، وهم نصف الشعب الفلسطيني، ووقف الاستيطان، واعتبار القدس عاصمة لفلسطين، وتُواجِه الاحتجاجات الفلسطينية الغاضبة كأيّ سلطة عربية.

إنّ أيّ رفض فلسطيني لتطبيع دول عربية بدون توحُّد الفلسطينيين، وبدون الخلاص قولاً وفعلاً من التنسيق الأمني مع إسرائيل، وإعادة صياغة السلطة ومنظمة التحرير، وتمثيل كلّ فصائل المقاومة، والخلاص من الفساد والاستبداد – يُصبِح بلا معنى، ويُلحِقُ أفدح الأضرار بالقضية الفلسطينية، ويُطيلُ أمَد الاحتلال.

طموح وعدوانية ابن سلمان وابن زايد كبير، وقد ورّطا بلديهما في حروب أكبر من مقدرتيهما؛ وذلك دافع للالتجاء لإسرائيل.

 

* نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق 

  • 174
    Shares
Advertisements

تعليقات