Accessibility links

Advertisements

عبدالباري طاهر*
الانقلابات السودانية شيمة العسكر والقوى التقليدية. انقلاب العسكر بقيادة الثلاثي: البرهان، وحميدتي، والكباشي ضد قوى الحرية والتغيير في حكومة حمدوك له جذور انقلابية تمتد إلى 1958: انقلاب عبود الشهير، وهو الانقلاب الأول المؤسس لانقلابات تبدأ ولا تنتهي، رغم أن استقلال السودان 1956 كان عبر الحوار السياسي.

انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021 كان انقلابًا داخل انقلاب. انقلاب الثلاثي: البرهان، حميدتي، والكباشي في 11/ 4/ 2019 لم يكن ضد نظام البشير، وإنما هو ضد الثورة الشعبية التي عجز القمع الوحشي عن إيقافها، خصوصًا بعد مذبحة ساحة القيادة العسكرية، والتي قُتل فيها العشرات، وكانت أصابع الاتهام تتجه نحو البرهان وحميدتي ذراعيّ البشير العسكرية، مع اقتراب موعد تسليم السلطة للمدنيين من الحرية والتغيير حسب الوثيقة الموقعة بين العسكر والجناح المدني.

قام البرهان بانقلاب 25 أكتوبر 2021، واعتقل رئيس الوزراء حمدوك والوزراء المدنيين، ولكن الانتفاضة التي لم تخبُ منذ أواخر العام 2019، وتصاعدت لتعم مختلف مناطق السودان، وتحولت إلى إرادة شعبية ترفض عسكرة الحياة المدنية، وتشكلت تنسيقيات لجان مقاومة في عموم مدن السودان، والتحقت بالانتفاضة الأطراف التي تشاركت مع العسكر في تقاسم الحكم، والأكثر أهمية تشكيل منسقيات للجان المقاومة التي وضعت لنفسها ميثاقًا وطنيًّا يوقع عليه من قِبل الأطراف المدنية والسياسية الرافضة لوجود المكون العسكري في الحكم.

القتلى منذ الانقلاب الثاني، أكتوبر 2021، يزيدون عن المئة قتيل، والجرحي بالآلاف، وحالات اغتصابات كاثرة، ويومًا عن يوم يتأكد عجز العسكر عن قمع الانتفاضة، وتبدأ الأطراف الدولية الداعمة للبرهان وفريقه، وتحديدًا أمريكا والسعودية وبعض الدول الخليجية، يستشعرون خطورة الأوضاع، ويبدأ المجتمع الدولي، بما في ذلك الداعمون للعسكر، الدعوة لخروج العسكر من الحكم، والعودة إلى ثكناتهم؛ فلم يكن الأمريكان والسعوديون، وهما إلى جانب إسرائيل أهم داعميّ العسكر ليقدما على دعوة العسكر للعودة للثكنات لو كان لديهم بصيص أمل في قدرة العسكر على إخماد جذوة المقاومة.

في اللقاء الأخير الذي حضرته اللجنة الثلاثية المكونة من بعثة الأمم المتحدة، ومفوضية الاتحاد الأفريقي، والأمانة العامة للهيئة الدولية المعنية بالتنمية (إيفاد) إلى جانب العسكر وحلفائهم؛ لإيجاد تسوية لا تختلف كثيرًا عن تحالف البرهان وفريق حمدوك من الحرية والتغيير، ورغم اقتصار الحضور على العسكر، وحلفائهم من الحركات المسلحة، وبعض الأحزاب المؤيدة إلا أن جانبًا قويًّا من الحضور رأى استحالة أيّ حل أو تسوية في ظل غياب تنسيقيات اللجان الشعبية، وتجمع المهنيين، والأطراف الرافضة من إعلان الحرية والتغيير، الطرف الأقوى الذي يقود الشارع.

انفض اللقاء مع تزايد الضغط الشعبي، والدعوات الدولية لتسليم الحكم للمدنيين. الحكم بالنسبة لقادة الجيش في السودان قضية حياة أو موت؛ فهم مستولون على الثروات، والمؤسسات الاقتصادية، والموارد الكثيرة، ثم – وهذا هو الأخطر – أنهم بدون حماية السلطة يجدون أنفسهم مساءلين عن جرائم قتل المئات والآلاف، ويطالبون بتسديد فواتير الحرب في دار فور والنيل الأزرق، وفي غير منطقة من مناطق السودان، كما أنهم مساءلون أيضًا عن جرائم الجنجويد ومرتزقتهم في ليبيا والسعودية وأماكن أخرى. إنهم منفذو كل جرائم البشير وما بعده، ولكن تصاعد الانتفاضة، والعجز عن إخماد جذوتها، والضغط الدولي المتزايد، ونصائح الأصدقاء (الأمريكان والسعوديين) يصبح رحيل العسكر مسألة وقت قد لا تطول.

ما يميز الانتفاضة الحالية أنها تستند إلى لجان شعبية مغروسة في التربة السودانية، وقد انفضت من حولها الاتجاهات السياسية القابلة للمساومة مع قيادات الجيش، والطامحون للسلطة، كما أن الأحزاب التقليدية قد تراجع دورها كثيرًا، وتصدعت كياناتها العتيقة، ثم إنها وضعت لنفسها ميثاقًا يلتزم الموقعون عليه بعدم تجاوزه مستفيدة من تجارب انتكاسات الانتفاضات السابقة.

تنسيقيات لجان المقاومة التي تضم مجموعة متنوعة ومتعددة: مجموعة دعم حقوق المرأة، وتجمع المهنيين، وقوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان، والتجمع الاتحادي المعارض، وهي القوى الموقعة على الميثاق الوطني يبدو أنها قد حسمت أمرها في رفض المساومة مع قيادة العسكر، وعدم الرهان على دور للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي والإيفاد المتبنّين لدعوة التصالح مع العسكر، والعودة لاقتسام الحكم، وهو بمعنى من المعاني تكرار تجربة حمدوك ومجموعة نداء الحرية والتغيير (المجلس المركزي).

التحديات أمام انتفاضة الشعب السوداني كاثرة؛ فالجيش المتحالف مع القوى التقليدية واسعة النفوذ، ومع بعض حركات الكفاح المسلح، والأحزاب الإسلامية قوي، وبيده ثروات البلاد ومواردها، كما أن بعض دول الجوار والتي لها امتداد وعلاقات بالسودان داعمة للعسكر، وخوفها من الانتفاضة لا يقل عن كراهية العسكر، ثم إن إسرائيل وحلفاءها العرب ملاك الثروات النفطية لهم مصلحة في دعم القيادة العسكرية، حتى بعد الخروج من السلطة.

أوضاع السودان مأساوية؛ فالأزمات الاقتصادية شديدة، والحركات المسلحة لا تزال حاضرة والتي يؤيد فريق منها الجيش، والصراع في دارفور شديد الخطورة، ثم إن مأساة الصراع في دارفور ليست بعيدة عن مكائد الجيش، وبالأخص قوات الانتشار السريع (الجنجويد).

الحكم العربي وإسرائيل المتحالفان متماهيان كتماهي الانتفاضتين: الفلسطينية، والسودانية، بل وأكثر، ولا شيء يتهددهما كالانتفاضة.

الربيع العربي خطره على الحكم العربي لا يقل عن خطورة الانتفاضة الفلسطينية ضد الغاصب الإسرائيلي، ونظام الفصل العنصري.

انتصار السودان يفتح الأفق واسعًا أمام الأمة العربية، والشعب الفلسطيني، ويقطع الطريق على صفقة القرن، ويحدّ من تغول إسرائيل التي يراد لها أن تكون سيدة المنطقة وحامية الحمى.

استطاع الحكم العربي عسكريًّا كان أو سلطانيًّا تدمير المنطقة كانتقام من الربيع العربي، والشعوب المنتفضة، ولكن الانتفاضتين في فلسطين والسودان تؤشران على أن الشعوب العربية ما تزال تقاوم، وأن انتصار المقاومة في السودان يفتح أفقًا للانتصار في وطن الربيع العربي كله.

*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

   
 
Advertisements

تعليقات