Accessibility links

Advertisements

أ.د. محمد عبدالكريم المنصوب

سألني أخي الحبيب العلامة الصوفي فضل عبدالكريم المنصوب، عن ماهيّة الأسباب التي تقف وراء الشعب اليمني لتجعله مريضًا ولا يُحبّ إلا الاستمرار بمرضه؟، وطبعًا ليس المقصود بالمرض الأمراض العضوية، لكنه مرض الاستكانة والتقاعس عن البحث في أسباب تطوره وسعادته.

وكما هو واضح فهو سؤال كبير، يستدعي الخوض الطويل في المراحل التاريخية المتعاقبة والمختلفة، وتحليلها تحليلاً دقيقًا ومفصّلاً قبل أنْ نصل إلى التتبع الذي قاد إلى ذلك المرض أو الأمراض.

ولكن في مقاربتي هنا، سأناقشُ الأمر من زاوية معيّنة، ربما، تقتربُ من الإجابة بطريقة ما، أقول ربما.!!، فالإنسان – أيّ إنسان – ما هو إلا نتاج شيئين لا ثالث لهما، الصفات الوراثية له، والبيئة من حوله.

 وطالما أنّ الإنسان غير مخيّر في صفاته الوراثية، فإن تغييره الممكن لن يكون إلا من خلال بيئته.. وانطلاقًا من ذلك نعلمُ أنّ أكثر المصادر أو المرتكزات التي تؤثر فيه وتُشكّل شخصيته، غالبًا لا تخرجُ عن أربعة مصادر، أولها ما يتلقاه في بيته من توجيهات أبوية أو أسرية، وثانيها ما يتلقاه من تعاليم دينية عبر المساجد ودور العبادة، وثالثها ما يتلقاه في مراحل تعليمه المختلفة، وأخيرًا ما يعرض نفسه من قراءات مختلفة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية.

وبناءً على هذه المرتكزات الأساسية، تُصبح الصورة أقرب للفهم والإدراك، فما هو المرتجى من مخرجات أُسَر غلبت على أفرادها الأمية المطلقة لعقود وقرون طويلة، وما هو متوقع أنْ تتركه تلك الأسر من آثار إيجابية في أبنائها، تجعلهم قادرين على استيعاب أهمية تطوير ذواتهم وحياتهم وتعزيز قدراتهم الذهنية.

هذا التسلسل الطويل من توارث الأمية – وما زال – قد خلق، بكل تأكيد، حالة من الذهول وعدم الرغبة أو الخوف من الخوض في أيّ معترك حياتي جديد يُغيّر أنماط حياتهم التي اعتادوا عليها وألفوها.  وقد ساهم المفهوم الاجتماعي السائد – وما يزال – القائم على أن الخروج عن إرادة الأسرة، وتحديدًا الأبوين، حتى وإنْ كانا مخطئين أمر محرم دينيًّا واجتماعيًّا، في تقليل فرصة أو فرص أمام الأجيال للتحرر من قيود الضعف والاستكانة، بل عززتها إلى حدّ مقيت. وهكذا نرى، أنّ بدايات الإنسان اليمني، هي بدايات مَرَضية، وأدّت بل قتلت ظهور أيّ حراك مجتمعي من شأنه رفع الوعي بعدم الاستكانة والخضوع. ولا ننسى التذكير هنا، إلى ما جرّه تعميم الأمية من ويلات صحية واجتماعية على رأسها الفقر والحرمان.

ثم جاء دَور المساجد ودَور العبادة في تعزيز مرض الاستكانة والخضوع، فقد اقتصر دورها على تعليم ديني محدود يقوم على إقامة الصلوات وتحفيظ نصوص دينية ثابتة وجامدة تتناقلها الأجيال جيلاً عن جيل، لا مساحة فيها لأيّ نقاش أو جدال، ويُسقط من خلالها للعقول أهمية طاعة الحاكم والرضوخ لمشيئته سواءً على المستوى المحلي (سلطة الشيخ) أم المستوى الوطني (سلطة الوالي أو الإمام أو….)، ومن خلال هذا الدور – شديد القصور – للمساجد ودور العبادة تم غرز المسمار الثاني في مسيرة بناء الإنسان اليمني، وتطلعاته ورغبته في التحرر والانعتاق.

ثم نأتي إلى المصدر أو المرتكز الثالث المعنيّ بما يتلقاه الإنسان في مراحل تعليمه المختلفة، فاليمن لم يعرف التعليم الكلّي الضروري لكلّ أبنائه إلا من عقود ماضية قليلة، ولم يصل في كلّ مراحله لتغطية كلّ مناطق اليمن؛ فالنشاط التعليمي الذي دَبّ في أوساط المجتمع اليمني في سنوات ما بعد ثورة سبتمبر 1962، قد اقتصر في أغلبه على المناطق الحضرية دون الريف هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كان – وما يزال – التعليم في اليمن إجمالاً تعليمًا نمطيًّا تقليديًّا متخلفًا بامتياز، لم يساعد ولن يساعد، في المدى المنظور، على خلق جيل واعٍ متحمس للتغيير والتطوير، فقد مورس – وما يزال يُمارَس – مع الطلبة، في كل المراحل التعليمية، أبشع طرق التعليم والتلقين، وباستخدام مناهج تعليمية متخلفة، لم يكن نتيجته في الغالب سوى أنصاف متعلمين ضررهم أكثر من نفعهم، ولم تضف إلى نفسيتهم سوى الإحباط والنفور.

ونختم هذه المرتكزات الأربعة بمسألة الثقافة العامة المتأتية من خلال القراءات المختلفة والمتنوعة، وما يتم تلقفه من وسائل الإعلام المختلفة، فكم هي الشريحة من المجتمع اليمني التي تعنيها الثقافة العامة، وهي بالفعل حريصة على تنمية مهاراتها الفكرية؟!، ثم ما هي مصادر الثقافة العامة المتاح الوصول إليها، في ظل انعدام – تقريبًا – للمكتبات العامة ودور النشر والمنتديات الثقافية، بالإضافة إلى أنّ الكثير من مصادر الفكر وفلسفاته كانت – وما تزال – محظورة في الأساس لأسباب مختلفة سياسية وعقائدية. وانطلاقًا من كلّ هذا يُصبح واضحًا أنّ ظهور وتَشكل مبدأ تنويري تحرري أمر غير وارد الحدوث سواءً في الماضي القريب أو الحاضر القائم بكل إرهاصاته وهفواته، ويضاف إلى كلّ هذا أن الأنظمة السياسية التي تعاقبت على اليمن واليمنيين لقرون طويلة لم يحدث مع أيّ منها أن كانت تحمل أهدافًا تنويرية حقيقية، بل على العكس فقد كانت جميعها لا تهدف إلا إلى ترسيخ الجهل والتبعية، وضرورة طاعة الحاكم بخيره وشره، ومن خلال اختراع أدوات مختلفة دينية تارة وعصبية تارة ومذهبية تارة أخرى، وهلمّ جرًّا، وهذا بالطبع قد قاد إلى انكفاء فكري قاتم، جعل مبدأ السكوت والانصياع مقبولاً لدى جُلّ أفراد الشعب وفئاته؛ خوفًا من البطش والهلاك.

ونخلصُ للقول إنّ كل الظروف التي صاحبت المجتمع اليمني، من قرون طويلة، قد تضافرت وشكّلت في مجملها إنسانًا منكفئًا لا يحملُ الكثير من الطموحات، ويرضى بالقليل من الحقوق والحريات، وأصبح مريضًا تقوم حياته على ما توفر من فتات الفتات.

  • 66
    Shares
Advertisements

تعليقات