Accessibility links

عبدالباري طاهر*

فور اغتيال الشهيد جار الله عمر ذهبتُ والدكتور محمد قاسم الثور- عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني – إلى منزل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، حيث يُتحفظ على جار الله المتهم بقتل جار الله عمر- عضو المكتب السياسي الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي.

Advertisements

 كان علي جار الله في غرفة، ومعه صادق عبدالله الأحمر وحميد الأحمر.. سألته، أو هو بدأ الحديث، بأنه يمتلكُ دليلاً شرعيًّا يجيزُ، أو بالأحرى يوجِبُ قتل جار الله، ثم ذكر وجوب استمرار الجهاد الفردي إذا ما تعذَّرَ الجهاد الجماعي. سألته عن الدليل، فأجاب: أنّ ابن كثير في (تفسير القرآن العظيم) – وهذا اسم التفسير- ذكر رأيًا لبعض الصحابة بالجهاد الفردي في حال تعذَّرَ الجهاد الجماعي.

Advertisements

رجعتُ إلى تفسير ابن كثير؛ فرأيتُ صحة ما ذكره علي جار الله. كنت أعرف عدم إلزام رأي الصحابي؛ فهو مجرد رأي إنْ صحّتْ نسبته إليه، كما أعرفُ سلفية ابن كثير كأحد أتباع ابن تيمية، ولكن الموقف ليس موقف نقاش.

Advertisements

علي جار الله قبلها كان معتقلاً في الأمن السياسي؛ لإساءته لعلي عبدالله صالح في خطبة له بجامع مسيك، وكان علي جار الله كما أثبتت التحقيقات رئيسًا لخلية إرهابية تستهدفُ اغتيال المبشِّرين في مستشفى جبلة، ولديهم مخطط وقوائم باغتيال أكثر من ثلاثين شخصية، من ضمنهم الدكتور أبو بكر السقاف وآخرون من المثقفين، والناشطون اليمنيون، وقادة أحزاب معارضة، ويستهدفون – أيضًا – الطائفة الإسماعيلية.

التحقيقات التي دوَّنها المحاميان: الأستاذ أحمد الوادعي، والدكتور محمد المخلافي تكشفُ أنّ الدليل القاطع كان مصدره حيث كان معتقلاً، وأُفرِجَ عنه؛ لتنفيذ “فتوى الأمن”، وليس فتوى الزهري أو ابن كثير أو البراء بن عازب.

أُفرِجَ عن خلية مُسيك، وجرت التغطية على مَن وراء الاغتيال، وما وراؤه؛ فالاستبداد الديني، والاغتيال والإرهاب أدوات للاستبداد السياسي، وهي أسلحته الفتاكة.

الإرهابيون الصغار- بغضّ النظر عن دياناتهم ومعتقداتهم: دينية أكانت أم غير دينية – أدوات قتل بيد الإرهابيين الحُكام المستبِدين التابعين للإرهابي الأكبر في المستوى الاستعماري؛ فهناك مراتب ثلاث للتطرف والإرهاب أشار إليها الباحث الفلسطيني فيصل دراج.

ليس للإرهاب مذهبًا أو دينًا أو عقيدة، وليس هو صفة لأمة أو لوطن.

هؤلاء الإرهابيون الذين تفشّوا في البلدان الإسلامية وفي الأمة العربية بمسمياتهم العديدة، ورموزهم الكاثرة هم صناعة الفساد والاستبداد الحاكم في أمتنا، وهؤلاء الحكام أنفسهم المنتجون للإرهاب هم أنفسهم أزلام للاستعمار العالمي وللإمبريالية الأميركية بصورة أخص، والمأساة أن الإرهابيين الصغار جلادون وضحايا في آن؛ فهُم أدوات قتْل لصالح الأنظمة المستبِدة، ثم يتم التخلص منهم، وبالأخص منذ نهايات الحرب في أفغانستان، وبعد (غزوة) مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001.

لا يُمكِن بحال التبرير لجرائم هذه الاتجاهات، ولا يمكِنُ – أيضًا – إغفال جرائم الأنظمة المستبدة التي صنعتهم؛ فقراءة التراتب في صُنع الإرهاب، وتعيين أدوات القتل والحروب والاغتيال يبدأ من الأعلى فالأوسط، فالأدنى؛ فالاستبداد الديني خادم مطيع للاستبداد السياسي، كما يرى المفكر الإسلامي عبدالرحمن الكواكبي.

المفارَقة الراعبة أنْ تقوم الأنظمة المستبدة بتوظيف الأدوات الصغيرة، ثم تُلقي التّهم عليهم، وقد تقتلهم، في حين تقوم أميركا والاستعمار الأوروبي بابتزاز هذه الأنظمة التابعة المنفِّذة لنهج الإرهاب الأكبر الاستعماري.

لا يمكنُ وصْم دينٍ أو أمة أو شعب بالإرهاب؛ فالإرهاب نهج استعماري، وصناعة رجعية بامتياز. النصوص الموجودة في الديانات والإرث البشري ليست وحدها مساءلة، وإنما المُساءل – أيضًا – التوظيف والاستثمار السياسي لهذا الإرث الوبيل، والعهد الجديد (الإنجيل) تخلو مكوناته من التشريع العقابي؛ فهو دعوة روحية لا علاقة لها بالعنف والإرهاب، ومع ذلك قام الاستعمار الأوروبي بحملات التبشير باسم المسيحية، وشنّتْ أقسى الحروب وأخبثها منذ القرن السابع عشر وحتى اليوم.

الحروب الصليبية في القرون الوسطى، واستعباد الأمم والشعوب في غير قارة تمت تحت راية التمدن والتحضّر، وراية المسيح البريئة.

شعار مكافحة الإرهاب الزائف لم يُرفع إلا بعد نهاية الحرب في أفغانستان، وبعد تدمير مركز التجارة العالمي.

تحت راية مكافحة الإرهاب دُمِّرَ العراق، وشُنَّت عليه أبشع الحروب وأقساها، وما تزال الحرب ضده مستمرة، وجرى ويجري الحرب على سوريا وليبيا واليمن والسودان والصومال ولبنان، وتتحالف أميركا وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل والسعودية والإمارات ضد الدواعش (الأدوات الإرهابية) التي هي صناعتهم.

الاستعمار الفرنسي والبريطاني والأميركي والاحتلال الاستيطاني لفلسطين والأنظمة التابعة في منطقتنا العربية مُساءلون بالدرجة الأولى عن موجات الإرهاب الفاشية في العالم؛ فالإرهاب ثمرة كريهة للحروب الاستعمارية التي شنّتها هذه الدول في القارات الثلاث.

ليست الأفكار وحدها المُساءلة، وإنما توظيفها، وتحويلها إلى ذرائع للقتل والإرهاب هو الأساس؛ فحرب جاناتا بهاراتيا وممارساته العنصرية والإرهابية حوّلتْ أعرق وأهم  ديمقراطية في العالم إلى جحيم ضد مسلمي الهند، أما رئيسة ميانمار بورما، وهي الحائزة على جائزة نوبل للسلام، فقد تواطأت مع الجيش على قتل المئات، وتشريد مئات الآلاف من المسلمين، وميانمار بلد الديانة البوذية من أكثر الديانات تفتّحًا وتسامحًا وقبولاً بالاختلاف، فالسياسة والقوى السياسية والدينية هي مَن يحوّل الأفكار إلى واحات سلام وتآخٍ وأمن، أو بؤرة توتُّر وأسلحة وقتل وتدمير؛ فالإسلام في البلدان الإسلامية والعربية بخاصة لم يتحول إلى ألغام وقنابل وجنازير إلا في ظل الأنظمة الفاسدة والمستبِدة المتحالفة مع الاستعمار ضد شعوبها وأمانيّ أمتها.

منذ منتصف القرن الماضي وطَيْف الإرهاب يعملُ ضِدًّا على القومية، وحركات التحرر الوطني والثورات في العالم، وهو يُوظَّف اليوم لغرض التطبيع مع إسرائيل، وقمع احتجاجات الأمم والشعوب، وتدمير الكيانات العربية القوية، وتحديدًا في عالمنا العربي.

نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

  • 340
    Shares
Advertisements

تعليقات