Accessibility links

إعاقة تدفعُ يمنيًّا لصناعة كرسي كهربائي متحرك


مُحمّد يروي حكايته مع تكييف سيارة مع احتياجاته كمعاق

Advertisements

صنعاء ـ اليمني الأميركي ـ محمد العلفي

دفعتْ الإعاقة الحركية التي تعرّضَ لها الشاب اليمنيّ مُحمّد سليم (33 سنة)، إثر حادث مروري أثناء خروجه من ورشته لتشكيل الحديد بمنطقة الحوبان/ تعز (جنوب غرب)، لصناعة كرسي متحرك لذوي الاحتياجات الخاصة، مستعينًا بأحد الكراسي المعطوبة.

 

الكرسي-الكهربائي-المتحرك-الذي-صنعه-محمد-قبل-اعتماده-على-سيارة

محمد في الورشة

 

كما دفعته الحاجة لابتكار طريقة لزيادة سرعة هذا الكرسي لتصل إلى 30 كيلومتر في الساعة، من خلال تركيب عجلة دراجة هوائية مزودة بمقود ودينامو خاص بكرسي كهربائي لذوي الاحتياجات الخاصة قام بتطويرها لتُصبح أسرع.

وعلى الرغم من مقدرة مُحمّد وتفرده في هذا المجال الذي لم يسبِقهُ إليه أحد، إلا أنه لم يجد مَن يقدّمَ له الدعم اللازم ليتمكن من فتح ورشة لتصنيع كراسي متحركة تلبي احتياجات ذوي الاحتياجات الخاصة.

إلى ذلك استطاع هذا الشاب أن يكيّفَ سيارة حصل عليها مع احتياجاته وإمكاناته كمعاق، مؤكدًا، في هذا السياق، قدراته على إنتاج سيارة تلبي حاجة ذوي الاحتياجات الخاصة في حال توفرت له الإمكانيات.

يروي مُحمّد لـ “اليمني الأميركي” قصته التي أثخنتها ويلات الحرب والنزوح، وفصولًا من المعاناة استهلتها الأقدار بالمنعطف الذي غيّر مجرى حياته قبل 14 عامًا، عند تعرُضهِ لحادثٍ مروري.

 

أتقنَ تشكيل الحديد وامتلكَ ورشة في سن الـ 19.

 

نقطة تحول

شرد مُحمّد ببصره برهة، ثم أطلق زفرةً قبل أنْ يعود بنا إلى محطة من الماضي، وبالتحديد إلى شهر آيار (مايو) من العام 2007…: «سيظلُ ذلك اليوم محفورًا في ذاكرتي؛ باعتباره نقطة تحولي إلى إنسان معاق، حينها كنت في التاسعة عشرة من عمري، عندما خرجت من ورشتي التي لم يمر على امتلاكي لها سوى ثلاثة أشهر».

واستطرد: «ففي ذلك اليوم تعرضتُ لحادثٍ مروري أدخلني في غيبوبة، فنُقلتُ إلى أحد المستشفيات الخاصة، الذين قرروا التدخل الجراحي نتيجة تهشم إحدى فقرات عمودي الفقري».

سكتَ مُحمّد، من ثم أردف: «كان التدخل الجراحي أخطر عليَّ من الحادث نفسه، فقد كشفت التقارير التي أرسلتها لاحقًا إلى أميركا بأنّ التدخل الجراحي تسببَ من خلال إحدى قطع الفقرة المهشمة بالضغط على النخاع الشوكي ما أدى إلى شلل الأطراف السفلية».

أثخنت الحرب جراحه وفجّرت منزله ودفعته للنزوح.

 

هزيمة وعزلة

لم يتقبل ذلك الفتى النشيط المليء بالحركة والحيوية إعاقته التي هزمت روحه المتوقدة ودفعته للعزلة والانكفاء على ذاته، وهو يعيشُ ذكريات ماضيه مذ دخوله ورشة أخيه الأكبر، وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره، تحمله أحلامه الصغيرة بأنْ يصبح معلمًا في تشكيل الحديد مثل أخيه.

ظل مُحمّد يهربُ من واقعه إلى عزلته، مستعرضًا خلالها شريط أعوامه العشرة التي يرى فيها أجمل أيام حياته، حيث اكتسب خلالها أساسيات ومهارات تشكيل الحديد حتى أتقنها، وبدأ يبدعُ في التعامل مع أسياخ وقطع الحديد بعد أنْ طوعها، وباتت كأنها ألوان يرسمُ بها لوحاته الإبداعية.

الحرب والنزوح

 «اندلعت الحرب في 2015، ونزحنا من منزلنا الذي تضرر لقربه من القصر الجمهوري، إلى محافظة إب»، ويشير إلى قيام قوات الحكومة اليمنية الشرعية المدعومة من التحالف بتفجير منزلهم بحجة أن أحد إخوته يتعاونُ مع قوات سلطة صنعاء.

استمر مّحمّد يتنقلُ مع أمه وأخته الأصغر سنًّا بين أقاربه حتى 2017، عندما تعرضتْ ساقه اليمنى لكسرٍ نتيجة خطأ في أحد التمارين التي كان يقوم بها لتحريك رجليه، فاضطر للسفر إلى صنعاء وإجراء عملية تركيب مسامير لتثبيت عظام الساق، عاد بعدها إلى مقر إقامته بمحافظة إب (وسط).

 

ابتكر طريقة لزيادة سرعة كرسيه المتحرك 30 كم/ ساعة.

 

إرهاصات الفكرة

فشلت العملية التي أجراها مّحمّد لساقه؛ نظرًا لإصابته بهشاشة العظام، ونتيجة لتدهور حالته سافر في 2019 إلى صنعاء ليقوم بإزالة المسامير، وهناك سمع بصندوق رعاية وتأهيل المعاقين، وذهب إليه من أجل أنْ يحصلَ على مساعدة مالية تعينه على إجراء العملية.

هناك في الصندوق تعرّف على أحد الموظفين الذي استمع إلى مُحمّد وقدراته في تطويع الحديد التي ستمكّنه من صناعة كرسي متحرك، فأُعجب الموظف بأفكار محمد فأخذه إلى قيادة الصندوق.

يقول مُحمّد: «تلقيتُ وعودًا منهم بدعمي لفتح ورشة للتصنيع شريطة أنْ أقوم بصناعة كرسي وأعرضه عليهم، فطلبتُ إعطائي أحد الكراسي التالفة حتى أتمكن من أخذ المقاسات اللازمة، والاستفادة من عجلاته».

 

 يحلمُ بصناعة سيارة خاصة تلبّي احتياجات المعاق.

 

تحديات التنفيذ

ما إنْ عاد مُحمّد إلى مكان إقامته بمحافظة إب حتى بدأ بالبحث عن المواد، يقول: «بدأتُ في آب (أغسطس) 2019 العمل بالبحث عن القضبان الخاصة بالتصنيع، وهي أنابيب بسمكٍ معيّن؛ وهي غير قابلة للثني لأنها تنكسر»، ويضيف: «وجدتُ أنابيب المياه بنفس السماكة المطلوبة، والتي اكتشفتُ أنها أفضل من تلك الأنابيب الصينية المستخدمة في صناعة الكراسي المتحركة كونها تدوم من عامين إلى ثلاثة أعوام عن العمر الافتراضي للأنابيب الصينية، إلا أني واجهتُ صعوبة عند طلائها؛ نظرًا لكونها مطلية بمادة عازلة للماء يصعب إزالتها».

ويشير مُحمّد إلى الصعوبة التي واجهته نتيجة عدم حصوله على المكبس اللازم لثني الأنابيب الحديدية الخاصة بصناعة الكرسي، قائلاً: «في الخارج يستخدمون أثناء صناعتهم للكراسي المتحركة مكبسًا كهربائيًّا، أما أنا فلم أجد مكبسًا يدويًّا يفي بالغرض لأستطيع من خلاله ثنْي الأنابيب بالطريقة والمقاسات المطلوبة».

من منطلق الحاجة أُم الاختراع، قام محمد بتصنيع مكبسٍ بالحجم والمقاس المطلوب في إحدى ورش مخارط الحديد، «بعدها بدأتُ صناعة الكرسي في إحدى الورش القريبة من مقر إقامتي، ودفعتُ الكثير من المال لمالك الورشة ليسمح لي بالعمل بحرية نتيجة لإعاقتي وصعوبة حركتي، وحتى لا يقومُ بطردي».

استعان مُحمّد بالكرسي التالف الذي أخذه من صندوق رعاية وتأهيل المعاقين كأنموذج أخذ منه المقاسات اللازمة، بالإضافة إلى الاستفادة من العجلات الخاصة به التي قام بتركيبها للكرسي الذي أنهى عملية تصنيعه في الأول من كانون الثاني (يناير) 2020.

تلاشي الوعد

تملكتْ مُحمّد نشوة الانتصار عقب إنهائه تصنيع الكرسي، فقد فاز بالتحدي الذي خاضه مع نفسه، فسافر مسرعًا إلى صنعاء ليعرض إنجازه على صندوق رعاية وتأهيل المعاقين، الذين وجهوا بتوظيفه مباشرة.

عقب توظيفه بدأت الوعود التي اُعطيت له بتوفير الدعم اللازم لفتح ورشة صيانة وتصنيع الكراسي المتحركة تذهبُ أدراج الرياح بحُجة عدم القدرة على توفير المبلغ اللازم.

فكرة تطويرية

انتقلَ مُحمّد للسكن في صنعاء نتيجة عمله الجديد، ونتيجة للمسافة الطويلة بين مقر إقامته وعمله فقد كان يضطر لإنفاق ستة آلاف ريال يوميًّا أجور مواصلات؛ ما جعله يفكر في طريقة لزيادة سرعة الكرسي الكهربائي المتحرك ليوفر أجور المواصلات.

وجدَ مُحمّد مَن يدعمه لتطبيق فكرته التطويرية للكرسي الكهربائي المتحرك؛ فابتكرَ طريقة لزيادة سرعته لتصل إلى 30 كيلومتر في الساعة.

«قمتُ بتركيب عجلة دراجة هوائية مزودة بمقود ودينامو خاص بكرسي كهربائي لذوي الاحتياجات الخاصة بعد أنْ طورتَها عبْر إضافة عدة تروس ونواقل سرعة وغير ذلك لتصبح أسرع».. ويضيف: «لو افترضنا أنّ المسافة التي يمكنُ قطعها ببطارية الكرسي الكهربائي المتحرك 30 كيلو متر، فإنّ الكرسي الذي طورته يمكن أنْ يقطع 50 كيلومتر بنفس البطارية، وبسرعة 30 كيلومتر في الساعة».

استغنى مُحمّد عن الكرسي الذي قام بتطويره بعد فترة بسيطة من استخدامه، عندما قام أحدهم بإعطائه سيارة، فقام بصناعة مقابض يدوية لها تمكنه من قيادتها بيديه عوضًا عن رجليه.

«هناك أداة يتم تركيبها لسيارة المعاق تتراوح قيمتها بين 85 ـ 100 ألف ريال يمني (الدولار يساوي 600 $ بصنعاء)، لكني قمتُ بتأليف مثلها، ولم تكلفني سوى 25 ألف ريال».

طموح

ينهي مُحمّد قصته بحلم يرغب بتحقيقه في حال توفر له الدعم اللازم، والذي لا يحتاج في تقديره لأكثر من 15 مليون ريال يمني، حيث يطمح من خلاله إلى نقل المعاق من منزله ليخدم الإنسان السليم.

«إنْ وجدت الإمكانيات اللازمة سأقوم بتكييف الكراسي المتحركة لتتناسب مع إعاقة المعاق وتلبي احتياجاته، وبالتالي أخرجه من حالة الإعاقة التي يعاني منها».

يضيف: «كما أريد صناعة سيارة خاصة بالمعاقين بتكاليف بسيطة لا تتجاوز 500 ألف ريال».

يؤكد أنّ إعاقته والمعاناة التي عاشها مكّنته من التعرف على احتياجات المعاقين، ومع امتلاكه القدرات اللازمة يستطيعُ في حال توفرت له الأدوات اللازمة أنْ يصنعَ ما يلبي احتياجات المعاقين.

«ففكرتي الأولية تقومُ على تصميم هيكل يتناسبُ مع احتياجات المعاق يستطيع خلالها التعامل مع السيارة والصعود إليها وقيادتها بسهولة… على أني أقوم بتركيب الإطارات الخاصة بالدراجات النارية ومحرك سيارة صغيرة يفي بالغرض».

Advertisements

تعليقات