Accessibility links

أول يمنيّة تعملُ في تجارة الفضيات والعقيق: هكذا تحدَّيتُ واقعي..!


فيروز أحمد.. من معلّمة لغة انكليزية إلى تاجرة محترفة في العقيق والفضيات

Advertisements

صنعاء – “اليمني الأميركي” ـ محمد العلفي

 

لم تكُن تتصور اليمنية فيروز أحمد أنها ستتركُ مجال تخصصها العلمي وتعملُ في مجالٍ ظلَّ قبلها حكرًا على الرجال، لكنها انتصرتْ لإرادتها، وغادرتْ مهنة تدريس اللغة الانكليزية، وحققتْ ذاتها على الرغم من معوقات الحرب في مجال تجارة الفضيات والعقيق اليماني بصنعاء.

صار لها متجر يحملُ اسمها في أحد أهم المراكز التجارية بالعاصمة، اتسعتْ من خلاله تجارتها محليًّا وخارجيًّا، لكنها لم تصِلْ إلى ما وصلتْ إليه اليوم إلا بعد مشقة ومعاناة، لا لشيءٍ إلا لكونها امرأة.

«ألهمني اسمي، فانتصرتُ بعزيمتي وإصراري، متجاوزةً فصول المعاناة التي فرضتها عليَّ الحرب، ورفْض المجتمع فكرة دخول امرأة مِهنةً كانت قبْلي حكرًا على الرجال»، تقولُ فيروز لـ”اليمني الأميركي”: «أصبحَ يُهتدى باسمي بين عشّاق الفضيات والعقيق اليماني من الرجال والنساء داخل اليمن وخارجه».

بعد سنواتٍ طويلة من العمل الجاد تكرَّسَ حضور فيروز في مجال تجارة الفضيات والعقيق بصنعاء، وصارتْ اسمًا معروفًا في هذا المجال بعد مراحل من المعاناة تجرعتْ فيها مراراتٍ كثيرة، بما فيها مرارات الحرب حتى أصبح حالها شبه مستقر، مقدِّمةً بذلك درسًا للنساء في التحدي، وهو الدرس الذي نُحاولُ الاقتراب منه في هذه السطور.

                                    الزواج المبكّر

بدأتْ فصول معاناة الأربعينية فيروز أحمد من الزواج المبكِّر الذي كُبِّلتْ به في في سِنّ الثالثة عشرة، لتتحمل بذلك مسؤولية الحياة الزوجية، وتُنجبُ طفلتها البكر بعد مرور عامين على زواجها؛ الأمر الذي أجبرها على إيقاف دراستها لمدة 11 عامًا لتتفرغ لتربية طفلتها مع أخويها اللذين أنجبتهما بعد ذلك… عقب ذلك عادت فيروز لإكمال دراستها حتى نالتْ درجة البكالوريوس في اللغة الانكليزية من جامعة تعز.

 

فيروز أحمد: أعتزُّ بامتلاكي مشروعي الخاص رغم الحرب، وسأعملُ على تحويل منتجاتي إلى ماركة عالمية.

مرّتْ تجربتها بعددٍ من المعوقات بدءًا من تحمّلها أعباء أسرتها في سِنٍّ مبكّرة، واستئناف استكمال تعليمها، والعمل في مجالات متعددة؛ توفيرًا للقمة العيش.

                                       النزوح

تتذكرُ فيروز حالة الرعب التي عاشتها مع أسرتها إبان المواجهات التي شهدتها مدينة تعز جراء ما عُرِفَ بأحداث الربيع العربي عام 2011، وما شهدته المدينة حينها، الأمر الذي انعكسَ على الحياة العامة؛ فتردت الأوضاع العامة للعائلات متوسطة الدخل، بما فيها عائلتها؛ ما دفعها للنزوح إلى صنعاء لتبدأ مرحلة البحث عن عملٍ يُمكِّنها من توفير المسكن ولقمة العيش الكريمة لعائلتها التي تحمّلتْ مسؤوليتها نتيجة خلافات زوجية.

«عملتُ ليلاً ونهارًا لِأتمكّن من توفير احتياجاتنا وإيجار السكن ومصاريف مدارس الأولاد وغيرها، فقد كنتُ أعملُ في الصباح سكرتيرة، وفي العصر مدرِّسة لغة انكليزية، وفي الليل أعملُ على الحاسوب كمترجِمة»، تقول.

الحرب

كأنّ ظروف الحال المتردّية لم تكْفِ فيروز، لتأتي الحرب الراهنة بظلالها القاتمة؛ فتتوقفُ مظاهر الحياة في صنعاء.

«عشتُ مع أسرتي، كما هو حال أهل صنعاء، فصولاً من الرُّعب ليلاً ونهارًا؛ جراء انفجارات قنابل وصواريخ طيران العدوان (قوات الحكومة الشرعية وقوات دول التحالف)، وزادت معاناتنا بإصابة الحياة العامة بالشلل، وتوقُّف معظم الأعمال».

بعد أن اعتادت صنعاء وأهلها على الحرب ودويّ الانفجارات التي كانت تقظّ مضاجع السكان، بدأتْ الحياة تعودُ تدريجيًّا، فخرجتْ (فيروز) من حالة اليأس والإحباط التي أُصيبت بهما؛ نظرًا لبقائها قرابة عامٍ دون عمل، فذهبتْ لتبحث عن عمل.

«أجبرتني الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد جراء استمرار الحرب على قبول أيِّ عملٍ؛ نظرًا لشحّة الأعمال؛ فعملتُ بتفعيل شرائح اتصالات الهاتف المحمول، كما عملتُ (كاشير) بأحد المستشفيات، ومراسِلة بإحدى الشركات، وعشتُ أوضاعًا صعبة للغاية».

                                     اسمي مُلهمي

  • كيف حدثَ التحول وبدأ الحظ يبتسمُ لفيروز؟

تقول: «في ليلةٍ من الليالي، وبينما أنا شاردة الذِّهن أتحاورُ مع نفسي، ألهمني اسمي الذي هو اسم لإحدى الأحجار الكريمة، إلى العمل في هذا المجال، وبالفعل ذهبتُ في اليوم التالي إلى محلات العقيق اليماني والفضيات، واستمريتُ في البحث عن عملٍ في بيع الخواتم الفضية المطعّمة بالعقيق، إلى أنْ وجدتُ أحد التجار، والذي وافقَ على إعطائي بعض الخواتم لِبيعها»، «بعد ذلك استغليتُ إدماني لتصفّح “فيس بوك” في التسويق لتلك الخواتم التي لاقتْ رواجًا لا بأس به»، تضيف.

البداية

على الرغم من المتاعب التي تعرضتْ لها فيروز خلال تلك الفترة نتيجة كونها امرأة في مهنة ذكورية مع سلبية نظرة الرجل الشرقي تجاه المرأة التي تتواجدُ على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها – كما تقول – بدأتْ تجني أرباحًا من بيع الخواتم، والتي معها تحسنتْ أوضاعها المعيشية نسبيًّا.

«الحمد لله بدأتُ أجني أرباحًا لا بأس بها، لكني تعرضتُ للكثير من المضايقات نتيجة كوني امرأة تدخلُ مِهنةً رجالية، وكذا تسويقي للخواتم عبْر “فيس بوك”، خاصة وأنَّ الفكرة السائدة عن المرأة المتواجِدة على صفحات التواصل الاجتماعي كانت سيئة».

انتقلتْ فيروز لمرحلة تالية في تجربتها، تمثلتْ باستئجار دكانٍ بأحد الشوارع الفرعية في صنعاء، على الرغم من عدم ملاءمته، لعلها تتخلصُ من تلك المضايقات.

«استأجرتُ دكانًا صغيرًا في الحيّ السياسي بصنعاء، بإيجار 15 ألف ريال يمني (25$ تقريبًا)، لا يوجد فيه حمّام ولا ديكور، مجرد طاولة صغيرة وضعتُ عليها الخواتم، وهو ما كان يصدمُ الزبائن عند حضورهم لإكمال عملية شراء الخواتم التي كانوا قد اختاروها عبْر “فيس بوك”».

                                   فرصة وطموح

  • ما المرحلة التالية التي صنعتْ الفارق؟

في صباح أحد الأيام لفتَ انتباه فيروز حضور رجُلٍ ستينيّ لفتح دكان كان مغلقًا لفترة طويلة، ويقعُ في الجهة المقابلة لدكانها، فدفعها الفضول للذهاب للتعرف إلى ذلك الرجل، الذي اتضح أنه من كبار مستشاري الهيئة العامة للمساحة الجيولوجية التابعة لوزارة النفط بصنعاء.

وتُشيرُ للفائدة التي اكتسبتها من تعرفها إليه، والذي كان طيّبًا معها، وسهّلَ لها الالتحاق بدورة في الجيولوجيا والأحجار الكريمة بهيئة المساحة الجيولوجية،   أكسبَتها مهارات ومعارف في التعامل مع أنواع الأحجار الكريمة.

«بعد الدورة التي تلقيتها هناك زادَ طموحي، وبدأتُ أفكِّر بأنْ أُضِيف لمستي للمشغولات التي أعرضها بدلاً من أنْ أظلّ مجرد وسيط أبيعُ للتاجر الذي يعطيني الخواتم».

ما إنْ أكملتْ فيروز دورة الأحجار الكريمة حتى بدأتْ تبحثُ في كيفية صياغة وتشكيل الفضيات؛ الأمر الذي دفعها للذهاب إلى تجار الفضيات في سوق الملح بصنعاء القديمة.

«كنتُ أخرجُ من الصباح وأعودُ في الليل، وأمضي اليوم متنقلةً من دكان لِآخر على مدى أيام وأسابيع؛ أريدُ أنْ أفهم كلّ ما يتعلقُ بصوغ الفضيات».

 

اهتدتْ مِن اسمها للعمل في مجال الفضيات والعقيق، وبدأتْ ببيع خواتم، مستفيدةً من التسويق عبْر مواقع التواصل الاجتماعي.

التحقتْ بدورة تأهيلية في الأحجار الكريمة عززتْ من مهارتها في الاشتغال على العقيق وتعلمتْ مع السوق كيفية الاشتغال على الفضيات إلى أنْ أصبحَ لديها مشروعها الخاص في مركز تجاري مرموق.

كوْنها أول يمنية تعملُ في مجال الفضيات والعقيق تعرضتْ، وما زالتْ تتعرضُ، لكثيرٍ من المعوقات، لكنها استطاعتْ تحدِّي واقعها وإثبات نجاحها.

                                 المشروع الخاص

تستطردُ فيروز: «خلال تلك الفترة سمعتُ عن بازار سيُقام في مركز يمن مول التجاري، فذهبتُ بطاولتي والخواتم التي معي للمشاركة في هذا البازار، الذي فتح لي الباب لدخول مركز يمن مول، واستئجار بسطة فيه بـ 150 دولارًا شهريًّا، والتي مثّلتْ نقلةً نوعية لعملي».

مثلتْ هذه النقلة دافعًا قويًّا لتطوير عملها، والبدء بمشروعها الخاص، وهو الأمر الذي أزعجَ التاجر الذي كان يمُدّها بالخواتم.

«مع سذاجتي ذهبتُ للتاجر الذي كنتُ أُكِنُّ له الاحترام؛ لأنه وقف معي وأعطاني الخواتم دون أيّ ضمانات، وأخبرته أني فهمتُ العمل، وتعرفتُ على التجار الكبار، وأني سأفتحُ مشروعي، فقال لي إنه سيدعمني…».

رغم ما مرتْ به فيروز في سوق العمل، إلا أنها لم تدرِك تعاملات التجار ومكائدهم التي تجلتْ لها عندما عقدتْ أول اتفاقاتها الشفهية مع أحدهم ليمدها بالفضيات، حيث ذهبتْ في اليوم التالي لتنفيذ الاتفاق، إلا أنها فوجئتْ برفض التاجر القاطع إبرام أول صفقة معها.

                                     السوق

دخلتْ فيروز سوق العمل بأخلاقيات لا مكان لها في السوق المليء بالمكائد، لكنها استطاعت تجاوز تلك المعوقات.

«لم أستطع أنْ أتمالك نفسي عندما رفضَ التاجر إتمام اتفاقنا فانفجرتُ بالبكاء الذي تأثر له التاجر؛ فقال لي: تعرفي التاجر فلان؟، فأجبته باستغراب لماذا؟!، فأجاب بأنه تواصلَ معه، وقال له إذا بعت لفيروز سأقطعُ تعاملي معك».

تضيف: «تذكرتُ حينها أنني ذهبتُ بكلّ سذاجة إلى التاجر الذي يمدني بالخواتم لأخبره بتفاصيل ما توصلتُ إليه، وبمشروعي، وتفاصيل الصفقة، ونظرًا لتعاملاته الكبيرة حاول الضغط على التاجر ليوقف إتمام صفقتي».

                                         التسويق

تعلمتْ الدرس، وبدأتْ تتوسعُ في مشروعها، وتضيف لمساتها على المشغولات الفضية، خاصة مع امتلاكها قدرة التميّز عن بقية التجار في التسويق عبْر “فيس بوك” في تلك الفترة، بل وتطويره، إلى أنْ وصلتْ إلى التعامل بالفيزا كارد لإتمام صفقاتها عبْر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتُشيرُ للصدى الكبير الذي عكسه هذا التسويق لِأول امرأة يمنية تدخلُ سوق العقيق والفضيات؛ الأمر الذي دفع القنوات الفضائية لعمل العديد من المقابلات التلفزيونية معها، والذي كان له أثر كبير في بناء اسمها التجاري؛ وهو ما دفعها لاستئجار دكان مقابل للبسطة التي بدأت فيها، بإيجارٍ شهري 400 دولار شهريًّا.

                                    كورونا

«ما إنْ قمتُ بتوقيع عقد الدكان الجديد الذي دفعتُ إيجاره لمدة 6 أشهر مقدَّمًا، حتى ظهرتْ جائحة كورونا، وأُغلِقتْ المنافذ، وبذلك توقف السوق»، مشيرةً إلى أنها كانت قد بدأتْ تعقدُ صفقات خارجية رغم صغر حجم مشروعها، إلا أنّ مردوده الجيد شجعها على التوسع في عملها؛ الأمر الذي زادَ من التزاماتها.

وبعد:

تؤكّد أنها بانتظار استئناف الحياة لتلبية العروض والطلبات التي تلقتها من خارج الوطن.. «بذلتُ قصارى جهدي لبناء اسم مملكة الفيروز الذي أسعى لإيصاله ليكون ماركة عالمية».

على الرغم من تراجُع العمل خلال الفترة الأخيرة، وتردّي الأوضاع الاقتصادية، إلا أنَّ فيروز أحمد تُعبِّرُ عن اعتزازها بما حققتْ من مشروعها الخاص.

  • 36
    Shares
Advertisements

تعليقات