Accessibility links

وجدي الأهدل*
من يقرأ العنوان قد يظن أننا نقصد نوعًا من أنواع الخمور، ولكن من جرب (الطاو) سوف يعرف أنه يمنح من المتع الروحية ما لا تستطيع أجود الخمور في العالم أن تجود به.

Advertisements

ما هو الطاو؟ هو الذي لا اسم له! الكلمة جاءت من الثقافة الصينية، ولا يوجد لها مرادف في اللغة العربية. لقد بذل المترجمون العرب جهودًا مشكورة لترجمة الكلمة، ووجدوا أن أقرب ترجمة لمعنى الكلمة هي “الطريق”.

حين نبحر في هذا الاتجاه نفهم أن (الطاو) أسلوب حياة وليس ديانة. وينسب هذا الطريق الروحي إلى حكيم صيني عاش في القرن السادس قبل الميلادي اسمه (لاو تسو).

كان هذا الرجل أمين الأرشيف في القصر الإمبراطوري، فلما اشتعلت الحرب الأهلية وتشتت شمل الإمبراطورية بين أمراء الطوائف، قرر لاو تسو مغادرة بلده للعيش بهدوء في المنفى. ولكن حارسًا يقظًا في الحدود عرفه وأوقفه، ولم يسمح له بمغادرة الصين حتى يملي تعاليمه مكتوبة، لتبقى ذخرًا للأمة الصينية وليحفظها من الاندثار.

أملى لاو تسو بضع ورقات، ثم سُمح له بالمغادرة، وهكذا نحن مدينون لشرطي الحدود ذاك بتعرفنا على أهم مدرسة روحية في التاريخ البشري.

لو وضعت وريقات لاو تسو القليلة في كفة، وكل ما أنتجه فلاسفة الغرب والشرق في كفة، فإن كفة لاو تسو هي الراجحة حتمًا.

بحسب ويكيبيديا فإن عدد معتنقي الطاوية يبلغ حوالى 16 مليونًا، غالبيتهم في الصين، ولكن كما أسلفنا لا تنتمي الطاوية إلى الأديان، لأنها في الأصل بلا طقوس أو معابد، وليست لها أيّ نوع من أنواع العبادات.

تدعو الطاوية إلى الأخذ بثلاث فضائل أخلاقية: الرحمة، التقشف، التواضع. وإذا لاحظنا سلوك الأنبياء وعظماء التاريخ، فسوف نجد هذه الخصال متوفرة فيهم، وهم بدورهم قد حثوا أتباعهم على الأخذ بهذه الفضائل الثلاث التي جسدوها فعليًّا في واقع حياتهم.

نحن نلاحظ مثلاً أن اليمنيين اليوم أبعد ما يكونون عن فضيلة (الرحمة)، فهاهم يقتلون بعضهم بعضًا، ولو امتلكوا القدرة على إفناء الطرف الذي يحاربونه لفعلوها دون أن يرف لهم جفن.

من أين أتت هذه القسوة التي تملأ نفوس اليمنيين؟ هناك خطأ يبدأ من الطفولة، فاليمنيون لا يعلمون أطفالهم مبدأ (الرحمة).. نحن نلاحظ أن الأطفال اليمنيين قساة في تعاملهم مع الحيوانات، فلا يسلم من أذيتهم كلب أو قط أو طير، وهم يتعاملون بعنف مع هذه الحيوانات، وقد زرت بلدانًا كثيرة في العالم، فرأيتُ الحمام يدرج على الأرض غير خائف من البشر، فإذا كنت مارًّا وهذه الطيور المسالمة في طريقك فإنها تبتعد قدرًا يسيرًا ولا تفزع أو تطير، وأما في بلادنا فلم أشاهد أبدًا حمامة تحط على أرض الشارع، لأنها لا تأمن من حجر يصيبها، أو عابر يؤذيها. مشاهد قسوة الأطفال مع القطط والكلاب في اليمن شائعة جدًّا، والكارثة أن المجتمع لا يتدخل لتقويم هذا السلوك، ولا يبذل جهدًا تربويًّا لزرع الرحمة في قلوب الأطفال تجاه هذه الحيوانات، والنتيجة أن هذا الطفل الذي نشأ على عدم الرحمة والشفقة، سوف يكبر ويقتل بدم بارد.. في صغره كان يقتل العصافير والحمام والقطط، وفي كبره سيقتل البشر.. فهل يُلام هذا القاتل؟ متى يصحو ضمير المجتمع اليمني ويدرك أنه مقصر جدًّا في تربية أطفاله؟؟ وأننا عندما نتغاضى عن جرائم أطفالنا ضد الحيوانات، فإننا نهيئ جيلاً من القتلة والمجرمين؟؟

هل يعلم اليمني أن تعذيب قط أو كلب حتى الموت قد يلغي كل جهوده التي بذلها في الصلاة والتقرب إلى الله؟؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “عُذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض”.

إن سلوك عدم الرحمة هو شائع جدًّا في الشخصية اليمنية، وكل شخص يبدي عدم الرحمة من موقعه في الحياة، فاليمني الذي يمتلك بناية سكنية فيها شقق مؤجرة، لن يتعاطف مطلقًا مع أوضاع الناس المتدهورة بسبب الحرب، وسوف يظل يرفع الإيجار متى سنحت له الفرصة، وهذا المشاهد في صنعاء، حيث يضغط ملاك العقارات بكل ثقلهم على الفقراء لاستخراج أكبر قدر من النقود منهم، وقس على هذا في سائر شؤون الحياة.

إذا لم يُغيِّر اليمني سلوكه هذا – القسوة على الضعفاء – سواءً أكان إنسانًا أو حيوانًا، فإنه من المستبعد أن ينال هذا البلد رحمة من الله.. لن أُجادل حول هذه النقطة، ويكفي أن ننظر إلى الشعوب التي تهتم بصون حياة البشر والحيوان، ونربط بين شيوع مبدأ الرحمة بين مواطنيها والسلام الذي تَنْعُم به.

الخصلة الأخلاقية الثانية التي يدعو إليها الطاو هي (التقشف). سيقول واحد إن اليمني متقشف رغم أنفه بسبب ظروف الحرب! ولكن شتان ما بين الفقر الاضطراري المذموم والتقشف الأخلاقي المحمود، والمقصود بالتقشف هو أن يتنازل الإنسان طوعًا عن كل ما لا يحتاج إليه من طعام وملابس وأموال لأخيه الإنسان المحتاج. وحتى لو لم يكن هناك أيّ محتاج، فإن على الإنسان أن يسلك دائمًا سلوك التقشف في حياته، فلا يسرف في ملبسه أو أكله أو مساحة بيته، فإن الشره يتلف الصحة، والطمع يجعل الروح مظلمة، وحب الامتلاك يقود الإنسان إلى القسوة.

يميل اليمني في وقتنا الحاضر إلى الفخر والتباهي، وهما صفتان مذمومتان في كل الأديان، ويظهر هذا التباهي في المناسبات الاجتماعية كالأعراس، وفي أثاث البيوت، وفي امتلاك السيارات ذات الموديلات الحديثة.. وفي الملبس واقتناء الجنابي الغالية الثمن.. إلخ، كل الحيل التافهة التي يلجأ إليها الرجل أو المرأة للتباهي على الآخرين وإظهار علو المكانة الاجتماعية.

سوف أضرب مثلاً بالشهيد إبراهيم الحمدي، رحمه الله، الذي امتلك سيارة متواضعة قبل استلامه منصب رئاسة الجمهورية، وبعد أن صار رئيسًا رفض تبديل سيارته، وظل محتفظًا بسيارته القديمة.. كان يفهم أن السيارة وسيلة نقل، وليس الغرض منها استعراض الثروة والتكبر على الفقراء.

الفضيلة الثالثة التي يدعو إليها الطاو هي (التواضع). وعلى ما يبدو أن اليمني الذي يرفض أيّ حلول وسط سواءً أكانت تتعلق بمحيطه الشخصي الصغير، أو تتعلق بقضايا البلد الكبرى، فإنه شخص يفتقر بشدة إلى فضيلة التواضع. التواضع الحقيقي هو أن نقبل الحلول الوسط في شؤوننا الخاصة والعامة.. يقول المعلم لاو تسو: “إن الشخص الذي يبالغ في التمسك بآرائه لا يجد من يتفق معه”.

إن الشخص الذي يتمسك بشدة بمبادئه هو أبعد ما يكون عن التواضع، فهو أنموذج مجسد للغرور، وهو كتلة صماء من التكبر والتشامخ المذموم.. وما هو إلا شيطان في هيئة إنسان.. ولنتذكر أن إبليس رفض السجود لآدم تكبرًا وغرورًا، ولعله تمسك بمبدأ أنه لا يجوز السجود إلا لله.. المبدأ صحيح، ولكن الله كان أعلم بنواياه، وأن هذا الملعون كان ينتظر الفرصة المواتية ليسفر عن كراهيته الدفينة للخالق.

إن كل سياسي يمني يتمسك اليوم برأيه أشد التمسك، ويرفض مد يده للسلام ما هو إلا شيطان من نسل إبليس، يستخدم المبادئ الصحيحة لأغراض شيطانية، وإنه لمطرود من رحمة الله.

*روائي وكاتب يمني.

  • 313
    Shares
Advertisements

تعليقات