Accessibility links

Advertisements
Advertisements

وجدي الأهدل*

يستفيض الكاتب الأمريكي الشهير راي براد بيري في بسط القضايا التي تشغلنا نحن معشر الكُتاب، في كتابه “الزَّن في فن الكتابة- ZEIN IN THE ART OF WRITING”.

صدر الكتاب عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت عام 2015، وتطوعت حفنة من المترجمين لترجمة تلك المقالات الهامّة إلى اللغة العربية.

أهم قضية يتحدث عنها برادبيري هي مراوغة العقل الواعي للوصول إلى العقل الباطن، لكي يتولى الأخير مهمة الكتابة.. وكما هو معلوم، فإن ترك مقود القيادة للعقل الواعي سيؤدي إلى كتابة أدبية تحتذي نماذج سابقة تشبع بها الكاتب، وستكون المحصلة منتج أدبي يفتقر للأصالة والبصمة الشخصية.. إنما يتحقق النجاح عندما يفعلها الكاتب ويزيح عقله الواعي جانبًا، ويعطي السيطرة ومهمة قيادة عملية الكتابة للّا وعي.

هذا (التجاوز السحري) ليس سهلًا ولا هو في متناول اليد.. من ذا الذي يستطيع حقًّا إطفاء عقله بلمسة زر؟؟ يستطيع الإنسان العادي القيام بهذه العملية عندما يستسلم للنوم، فيهدأ العقل، وينشط اللا وعي الذي يرسل أحلامًا تحمل الكثير من الصور البلاغية والرموز العليا.

يشرح برادبيري أن الوصول إلى هذه القدرة يأتي بالتدريج، ويكتسبها الكاتب عبر تراكم الخبرة.. أيّ أن هذه الإمكانية تحتاج إلى التطوير المستمر، والدأب على العمل، وكتابة ملايين الكلمات إلى أن يصبح الباب مفتوحًا في أيّ وقت.

وبحسب رأيه فإن الكاتب يكتسب مهارة حفر بئر اللا وعي للنزح منه وفقًا لهذه الآلية:

العمل، الراحة، عدم التفكير.

العنصر الأول (العمل) يتطلب من الكاتب إنفاق عدد هائل من الساعات في الكتابة. بدون هذا الانكباب على العمل لا شيء ينجح، وسيظل الكاتب عاجزًا عن تجاوز أسوار العقل الذي يعطي كتابة عادية لا جديد فيها.

العنصر الثاني (الراحة) يعني أن التدريب اليومي المتواصل على الكتابة سيؤدي إلى تلاشي الشعور بصعوبة ملء الصفحات بالإبداع، وسيشعر الكاتب أن مهمة كتابة ألف كلمة في اليوم مثلًا ليست عملًا يقصم الظهر، وإنما عمل بسيط يؤديه بشكل مريح.

العنصر الثالث (عدم التفكير) مرتبط بالعنصر الذي قبله، فالكاتب الذي يشعر بالراحة أثناء الكتابة، فهذا يعني أن عقله الواعي هادئ وساكن ولا يبذل جهدًا، وأعصابه ليست متهيجة، فقد أوكل العمل بالكامل لعقله الباطن، فلم يعد يعصر ذهنه في كل سطر من سطور عمله الأدبي، وما عاد محتاجًا للكدّ الشديد لينتج الروائع الأدبية، لأنه يعرف أن عقله الباطن سيقوم بالعمل كما يجب.

تحتاج وصفة راي برادبيري إلى سنوات تتراوح ما بين خمس إلى عشرين سنة، ليُتْقِن الكاتب استخدام اللاوعي في الكتابة.

الأمر الذي لم يفطن له براد بيري هو أن هناك طريقًا مختصرًا للوصول إلى هذه الغاية، وهو ذاته شرح هذه الطريقة، ولكن في إطار حديثه عن ذكرياته، أو ربما لم يكن يريد لأحد أن يقلد طريقته السرية هذه:

“غرفة الطباعة في قبو جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، حيث توجد مجموعة من الآلات الكاتبة القديمة من نوع ريمنجتن أو أندروود، مصفوفة بشكل أنيق، عددها عشرون أو أكثر، والتي يتم تأجيرها بعشرة سنتات للنصف ساعة. تقوم بدفعها وتبدأ ساعة المؤقت بالدوران بجنون، وتبدأ أنت بالطباعة بعنف لتتمكن من الانتهاء قبل أن تطير النصف ساعة”ص96.

كان راي برادبيري وقتها كاتبًا فقيرًا، ومضطرًّا لمغادرة منزله الذي يعج بالأطفال لكتابة روايته بتلك الطريقة المجنونة، واستطاع بالفعل أن يكتب واحدة من أشهر روايات القرن العشرين “فهرنهايت 451” في تسعة أيام.

العمل تحت الضغط، أو العمل بسرعة فائقة جدًّا، قد يفتح بابًا سريًّا إلى اللا وعي.. بمعنى أن العقل بطيء الإيقاع في الإبداع، سرعته تشبه سرعة السلحفاة، فيضطر الكاتب تحت الضغط لهذا السبب أو ذاك، إلى إزاحة عقله الواعي البطيء واستبداله بسائق طائش مجنون لا يبالي بأيّ شيء ليقود العملية الإبداعية وينجزها في الوقت المحدد.

يحدث هذا (الضغط) للكُتَّاب في الغرب في حالات كثيرة جدًّا، إذ نعلم أن الكتَّاب الجيدين في أمريكا وأوروبا تتعاقد معهم دور النشر على كتب لم يؤلفوها بعد، وتدفع لهم دفعة مسبقة، وتوقع معهم عقودًا لتسليم العمل الأدبي كاملًا جاهزًا للطباعة في موعد محدد بالساعة والدقيقة.

ضغط التسليم في موعد محدد، قد يجعل الكاتب مضطرًّا إلى العجلة الشديدة في الكتابة، الكتابة بسرعة الصاروخ للحاق بالموعد المضروب، فكأنه طائرة نفاثة تخترق حاجز العقل الواعي وتسير بسرعة اللا وعي.

هذه طريقة كتابة محفوفة بالمخاطر، قد تنجح مرة، وقد تفشل مرات.

يهزأ راي برادبيري من تلك الطريقة التي اتبعها في كتابة روايته ذائعة الصيت بقوله:

“لم يكن لديّ أدنى علم بأنني كنت أقوم بكتابة رواية من روايات Dime Novels ذات التكلفة الزهيدة، إذ كلفتني كتابة المسودة الأولى لرواية “الإطفائي”، والتي أصبحت فيما بعد “فهرنهايت 451” تسعة دولارات وثمانين سنتًا في ربيع 1950″ص95.

مصطلح روايات “الدايم” يُطلق على الروايات التي تُكتب بسرعة وتوزع بأعداد كبيرة، وهو مصطلح تحقيري لكونها سطحية وتجارية.

لكن سر النجاح رواية “فهرنهايت 451” التي جلبت له ثروة بملايين الدولارات، وترجمت إلى عشرات اللغات منها العربية، وصدرت ترجمتها عن دار الساقي، يظل مدينًا به إلى عقله اللا واعي كما ذكرنا آنفًا.

بعد أن أصبح برادبيري غنيًّا لم ينتج رواية بمستوى “فهرنهايت 451″، ربما لأنه لم يعد يكتب على آلة كاتبة مؤجرة بعشرة سنتات في النصف ساعة، وصار يمتلك واحدة خاصة به.. لم يعد هناك أيّ شيء يضغط عليه ليُطلق العنان لعقله اللا واعي.

ربما كان نجاح برادبيري في كتابة رواية “فهرنهايت 451” بتلك السرعة القياسية ضربة حظ، ومن المحتمل ألا ينجح مؤلف آخر إذا أراد تجريب طريقته بوضع نفسه تحت (ضغط معين).

ولد راي برادبيري في مدينة ووكيغان بولاية إلينوي، عام 1922، ثم انتقلت عائلته لاحقًا إلى لوس أنجلوس، لم يتمكن من إكمال دراسته وعمل في بيع الصحف، وثقف نفسه عبر التردد على المكتبات العامة، وكتب 13 رواية و400 قصة قصيرة، بالإضافة إلى كتابة المسرحيات وسيناريوات أفلام سينمائية وبرامج.

نال عشرات الجوائز الرفيعة. توفي في عام 2012، وأوصى أن يُكتب على شاهدة قبره “مؤلف فهرنهايت 451”.

* روائي يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات