Accessibility links

ماذا بعد أيتها القِيَم الظالمة..؟

Advertisements

عبدالله الصعفاني *

 

أثناء الحملات الانتخابية، ومع إعلان النتائج، وإنكار دونالد ترامب نزاهتها، ومهاجمة أنصاره الكونغرس، وحتى تنصيب بايدن رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، تمنَّيتُ، كمواطنٍ يمنيٍّ، لو أُرَدِّد ما قاله الرئيس الفرنسي ساركوزي ذات زيارة قامَ بها أوباما لِباريس:

“الأميركيون هم الذين سينتخبون مرشَّحهم وليس أنا…”، ولكن كيف يتسنّى لعربيٍّ أنْ يكونَ فرنسيًّا فلا ينشغلُ كثيرًا بما جرى في الولايات المتحدة الأميركية، وبالأنف الأميركي المتطاول كخرطوم فيلٍ عابِث، يسرحُ ويمرحُ في حياة يمنيين وعربٍ اكتفوا من كلِّ موقف يتصلُ بقضاياهم المصيرية بتمثيل دور الأسماك الصغيرة أمام توحُّشٍ متعدِّد المسارات من خارج الحدود العربية، حيث القطبية الأميركية واللوبيات تضغطُ على الأحلام، تجرحُ وتُسيلُ الدماء بلا رحمة.

وعندما يفوزُ جو بايدن، ويتم تنصيبه خلَفًا لترامب بعد ما كان من أحداثٍ وصلتْ حدّ اقتحام أنصار ترامب للكونغرس، ووقوع ضحايا، واستنفارٍ عسكريٍّ لافتٍ لأنظار العالم امتدَّ إلى أماكن قصيّة على هذا الكوكب، فإنَّ علامات الاستفهام تتوالدُ كالفئران.

ولكلِّ سؤالٍ أسبابه وماكنزماته… وهو أمرٌ طبيعيٌّ لِأسبابٍ عديدة، أُوجِزها من منظورٍ يمنيٍّ يعيشُ تداعيات حربٍ خارجية مدمِّرة لبلده، واحترابٍ داخليٍّ يذوبُ مع قوى الدفع الإقليمية والدولية حدّ التماهي المنتحِر.

ولا تهويل؛ حيث وراء كلّ عطسة محفِّزة على الاحتراب والتوتر داخل اليمن حالة تقطيع أميركية لِسلّةٍ كاملةٍ من البصل، أو هذا ما يعتقده كثيرون، بما فيهم مَن كانوا إلى وقتٍ قريبٍ يرفضون نظرية المؤامرة تمامًا، ما يُفسِّر…

والآن، وبعد أنْ رحلَ رئيسٌ وجاء آخر إلى البيت الأبيض، تدورُ في الأذهان أسئلة من نوع… وماذا بعد أيتها القِيم الأميركية المتوارية أخلاقيًّا حدّ الغياب..؟ هل من رؤيةٍ جديدةٍ تُهدّئ من هلع سياسات ولوبيات شبكات المصالح؛ مراعاةً لأحوال فقراء وجوعى، وأوطانٍ تنزِف..؟!

لقد جربتم كلّ شيء فينا..؟!

استدعيتم أجيال الحروب، فكشفتم كم هو العربي بائسٌ، وكم هو ضحية لسياسات محلية لم يُطِلّ منها إلا على ما هو بائس.

حتى الربيع العربي نجحَ في الهدم، ولم ينجح في أيّ بِناء، ليأخذ اليمن الفقير إلى التشظي والاحتراب وتمزيق الجيش، وأخذ ما هو مُتاح من موارد البلاد الشحيحة إلى أماكن مجهولة، إلا من فسادٍ معلومٍ يُزكِمُ أنوف الباحثين عن أيّ سببٍ للعيش في حدوده الدنيا… وهو ما يطرحُ سؤالاً عن الجدوى الإنسانية من الرعاية الأميركية لمخطط تمزيق عُرى المجتمعات العربية، وترْكها ساحةً للصراعات الإقليمية، وبدوافعٍ مذهبيةٍ وطائفيةٍ يجري مدّها بالكثير من الزيوت والنيران.. فهل ثمةَ مانعًا لِأنْ تقومَ إدارة بايدن بتحسين صورة الولايات المتحدة  في العالم العربي..؟

أعرفُ أنّ القرار في الولايات المتحدة مؤسساتيّ، وليس فرديًّا، ولكن ما الذي يمنعُ الرئيس الجديد وإدارته من الخروج عن النصوص التي شوَّهتْ السُّمعة الأميركية..؟

وما دامَ ترامب تجرَّأَ وتحدَّى واستحقّ أنْ يُشيْطنه الأميركيون، بمن فيهم المنتمون إلى الحزب الجمهوري، لِمَ لا يُجرِّبُ خلَفَه بايدن وإدارته فكرة الجمع بين تلبية المصالح الأميركية، وبين عدم الاستمرار في هذا التغوّل على القضايا العربية بهذه الصورة.. ولماذا تُصِرُّ الإدارات الأميركية المتعاقِبة على صداقةٍ مضطربةٍ قاتلةٍ حتى لو توارت خلْف توتّر صنعته بين ضِفّتي خليجٍ لا يحتملُ أيّ مواجهات ليدفع اليمن ثمن فاتورته، وما الحاجة لِهذا الجمع بين التماهي مع إيران في الواقع، وفي نفس الوقت تحريض جيران اليمن على تدميره على القاعدة الانتهازية الفاجرة (اعطِ للحرب فرصة..)، فرصة للحرب وليس للسلام.

إنّ بلدًا مثل اليمن بحاجة لِأنْ يستقر ويتصالح؛ فلماذا تُشرِفُ الولايات المتحدة على صناعة كلّ هذه المعاناة والأوجاع…؟

لقد أصيبتْ أمَّةٌ بكاملها بالإحباط والقهر الشديدين من سياسة أميركية أنهى ترامب حقبته فيها بإلغاء هُوية القدس العربية، وفرْض صفقة القرن، وابتلاع ثروات السفهاء، فهل من سبيلٍ لرفع أيادي الابتلاع للثروات والقرارات والعقول كما يحدثُ اليوم من تصعيدٍ تمزيقيٍّ في بلدان إسلامية وعربية تحت مسمى الصراع الشيعي السُّنّي…؟

هل من طريقٍ لاعترافٍ أميركيٍّ بأهمية التعايش الصادق مع الإسلام، واعتباره جزءًا أصيلاً من الديانات على هذا الكوكب…؟

الذين سبقوا بايدن إلى البيت الأبيض جعلوا لسان حالنا، كعربٍ، نقول: تعبنا أوجاعًا من كلينتون، ومِن بوش الأب والابن، ومن ترامب، وحتى باراك أوباما الذي جاء بتخديرٍ شاملٍ بأصوله الأفريقية، فجعل من ذلك قفّازات حريرية أفضت إلى بطشٍ وتمزيقٍ واحترابٍ، بينما ما نزالُ في اليمن نعيشُ تبعاته.

ومع مغادرة ترامب البيت الأبيض ومجيء بايدن، فإنّ المأمول، حتى والمتغطي بنتائج الانتخابات الأميركية عريان،  أنْ يعملَ بايدن ونائبته السمراء كامالا هاريس على خوض معركة إطلاق رؤيةٍ سياسية شجاعة تُجدِّدُ الانتماء إلى الإنسانية، يستلهمُ فيها خلاصة ما نتوخاه من حوارٍ حضاريٍّ مثمرٍ، وليس مجرد شعارٍ انتهازيٍّ يحملُ في خفاياه المزيد من سيناريوهات الحرب.

انفردَ ترامب على سابقيه بتجريب البلطجة المحلية، والابتزاز الخارجي، فلِمَ لا يُجرِّبُ خلَفَه بايدن التحرر المناسب من تأثيرات لوبي الرقص على الأشلاء الذي يعيشه اليمن والعراق وسوريا وليبيا ومناطق أخرى..؟

هل تطلبُ الشعوب العربية مستحيلاً عندما تُطالِبُ بالانعتاق من أوضاعٍ بائسةٍ برعايةٍ أميركية جعلتْ منها أمّة فاقدة للبوصلة، تعيشُ بساعةٍ معطلةٍ بالماضي وخلافاته، دونما اعتبار لأيّ مستقبل.

كمُواطنٍ يمنيٍّ أودُّ لو أنّ الإدارة الأميركية الجديدة تسمحُ لي بوضعِ سقفٍ افتراضيٍّ للتوقعات، فأتمنى أنْ يرفع البيت الأبيض هذه الأيادي التي اختارت اليمن فزّاعةً لِحلْب وجلْب الأموال الخليجية خصمًا من استقرار بلدٍ مدمَّر، مستغِلةً نفوذها على قرار بعض دول الجوار.

أودُّ لو أنّ إدارة بايدن تُوقِفُ استخدام شرعية الهيمنة، وتُرشِدُ تحريض العرب على بعضهم، وتقسيم المسلمين إلى طوائفَ متحارِبة، كما يحدثُ اليوم من مزاعم مواجهة إيران بتدمير اليمن، وهي التي أشرفتْ على تمزيقه بالشرعية الثورية للربيع، وتمزّقه اليوم بالإشراف على ما تُسمّيه صراعًا (شيعي – سُنّي)، فيما الحقيقة تشجيع دوائر العنف والعنف المضاد لأسبابٍ استراتيجيةٍ أميركيةٍ خالصة.

أسئلةٌ حائرة من يمنيٍّ ما زالَ مشدودًا إلى لغةٍ عربيةٍ علَّمتْه ألّا يستغني عن مفردات (لعلّ وعسى)، حتى والعالم المنافِق لا يستخدمُ معه غير سياسة استنزاف كلّ شيءٍ سيرًا على القاعدة الوقحة القائلة:

لا بُدّ أنّه يُبيِّتُ لنا بموتِه أمرًا..!

*كاتب يمني

  • 274
    Shares
Advertisements

تعليقات