Accessibility links

د. محمد عبدالكريم المنصوب

تنمية أيّ دولة، يقوم في الأساس على مجموعة كبيرة من المرتكزات المهمة، وكل مرتكز يُمثّل جانبًا من جوانب تلك التنمية، بحيث تُمثّل في مجملها برنامجًا تنمويًّا متكاملًا.. بالإضافة إلى ذلك، عند بناء الأوطان، تبرز الكثير من التحديات والخيارات المختلفة في بنائها حسب طبيعة تلك الأوطان وظروفها، وتبرز – بناءً على ذلك – الحاجة لمؤسسات مختلفة تتولى كلٌّ منها إدارة جانب من جوانب تلك التحديات والخيارات، ومن هنا ظهرت الوزارات والمؤسسات تدريجيًّا في حياة الشعوب، كي تعملُ على إدارة تلك التحديات والخيارات، كلٌّ ضمن دائرة اختصاصات معينة. وقد تم إنشاء تلك الوزارات والمؤسسات كي تعمل بشكل تكاملي، وبحيث تصب مخرجاتها في الإطار الكلي لتنمية الدولة، كلّ من زاوية تنموية معيّنة. وعند هذا الحد، لم أضف أيّ معلومة جديدة، فهذا هو واقع الحال أو ما يجب أن يكون. لكني أود إسقاط هذا المفهوم على واقعنا في اليمن الحبيب، علّنا نتمكن من تلمس الأسباب الرئيسية وراء كبوتنا التي طال أمدها، ووقفت حجر عثرة أمام أي تطور ملموس في حياة الشعب. وسأركز حديثي حول جانب واحد من جوانب التنمية، رأيت أنه أهم تلك الجوانب وأكثرها حساسية، وهو جانب التعليم في اليمن، وعندئذ يمكن إسقاط ما سنقوله على بقية الجوانب. فبادئ ذي بدء، أعتقد أن الجميع في هذا البلد مقتنع تمامًا ومدرك أن التعليم في حالة تراجع كبيرة، وأنه قد اقترب من الإنهيار، بل أنه قد انهار فعلاً، في جميع مراحله التعليمية. وكلنا مُدرك تمامًا ماذا يعني انهيار التعليم والآثار المترتبة على انهياره، على حاضر ومستقبل اليمن، بحيث لا يكاد يخلو بيت أو أسرة من همّ التعليم والخوف مما آل إليه. والأنكى، أنّ كل هذا حدث ويحدث تحت سمع وبصر المؤسسات التعليمية، دون أن تحرّك ساكنًّا، وكأن الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد، بالرغم من أن تردي التعليم ليس وليد اللحظة، بل إن جذوره تمتد لسنوات طويلة سابقة، وأن ما وصلنا إليه لم يكن سوى تراكمات وسياسات تعليمية فاشلة في معظمها. وعند هذه النقطة تبرز الكثير من التساؤلات المشروعة، والتي هي بالتأكيد تساؤلات جميع أفراد الشعب اليمني. وقبل أن ندخل في أي تفاصيل أخرى، نذكر أن التعليم في بلادنا تقوده ثلاث وزارات، هي التربية والتعليم الخاصة بالتعليم الأساسي والثانوي، والتعليم الفني والتقني، وثالثها التعليم العالي والبحث العلمي والمختصة بالتعليم الجامعي وما يليه. أي أن مسؤولية التعليم قد أوكلت إلى ثلاث مؤسسات لتوزيع الأدوار، وتقليل أعباء إدارة جوانب التعليم عن أن تكون ضمن مؤسسة واحدة. فهل امتلكت هذه الوزارات الثلاث – في أيّ لحظة زمنية – فلسفة حقيقية لمهامها؟!، وهل صاغت رؤى عميقة لما يجب أن يكون عليه التعليم؟!، وهل استفادت من تجارب التعليم المختلفة في العالم، وحاولت بناءً عليها أن تصيغ برامج تعليمية تناسب الواقع اليمني وتتماشى مع متطلبات التنمية العصرية على المدى القصير والمتوسط والطويل؟!. والإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها طبعًا بالنفي وليس هناك غير النفي. وبالإضافة لهذه الوزارات، جاءت الجامعات وكليات التربية، فهل غاب عن هذه الجامعات والكليات الوضع التعليمي في اليمن، حتى يكون مصيرها مصير تلك الوزارات ؟!. بمعنى آخر أين دور الجامعات وعلمائها التربويين، في مناقشة هذا الأمر الخطير المهدِّد لحاضر ومستقبل البلد؟!، ولماذا هذا الانكفاء وانعدام المسؤولية تجاه هذا الأمر الجلل؟!. لماذا لم نسمع أو نرَ الجامعات وعلماء التربية فيها يعقدون المؤتمرات، والندوات، وورش العمل يناقشون من خلالها واقع التعليم المخزي، ويرفعون أصواتهم ومطالبهم بإصلاحه؟!.أين هي أصوات المعلمين وتحذيراتهم ومطالبهم؟!. إذا كانت عيون تلك الوزارات قد سملتها السياسة وأعمت بصيرتها، فكيف يمكن للجامعات وعلماء التربية وجميع التربويين تجاهل هذه الكارثة وانتظار الغيب أن يعالجها، ويقينا شرها؟!. هل تنتظرون ليلة قدْر أو يدًا أجنبية تأتي لإصلاح واقعنا التعليمي؟!. ما لكم كيف تنظرون ؟!. لماذا خرست العقول والأبصار أمام خطر داهم يتسلل إلى بيوتنا، وعلى رؤوس أبنائنا، ويدمر وطننا أمام أعيننا؟!. معالجة آثار الحرب والدمار أمرها سهل، لكن معالجة العقول أمر في غاية الصعوبة، ويحتاج إلى جهود وإمكانيات هائلة وصادقة، ولسنوات طويلة، وإصرار كبير.

Advertisements

أقولها، والقلب يتقطع حُزنًا وكمدًا، والذي رفع السماء بغير عمد، إن هذا الوطن العزيز لن تقوم له قائمة، ولن يعبُر إلى وضع أفضل، إذا ما بادرنا جميعًا – كلٌّ بما آتاه الله – إلى معالجة التعليم معالجة جذرية لا استثناء فيها لشيء، وتسخير كل الجهود والإمكانيات ضمن استراتيجية وطنية حقيقية تتضمن كلّ خطوات المعالجة وفق برنامج زمني محكم، وبعيدة كل البعُد عن أي انتماءات أو توجهات ضيقة. وفيما عدا ذلك اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد.

Advertisements
  • 72
    Shares
Advertisements

تعليقات