Accessibility links

وجدي الأهدل*

Advertisements

يعاني الإنسان اليمني من الحمَّى التي تلازمه منذ ميلاده وحتى وفاته، وهذه الحمى لا تسكن بدنه، ولكنها تحتل روحه.

يشعر اليمني بأن ناراً قد شبَّتْ في فؤاده، وهو لا يدري من أشعلها ولماذا.. الحُمَّى هي مرض في الروح، قد يظهر أثرها احمرارٌ في العينين، فيقال للمريض بهذه الحمَّى إنه “أحمر عين”! وأعراضها الرغبة العارمة في التفوق والبروز والاستعلاء، تصاحبها حرارة داخلية تجعل المريض مهووساً بالمنافسة والغلبة، وإزاحة الآخرين من طريقه بأيّ شكل، والفوز بالحصة الأكبر، حتى ولو كانت مجرد لقيمات من طبق طعام مشترك.

يحسب المريض بالحمَّى الروحية أن الحياة ما هي إلا مضمار سباق، وعليه أن يجري بكل قوته ويلهث حتى تنقطع أنفاسه، ليسبق الجميع ويحرز المركز الأول.

هذا الإنسان المريض يتميز بقوة الطباع، وأنه “أحمر عين” بالتعبير الشعبي، وأنه قادر على إخراج رزقه من الحجر، إلخ تلك المأثورات الشعبية التي تمتدح هذا الأنموذج المريض من البشر.. ويمكن أن نلاحظ أن ثقافتنا الشعبية تُضفي صفات البطولة والرجولة على هذا الصنف الرديء من اليمنيين.

ينشأ الطفل اليمني وسط بيئة تشجعه على أن يكون ذكراً مسيطراً، وكأن المجتمع قطيع من الماشية، ورسالته في الحياة أن يكون سيد القطيع دون منازع.. يربونه على تصور مُشوه للرجولة، يحضه على أخذ حقه وحق غيره بالقوة، دون أن يأبه لفضيلة أو خصلة أخلاقية.

يعلمونه أن يتذاكى ويتحايل لانتهاز الفرص التي تلوح له، حتى ولو كان شخص آخر أولى بها منه.. إنه لا يقيم وزناً للقوانين والأنظمة واللوائح، فهو “أحمر عين”، وسيتجاوز عشرات ومئات المستحقين لتلك الفرصة، ليفرض نفسه كمستحق كامل الأهلية.

هذه التربية الأخلاقية الشعبية فاسدة كلياً، وتتناقض بوضوح مع الأخلاق والفضائل التي تعتنقها شعوب الأرض قاطبة.

لو كانت هذه الأخلاق الشعبية صحيحة، لكانت اليمن في عداد الدول المتقدمة، ولكنا في مستوى معيشي واقتصادي يُضاهي الدول الإسكندنافية مثلاً، ولكن الواقع يفضح تلك المبادئ التربوية الشعبية المختلة، بدليل الانحطاط الذي وصلت إليه اليمن، وكارثة الحرب والدمار والمجاعة التي استوطنت اليمن وتأبى أن تغادرها.

اليمن التي تحتل اليوم أدنى المراتب في كل شيء تقريباً على مستوى العالم، هي ضحية الأخلاق الشعبية الممتلئة بالدناءة واللؤم، التي أفسدتْ أجيالاً وأجيالاً من اليمنيين، وها نحن نحصد نتاج تلك المبادئ التربوية الخاطئة.

كيف أدت هذه الأخلاق الشعبية المنحطة إلى خراب اليمن؟ سأضرب مثلاً بالمنظمات الدولية التي تقدم معونات غذائية وعينية للنازحين والمعدمين، أيّ أنها تقدم الدعم لشريحة معينة من المجتمع، ولكن اليمني “الأحمر العين” لن يفوت الفرصة، فتجده يسجل نفسه في المنظمة، رغم أنه ليس نازحاً ولا فقيراً، وهل سيكتفي بمنظمة واحدة؟؟ بالطبع لا، وسوف تجده قد سجل نفسه في ثلاث أو أربع منظمات أخرى، وضميره لن يؤنبه البتة، إذا جاءت أطماعه على حساب استبعاد أشخاص وعائلات مستحقين فعلاً لهذا الدعم، وفي أمَسّ الحاجة إليه.

عندما يسعى “أحمر العين” للحصول على وظيفة حكومية، فإنه لا يكتفي بواحدة، فتجد لديه وظائف في مؤسسات ووزارات حكومية عديدة، وهو لا يبالي مطلقاً إذا تسببت أنانيته المفرطة، في حرمان شباب مؤهلين من حقهم في الحصول على تلك الوظائف.

وحتى في عمله الوظيفي لن يعمل من أجل الكل، ولكن من أجل نفسه، وهو لن يتورع عن عرقلة سير العمل وإعاقة الأداء الوظيفي في المؤسسة، طمعاً في إزاحة مديره والحلول مكانه، ثم يظل طيلة مسيرته المهنية غير مهتم بالنفع العام، ويركز اهتمامه على منافعه الشخصية.

رغم الصداقة الحميمة التي كانت تجمع بين إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي، فإن التربية الشعبية الفاسدة حرَّكتْ في نفس الغشمي أسوأ نوازع النرجسية وحب الذات، فأراق دم صديقه ليتربع على كرسي الرئاسة.

لقد كانت بين عبدالفتاح إسماعيل وعلي سالم البيض صداقة متينة، ولكن التنشئة الاجتماعية القاصرة النظر، تغلبتْ على الأخلاق الاشتراكية الرفاقية، فأزاح البيض العقبة الأخيرة التي تفصله عن كرسي الرئاسة، مضحياً بصديق عمره.

وإذا قرأنا التاريخ اليمني بإمعان، فسوف نجد أن اليمن خسرت أفضل قادتها، بسبب أولئك المرضى النفسيين، الذين يمتدحهم المجتمع بوصفهم “حمران عيون”.

لقد تحدث العالم النفساني العظيم (ألفرد أدلر) مؤسس “علم النفس الفردي” عن هذا المرض النفسي بالتفصيل في مؤلفاته، ملاحظاً أن الطفل تنشأ عنده عقدة نقص، بسبب عجزه عن فعل أمور كثيرة يرى الكبار يقومون بها.. وهي عقدة طبيعية 100%، وحتماً لابد أن يمر بها كل إنسان، بغض النظر عن المجتمع الذي ولد فيه، ولكن على المجتمع أن يغرس مبادئ تربوية سليمة في نفس الطفل، لكي يشفى من عقدة النقص، فينشأ نشأة نفسية سليمة خالية من تلك العقدة، ومن ثم يمارس دوره في المجتمع كإنسان كامل الأخلاق.

أعراض عقدة النقص التي شرحها ألفرد أدلر تتطابق تماماً مع أوصاف “الأحمر العين” التي ذكرناها آنفاً، مضافاً إليها حب الظهور ولفت الانتباه، والتباهي والتفاخر، حب الاستحواذ، التظاهر بالقوة والذكاء، التنمر على الأضعف منه، السخرية من الآخرين.

وفقاً لأدلر وسائر المعلمين الأخلاقيين، سواءً أكانوا أنبياءً مرسلين أو فلاسفة مثاليين، فإن واجب المجتمع تربية الأطفال على الأخلاق الحميدة، والفضائل الروحية السامية، وكف نوازع الأنانية، وحب الإيثار، وعمل الخير للآخرين.

في البلدان التي يحظى فيها البشر بقواعد تربوية صحيحة، تجد هذا المبدأ الأخلاقي شائعاً بينهم: “إذا دعت الحاجة إلى أن تضحي بنفسك من أجل الآخرين، فافعلها ولا تتردد”.

ولكن في البلدان ذات الأخلاق الرديئة، تجد هذا المبدأ اللا أخلاقي شائعاً بينهم: “إذا دعت الحاجة إلى أن تضحي بالآخرين من أجل مصلحتك، فافعلها ولا تتردد”!

ومع الأسف، إذا تأملنا حال الطبقة السياسية التي بيدها مصير اليمن، ولقمة عيش ثلاثين مليوناً من المواطنين، سنجدهم على الأرجح، مستعدين للتضحية بأيّ شيء في سبيل الحفاظ على مناصبهم ومكاسبهم المادية.

لكي يُشفى المجتمع اليمني من العاهة النفسية المسماة “أحمر العين”، يجب تغيير المبادئ التربوية التي ينشأ عليها أطفالنا، بحيث يتشرَّب أطفالنا حب عمل الخير، وحب الآخرين والتضحية من أجلهم، لأنه بهذه المبادئ يمكن أن ينشأ مجتمع يمني متماسك ومتكافل، كل فرد فيه يعمل من أجل الآخرين، والآخرين يعملون من أجله.

هذه المبادئ أساسية ولا غنى عنها، وبواسطتها نستطيع أن ننجو من التفكك الاجتماعي الذي نتردى فيه حالياً، ونؤسس لمجتمع يمني متعاون وخيّر، يشعر فيه الجميع بالعدالة والمساواة والسعادة.

*روائي وكاتب يمني.

  • 31
    Shares
Advertisements

تعليقات