Accessibility links

Advertisements

عبدالباري طاهر*
عالِمة جليلة مثقفة، واسعة الاطلاع، أديبة مرموقة، كتبت القصة القصيرة، فأجادت، وأتقنت حدّ الإبداع.. مشوارها التعليمي كفاح حقيقي، فهي ابنة البيئة القبلية شديدة التمسك بالقيم والتقاليد وأعراف ما قبل العصر. من بيئة تعتبِر التعليم للرجال مهنة الضعفاء والمساكين عديمي الحيلة، أما تعليم الفتاة، فعار وشنار يجزم به القاضي عندما يُحتكم إليه في قضية إصرار أُم الطفلة آمنة في منطقة رداع اليمنية، سبعينيات القرن الماضي.

درب تعلمها ثمرة جهد ومعاناة قاسية، وفي سيرة حياتها قدر من العناد والتحدي والغرائبية.

فشلت في السنة الثانية ابتدائي في الرسم، لتصبح من أهم الفنانين العرب، وبقامة سامقة عالمية، فلم يكن ذلك فشلاً، بل تحديًا ومغايرة.

تركت الفلسفة كطالبة في السنة الجامعية الثالثة، لتصبح أستاذة فلسفة ومدرّسة علم الجمال.

ميزة الفنانة المقتدرة جمعها بين العلم والموهبة، ومن يجمع بينهما يتجاوز، أو بالأحرى تخترق حُجب الكمال كتعبير الصوفية والنقاد.

المكابدة الكبيرة، والدأب والصبر والمثابرة هي الأركان الأساس للإبداع كقراءة الجاحظ، وهي صفات تحلت بها آمنة لتُصبح الأكاديمية المرموقة، والأديبة والفنانة التشكيلية الرائعة، وفي نفس السيرة ناقدة ومدرسة فلسفة علم الجمال.

تبهرك عندما تتحدث بلغة العلم والموهبة والصدق عن تجربتها في الحياة كابنة فلاح ثري يلتزم قيم وتقاليد مجتمعه، وأمّ مكافحة مغرمة بالقراءة والكتابة تريد نشر أسرار سيزيف في قريتها في رداع، وتعليم ابنتها مهنة سيزيف أو بالأحرى أكل التفاحة – المعرفة – التي أخرجت أبانا آدم من الجنة.

ترفد فنها في الرسم بخبرة قلّ نظيرها، وبتخصصها الفلسفي، واشتغالها بالنقد والدرس والتمحيص.

شغفها بالرسم – كإرادة وتحدٍّ في آن – هو ما جعلها الفنانة في مستوى كوني.

الأم المتحدية العظيمة امتلكت الإصرار للذهاب إلى المحكمة لتعليم ابنتها، وعندما خذلها القضاء انتقلت إلى صنعاء لتعليم ابنتها، وذلكم ما كان.

قراءتها الفلسفة، وتدريس علم الجمال والكتابة والبحث العلمي والنقد غمر وأكسب لوحاتها عمقًا وجمالاً لا يضاهى.

تعطي للشكل المكانة الأولى، فهي كعالمة في علم الجمال ترى أن الجانب البصري في اللوحة هو الأساس، وتبدأ اللوحة صورة، ثم تبحث عن مضمونها.. لها فلسفتها في علاقة الشكل بالمضمون، فالمضمون يُقرأ في اللوحة من خلال الشكل، وليس العكس.

موقفها من ثورات الربيع العربي التي كرست لها لوحة واحدة تتسم بالنضج والإدراك والمسؤولية الرفيعة لنضج الظروف، وحضور المرأة بقضاياها الأساسية، ومشاكل التمييز والتغييب، والمظالم الاجتماعية بعيدًا عن الإشكاليات الزائفة.

كانت أمها هيلة ترسم أعمالاً فطرية غاية في الجمال والدقة، وتضع ألوانها من مواد طبيعية؛ حيث لم تتوفر لها الألوان، وأحيانًا تحول لوحاتها التي تختلف كلية عن مطرزات النساء الزخرفية إلى تطريزات مدهشة.

هذه الشهادة أو الاعتراف تُدلل على الوراثة والتأثر بالأم الماهرة التي غرست في ابنتها قيم التمرد، ورفض الواقع البليد والكالح، والأهم وراثة الرسم لينضاف إلى الموهبة والدراسة، وهي الروافد المتعددة والمتنوعة التي جعلت الطفلة الذكية في طليعة الفنانين التشكيليين في مستوى عالمي.

إنها إنسانة كثيرة متعددة المواهب والقدرات الداهشة، وهي علَمٌ من أعلام اليمن والأمة العربية كلها.

ينقل الدكتور أبو بكر السقاف عن الدكتور عبدالحميد إبراهيم، الناقد المصري، قوله: إن ظهور محمد عبدالولي في عالم القصة اليمنية المعاصرة أشبه بنبتة تخرج من بين الصخور، ويُسقط السقاف المقولة على فنّ هاشم علي – الفنان التشكيلي الرائد.

ويقينًا، فإنّ سردية حياة وتعلّم الفنانة آمنة النصيري من رداع إلى صنعاء، إلى الإسكندرية، إلى موسكو، ومن الرسم، إلى الفلسفة، إلى الفن أخيرًا، هي النبت من الصخر والنحت فيه، فسردية تعلّمها نبت في الصخر، ونحت فيه في آن.

يطلق عليها نُقاد لوحاتها “ملكة اللون”، فهي وقد أعطت الاعتبار للشكل حسب رؤيتها النقدية، فإنّ اللون هو أول ما يقع عليه بصر القارئ أو الرائي.

تهتم الرسامة الناقدة بالمزج بين الألوان، ومع تحبيذها للأزرق والأحمر إلا أنها تقرأهما قراءة مغايرة ومختلفة عن السائد، وتعطي للون المعنى في سياق امتزاج الألوان.

امتزاج الألوان عندها زاهٍ ومدهش لا يُدرَك المضمون فيه إلا بالقراءة والرؤية المتأنية والمتبصرة شأن القصيدة الحديثة التي لا تعطي قارئها المعنى مباشرة، فالفنانة الرائعة عدوة المباشرة، والخطاب الديني أو السياسي الزاعق، أو حتى الأدبي الجهير الصاخب، ومن هنا تتجلى موهبتها كمبدعة وناقدة في آن.

عمق لوحاتها، وبُعد غور دلالتها الإنسانية لا تُدرَك إلا بالتأمل الذكي والصبور والقراءة أكثر من مرة.

عمق معرفتها النقدية، وحسها الجمالي وذائقتها الفنية مكناها من قراءة ديوان الشاعر الكبير أحمد العواضي “مواقيت لأحزان سبأ”، فأعادت الصياغة – القراءة في لوحات فنية زاهية.

قراءة لوحاتها تحتاج إلى وقت وصبر ومثابرة، أي ما يسمّيه أبو الأدب العربي (الجاحظ) الإبداع.

نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

   
 
Advertisements

تعليقات