Accessibility links

وجدي الأهدل*

Advertisements

في عام 1891 خرج صياد يمني فقير إلى شاطئ البحر الأحمر ليصطاد.

صلّى الفجر، وسدّد ديْنه لزوجته السمراء الفاتنة، وأفطر قرص ذرة مغمسًا بزيت السمسم، ثم حمل الشبكة على كتفه ومضى.

دفع قاربه إلى المياه ثم وثَب فوقه، ودعا ربه أن يرزقه بسمكٍ وفير. راح يجدف وينشد منشرح الصدر:

اللي معه مال فرشوا له الحرير قامات

واللي بلا مال دقه الغلب حتى مات

في ذلك النهار اصطاد آلة حديدية صدئة، فتذكر حكاية الجني الذي يخرج من القمقم، فارتاع لهذا الخاطر، وقرر ألا يعبث بها.

انقلبت حياة الصياد رأسًا على عقب، وكأنما خرج أخيرًا من قمقم حياته الرتيبة، فغدتْ عشته المتواضعة، مزارًا يقصده الناس من كافة القرى المحيطة، لرؤية الآلة الغامضة المعلقة بحبل من جريد النخل في صدر العشة.

طار صيته في الآفاق، وغدا مهابًا في قومه، وكلهم يلهج بذكر آلته الجهنمية، ونسجوا حول قوتها الأساطير، وصاروا يخطبون وده بالذرة والسمن والعسل.

استشعر الوالي العثماني على تهامة محمد بك أبو مسمار خطورة هذا الصياد الذي بات ينافسه في فض المنازعات القبلية، ويتلقى من الهدايا السنية والليرات المجيدية ما لا يُعطى إلا لزعيم يغريه قومه بالثورة.

أرسل محمد بك أحد عيونه ليتحسس أحوال الصياد، ويستطلع عن كثب تلك الآلة الحربية الخطيرة.

بعد أسبوع عاد المخبر المحلي إلى مدينة الحديدة، ووصف للوالي تلك الآلة بدقة، فاستنتج الأخير أنها آلة كاتبة إنجليزية، وأن الصياد الذي يبدو ظاهريًّا مجرد شخص مغفل، إنما هو جاسوس يرصدُ تحركات القوات العثمانية، ويرفعُ عنها التقارير للإنجليز.

بعث الوالي قوة من الدرك لإلقاء القبض على الصياد، ولكن أهالي القرية تصدوا لهم، وطردوهم شر طردة.

كانت تهامة حينها تتحين الفرص للانقضاض على محمد بك أبو مسمار، الذي بالغ في تحقير الأهالي، حتى عُرف عنه استخدامه لعضوه التناسلي في ختم أوراق الأحكام بين المتنازعين من القبائل.

دون الرجوع لقيادته في صنعاء؛ اتخذ قرار الحرب على مسؤوليته، وتجهز لغزو قبيلة بني مروان في عقر دارهم.

نصحه مستشاروه المحليون بالتراجع عن خطته، وأخبروه أن بني مروان قبيلة تغزو ولا تُغزى، وأن رجالها شجعان لا يهابون الموت.

استهتر محمد بك أبو مسمار بنصائحهم، وهاجم مدينة ميدي الساحلية بأربعمائة جندي تركي، وأربعة مدافع، وكان على يقين تام بأنه سيخوض معركة سهلة.

استمرت المدافع بالضرب على ميدي من الفجر وحتى الضحى، ثم لاذ المقاتلون بالفرار إلى منطقة فيها أشجار كثيفة، فلاحقهم متوهمًا أنه قد حقق النصر، وهناك أطبقوا الحصار على قواته، وأوقعوا بالأتراك مجزرة مروعة، وتمكن محمد بك أبو مسمار من الهرب بصعوبة بالغة على فرسه، وقد تمزقت ثيابه، ولم ينْج من الأربعمائة جندي تركي سوى خمسة فقط.

استدعته قيادته إلى صنعاء، وحوكم محاكمة عسكرية، قضت بطرده من وظيفته، وحكمتْ عليه بالسجن المؤبد، وقد ظل محبوساً في صنعاء حتى وفاته.

وأما الصياد فحصل على نصيب الأسد من الغنائم، وعاش حياته غنيًّا سعيدًا ومتمتعًا بالسؤدد في قومه حتى آخر أيامه.

 

*روائي وكاتب يمني

  • 176
    Shares
Advertisements

تعليقات