اخبار امريكا

حكما يقضي بعدم مشروعية الإجراء المتخذ من قبل وزارة الخارجية الامريكية  بمصادرة جواز السفر الخاص بمواطن من الجنسية الأميركية في صنعاء
حكما يقضي بعدم مشروعية الإجراء المتخذ من..


إف بي آي: أحد المؤيدين لداعش من سكان ديربورن هايتس خطط لمهاجمة كنيسة في ديترويت
إف بي آي: أحد المؤيدين لداعش من سكان ديربورن..


 نيويورك تايمز:المجموعات الحقوقية تطالب بالتحقيق في الجوازات المرفوضة في السفارة الأميركية في اليمن
نيويورك تايمز:المجموعات الحقوقية تطالب..


قاضٍ أم أستاذ جامعي أم رئيس لرابطة كرة السلة.. ما خطط أوباما بعد مغادرته البيت الأبيض؟
قاضٍ أم أستاذ جامعي أم رئيس لرابطة كرة..


أوباما : الحرب على الإرهابين وليس على الاسلام
أوباما : الحرب على الإرهابين وليس على..


اتهام أمريكي يدعي سعيد فاروق في  حادثة اطلق النار
اتهام أمريكي يدعي سعيد فاروق في حادثة اطلق..


للقضاء على داعش.. هذه خطط المتنافسين على رئاسة البيت الأبيض
للقضاء على داعش.. هذه خطط المتنافسين على..


  دونالد ترامب: مستعد لإغلاق مساجد فى أمريكا لو انتخبت رئيسًا
دونالد ترامب: مستعد لإغلاق مساجد فى أمريكا..


تحديا لحاكم ولاية متشجن ... مخرج أميركي يفتح أبواب منزله للاجئين السوريين
تحديا لحاكم ولاية متشجن ... مخرج أميركي يفتح..


أوباما يرفض التفرقة الدينية في استقبال اللاجئين
أوباما يرفض التفرقة الدينية في استقبال..


أوباما ينتقد موقف ترامب من المهاجرين غير الشرعيين
أوباما ينتقد موقف ترامب من المهاجرين غير..


[المزيد]

اعلانات
Book    مطعم لاشيش    http://yourrights.com/    Malek Al Kabob   
اعلانات

زهد الرسول - بقلم: د/ محمدعلي عزيز
[الاثنين نوفمبر 10]

خاص -اليمني الامريكي نت-
Dr. Muhammad Aziz
Lector of Arabic
Yale University

زهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم

إنه لمن المستحيل إيفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة ، فمهما كتب المؤلفون ومهما كانت الأبحر مدادا لوصف خُلُقِه وطهره وزهده وعفته وجميع أخلاقه وسيرته في معاملاته مع نفسه ومع ربه ومع أسرته وأهل بيته ومع أقاربه ، ومع قريته أو مدينته ، ومع عشيرته وقومه ، ومع أصحابه وأعدائه ، ومع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، فإن هذه البحار لن توفي حقه لأنها ستنفذ قبل أن يتم الثناء أو وصف هذا الرسول الكريم ولو جيئ بمثل هذه البحار مددا . ولعلك تعلم بعد هذا أنه لا يمكن لأحد أن يصف الرسول العظيم بأبلغ مما وصفه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حيث يقول: " وإنك لعلى خلق عظيم " { القلم : 4} فهذه الآية جامعة لكل معاني الوصف وهو منتهاه لأنه صادر من ربّ العزّه ، ولن يأتي على الناس زمان يستطيع فيه المرء أن يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا المدح لأنه كلام الله ، الباقي ببقائه . وأنت لا شك تعلم أن الله سبحانه هو القائل : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " { الأنبياء : 107} وقد يخطر ببالك السؤال التالي: بعد بيان الاستحالة في الوفاء بمدحه فما الذي حملك على الكتابة في حقه صلى الله عليه وسلم؟ أقول وبالله التوفيق إنها جُرأة ونسأل الله سبحانه أن يغفر لنا ذلك وأن يجعل هذا سببا لشفاعته ـ عليه السلام ـ فينا. وسبب آخر حملنا على التنويه السريع في واحدة من صفاته الجليلة ألا وهي صفة الزهد لأننا بصدد تصنيف كتاب يتعلق بمذاهب الزهد الإسلامي من بداية الإسلام وحتى ظهور التصوف الإسلامي ، فكان لابد من ذكر سيّد الزاهدين وإمام المقربين ورحمة الله للعالمين سيّدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولم يكن من الأدب أن نصنف كتابا في الزهد ولا نتحدث عن روح الزهد ومنبعه ومصدره وإمَامِهِ وراعيه وهو أمام المتقين والصالحين . فكل زهد نشأ في الإسلام يرجع الفضل فيه إليه صلى الله عليه وسلم حيث كان قدوة حسنة للزاهدين من بعده إلى يوم الدين .

وإنك ترى أن زهد الرسول صلى الله عليه وسلم قد فاق زهد من سبقه وزهد من جاء بعده لأنه أصبح خلاصة زهد الزاهدين من ابتداء خلق السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة . ذلك لأنه قد حصل على الكمال في الزهد وأنه ما من زاهد إلا وقد حصلت له هفوة في زهده من نظرٍ إلى الدنيا في بداية حياته أو في وسطها أو في آخرها ، أو أنه كان زاهداً ثم أتته الدنيا من غير طلب منه فقبلها و من ههنا تحصل الهفوات إلا من عصمه الله من النبيين وأصحابهم الميامين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . لكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد حصل على الكمال في الزهد ، وهذا الكمال كان أتم ما يكون من نفس بشرية اكتحلت بإرادة ربانية وتمكين إلهي لكي يكون النبراس والقدوة لكل أحد جاء بعده وذلك لأن زهد الزاهدين قبله أكتمل بوجوده حيث كان موضع لبنة واحدة في بيت معمور يأتي إليه جمع من الناس لمشاهدته فينظرون ويتطوفون بشرفاته ويعجبون به غير موضع لبنة واحدة فكان عليه الصلاة والسلام هو موضع تلك اللبنة لذلك البيت الذي هو في الحقيقة بيت الأنبياء لأن كل واحد منهم شارك في بنائه فصار زهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو ختام لزهد الأنبياء قبله وكمال زهد الزاهدين من غير الأنبياء . وهو كذلك غاية الزهد لمن أتى بعده . فكل من أتى بعده من آله وأصحابه وأشياعه والتابعين ومن جاء بعدهم إلى يوم الدين إنما يغترفون من زهد تلك المشكاة التي تنير لهم الطريق.

روى الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) رضي الله عنه في كتاب الزهد بتحقيق الدكتور محمد جلال شرف أنه قال: "حدثنا عبدالله ، حدثني أبي ، حدثنا الهيثم بن جميل ، حدثنا محمد يعني ابن مسلم عن ابراهيم يعني ابن ميسرة عن طاووس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن وإن الرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن "[1] وفي رواية أخرى له : " عن ابراهيم بن ميسرة عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل والأمل "[2] وقد قال الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم والخطاب يشمل جميع المسلمين : "ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتـنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ." {طه : 131}

وروى الإمام أحمد في مُسنده عن بقية بن الوليد عن الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال : كان ابن عباس يُحَدِّثُ أن الله تعالى أرسل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مَلَكا من الملائكة معه جبريل ، فقال المَلَك : إن الله يُخَيِّرُك بين أن تكون عبداً نبياً ، وبين أن تكون مَلِكا نبيا فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ، فأشار جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواضع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بل أكون عبداً نبيا " ، قال : فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي ربه تعالى ."[3]

ونحن نسوق لك حديثاً طويلاً في صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج القشيري (ت 261 هـ) للدلالة على زهد الرسول من عدة نواح : في تعامله مع زوجاته ، في نظرته لملوك الدنيا ، في قناعته في عيش الكفاف . يقول الإمام مسلم : " حدثني زهير بن حرب ، حدثنا عمر بن يونس الحنفي ، حدثنا عكرمة بن عمَّار عن سماك أبي زميل ، حدثني عبد الله بن عباس ، حدثني عمر بن الخطَّاب قال لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، وذلك قبل أن يُؤمرن بالحجاب فقال عمر فقلتُ لأعلمنَّ ذلك اليوم قال فدخلت على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت مالي ومالك ياابن الخطاب عليك بعيبتك قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لقد علمتِ أن رسول الله لا يُحِبُّكِ ولولا أنا لطلّقَكِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت أشد البكاء فقلت لها أين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت هو في خزانته في المشربة فدخلتُ فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً على أسكفة المشربة مُدلّ رجليه على نقير من خشب وهو جذعٌ يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً ، ثُمَّ قلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً ثُمَّ رفعتُ صوتي فقلتُ يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّي أظنُّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنَّ أنِّي جئت من أجل حفصة والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربنَّ عنقها ورفعت صوتي فأومأ إليَّ أنْ أرقه فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجعٌ على حصير فجلستُ فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثَّر في جنبه فنظرتُ ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظاً في ناحية الغرفة وإذا أرفيقٌ مُعَلّقٌ قال فابتدرتْ عيناي ، قال ما يُبكيكَ ياابن الخطاب قلتُ يا نبي الله ومالي لا أبكي و هذا الحصير قد أثَّرَ في جنبك وهذه خزانتك ، لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصرُ وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوتُهُ وهذه خزانتك ، فقال يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلتُ بلى . قال ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب ، فقلتُ يا رسول الله ما يَشُقُّ عليك من شأن النساء ، فإن كنت طلقتهنَّ فإنَّ الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك ، وقلَّ ما تكلمتُ وأحمد الله بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يُصَدَّقُ قولي الذي أقولُ ونزلت هذه الآية آية التخيير. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ يا رسول الله ، أطلقتهن ! قال: لا . قلتُ يا رسول الله إني دخلتُ المسجد والمسلون ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، أفأنزلُ فأخبرهم أنك لم تطلقهنَّ ؟ قال: نعم إن شئتَ . فلم أزل أُحَدَّثُهُ حتى تحسَّر الغضبُ عن وجهه وحتى كَشَرَ فَضَحِكَ وكان من أحسن الناس ثغراً . ثُمَّ نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلتُ ، فنَزلتُ أتَشَبَّثُ بالجذع ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسُّهُ بيده . فقلتُ يا رسول الله إنما كنتَ في الغرفة تسعة وعشرين قال إن الشهر يكون تسعاً وعشرين . فقمتُ على باب المسجد فناديتُ بأعلى صوتي لم يُطَلَّقْ رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ونزلت هذه الآية: "وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو رَدُّوهُ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " فكنتُ أنا استنبطتُ ذلك الأمر وأنزل الله عزّ وجلّ آية التخيير."[4]

وهذا الحديث ـ على رغم طوله ـ قد بين لنا لُبَابَ الزُّهد وخلاصته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأول ما يمكن استشفافه من هذا الحديث أن هناك مشكلة داخلية في بيت النبوة دلّ عليها كلام الناس في المسجد. ومما يمكن تأويله أن بعض نساء الرسول صلى الله عليه وسلم قد طالبن بتوسيع العطاء عليهن ولكن الرسول يريد لنفسه ولأهله أن لا يكونوا في توسعة من الرزق والتنعم بملذات الحياة كبقية الناس ، ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يكون القدوة للأقوياء من المؤمنين إلى أن يرثَ الله الأرض ومَن عليها . و هذا لا ينافي ما أراد لأمته من التوسط بين الإفراط والتقريط كقوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمةً وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " وأيضاً كما أراد لهم أن يعملوا بقوله تعالى : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً." { الإسراء : 29 } لكنه صلى الله عليه وسلم له خصوصية لا يقوى عليها غيره تجعله يتحمل من المشقة فيما لا يقدر عليها أحد ، ولأهله خصوصية لا يقوى عليها غيرهم تجعلهم يتحملون من المشقة فيما لا يقدر عليها أحد ، ولأصحابه خصوصيه لا يقوى عليها غيرهم تجعلهم يتحملون من المشقة فيما لا يقدر عليها أحد . فالمُنْصِفُ يرى أن اهتمامات رسول الله صلى الله عليه وسلم تصبُّ في الحفاظ على الزهد وتعليمه للناس بطريقته المُثلى . والأمر الثاني في هذا الحديث هو أنه صلى الله عليه وسلم لم يَشْكُ لأحد قلة مال أو أثات ، بل إنه من الواضح الجلي الذي لا لبس فيه أنه في معيشته كان يتجنب الزخرف والزينة مع أنه كان يَحُثُّ الناس على اتباع ما أمر الله به في كتابه من مثل قوله تعالى :" خذوا زينتكم عند كل مسجد " وذلك بسبب خصوصيته ومعدنه الصافي الذي يسمو على كل طيبات وملذات الحياة .

وأمرٌ آخر نلتمسه من هذا الحديث هو تعامل أصحابه معه صلى الله عليه وسلم خاصة أثناء غضبه ، حيث وجدنا سيدنا عمر بن الخطاب في غاية الأدب وكأنه من الماهرين في علم النفس وذلك ببركة النبوة ومعاصرة الوحي . وفي هذا الحديث دلالة تقطع الشك باليقين في قضية انطباع آثار الحصير وظهوره واضحا في جنبه صلى الله عليه وسلم ليكون المثل الأعلى في الزهد ، فهل بعد هذا من زهد ؟ كذلك خزينة رسول الله لم يكن فيها شيئ يستحق الذكر مع إمعان ملوك الارض في الترف والنعيم ، لكن إنها النبوة ، إنها الاصطفاء ، إنها المشيئة الإلهية .

ومن الضروري أن ننبه إلى أن زهد الرسول العظيم قد بدأ قبل البعثتة النبوية حينما كان يتعبد في غار حراء قبل نزول الوحي عليه وهو أثناء تعبده يَنْزوي عن الملذات الموجودة التي يتهافت عليها جميع الناس من طغيان مال وسيادة قوم واقتناء الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث واقتناء الجواري والإماء فكل ذلك لم يُغْرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم و لم يأبه له لأنه حُطام زائل .

وقد يقول القائل كيف تصف الرسول الكريم بالزهد وعُرِفَ عنه أنه تزوج بنساء كثيرات ؟ فالجواب عنه أن الزواج تَمَّ ليس لشهوة عاجلة حسيَّة وإنما كان ذلك بأمر إلهي وقد نقلنا لك سابقاً الحديث الطويل في صحيح الإمام مسلم في كتاب الطلاق من أن أزواجه عليه الصلاة والسلام عِشْنَ معه حياة الزهد ورَضِينَ بذلك وفُزْنَ بِما أعَدَّ الله لهن من الأجر العظيم في الآخرة وكفاهن فخراً أنهن أمهات المؤمنين . وهو مع هذا لم يغدق عليهن في العطاء لحكمة يعلمها الله ولتفضيلهن على نساء العالمين كما جاء في قوله تعالى : " يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ." { الأحزاب : 32 } وقد أخرج الإمام الشوكاني في فتح القدير "عن الواحدي : قال المفسرون: إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئاً من عرض الدنيا وطلبن منه الزيادة في النفقة وآذَيْنَهُ بغيرة بعضهن على بعض ، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن شهراً ، وأنزل الله آية التخيير :"يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً . " {الأحزاب : 28-29 } وكنَّ يومئذ تسعاً: عائشة وحفصة وأم سلمة , وأمّ حبيبة وسودة هؤلاء من نساء قريش وصفية الخيبرية وميمونة الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية ."[5] وأيضاً لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأغدق عليهن النعم ولأغرقهن في أطيب اللذات ولألبسهن الحرير ولكساهن الحلي من الذهب والفضة مما كان لديه من الأنفال والغنائم ولكنه لم يفعل لأنه آثَرَ الآخرة على الأولى في حياته له ولآل بيته وأصحابه . وقد عقَّب الأستاذ الكبير المرحوم عباس محمود العقَّاد عند دحضه للأقاويل المفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " وهكذا نبحث عن الرجل الذي توهمه المُشَهِّرون من مؤرخي أوروبا فلا ترى إلا صورة من أعجب الصور التي تقع في وهم واهم . ترى رجلاً كان يستطيع أن يعيش كما تعيش الملوك ويقنع مع هذا بمعيشة الفقراء ثم يقال إنه رجل غلبته لذات حسه ! ونرى رجلاً آثر معيشة الكفاف والقناعة على إرضاء نسائه بالتوسعة التي كانت في وسعه ثُمَّ يقال إنه رجلٌ غلبته لذات حسه ! ذلك الكلام لو شاء المُشَهِّرون أن يرسلوه كلاماً مضحكاً مستغرباً لأفلحوا فيما قالوه أحسن فلاح ، أو لعله أقبح فلاح ! ويزيد في غرابته أن الرجل الذي توهموه ذلك التوهم لم يكن مجهولاً قبل زواجه ولا بعد زواجه فتخبط فيه الظنون ذلك التخبط الذريع . فمحمد كان معروف الشباب قبل قيامه بالدعوة الدينية كأشهر ما يعرف فتى بين قريش وأهل مكة . كان معروفاً في صباه إلى كهولته فلم يعرف عنه أنه استسلم للذات الحس في ريعان صباه ، ولم يُسمع عنه أنه لهَاَ كما يلهو الفتيان حين كانت الجاهلية تبُيح ما لا يُباح ... بل عُرف بالطهر والأمانة واشتهر بالجد والرصانة ، وقام بالدعوة بعدها فلم يقل أحدٌ من شانيئيه والناعين عليه والمنقبين وراءه عن أهون الهنات : تعالوا يا قوم فانظروا هذا الفتى الذي كان من شأنه مع النساء كيت وكيت يدعوكم اليوم إلى الطهارة والعِفَّة ونبذ الشهوات ... كلا ، لم يقل أحد هذا قط من شانيئيه وهم عديد لا يُحصى ، ولو كان لقوله موضع لجرى على لسان ألف قائل . "[6]

وأخيراً نجد كثيراً من الكتابات الاستشراقية تتفق مع كثير من الكتابات الإسلامية في أن حياة الرسول كلها بقيت على حالة الزهد و أنه كان في عداء مع ملذات المادية ومن هؤلاء آنتوني وِصِلز في دراسته النقدية لحياة محمد للكاتب محمد حسين هيكل.[7] ونحن نختم هذا الموضوع بعبارة لأستاذنا البروفسور إسكندر كنش في كتابه الفريد التصوف الإسلامي : تاريخ مختصر فيما معناه إنه " منذ البداية ، والزهاد والمتصوفون المسلمون كانوا مغرمين بالتقوى الخاصة للنبي ومواعظه الخالصة والتي عاملوها كآكد طريق إلى الاستقامة الأخلاقية وانتهاءً بالخلاص الذاتي . فالمتصوف قد جاهد ليس في تقليد التفاصيل الدقيقة للسلوك المحمدي فحسب ، وإنما في جعل الصورة المحمدية دائمة الحضور في الأفكار والمشاعر ."[8] وخلاصة القول أن زهد الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع قيه خلو الهمّ من معيشته اليومية لأنه كان سِّيد المتوكلين فلا يقلق على طعام فاته ولا يجزع إذا لم يجد طعاما أوشرابا أو كساءً . وأنك ترى ـ على النقيض من ذلك ـ أننا ننجزع ونقلق إذا لم نَجد طعاما أوكان لدينا نقص في شراب أو قلة من كساء . فإنك ترى الهلع يتقمصنا ونضرب البراري والقفار ونسافر إلى الأماكن البعيدة لتحصيل الرزق الذي هو أصلاً محسوم ومكتوب لأنه لم تتوفر لنا قوة الإيمان بالرزاق كما حصل ذلك لأكرم خلق الله . وبالإضافة إلى ذلك ، فإنك تَجد الرسول الأعظم هو هو في كل حالاته ، في طفولته وشبابه وشيخوخته . فقد كان راعياً للأغنام في طفولته وكان رجلاً للأعمال حيث اشتغل بالتجارة فترة من الزمن وهي تلك الفترة المذكورة في القرآن والموسومة برحلة الشتاء والصيف ، وكان يتاجر للسيِّده خديجه بنت خويلد ولم تقل له نفسه يوماً لماذا لا يكون لك هذا المال؟ فأنت الذي تسعى وتشقى وأنت تسافر إلى الأماكن البعيدة كالشام وغيرها فَلِمَ لا يكون لك نصيباً وافراً من هذه التجارة ؟ ولكنها الحقيقة الكبرى وهي حقيقة الحقائق أن نفسه الزكية كانت لا تطمع في ذلك ولا تكترث ولا تقلق ولا تنْزعج بفوات المال . وهو مع ذلك لم يقل للناس دعوا تجاراتكم وازهدوا مثلي ، لكنه على العكس من ذلك طالبَ الناس بالسعي في طلب الرزق كما قال تعالى في القرآن : "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " { الملك : 15 } . ومن صفاته أنه كان إذا أتى أهله للعَشاء ولم يجد هناك شيئ يقول : نويت الصيام . وهو يفعل هذا بنفس قنوعة وراضية مرضية ، فالزهد عنده منهج متكامل للحياة فحيثما فتَّشت على صفة الزهد أو أي صفات أخرى فإنك سوف تجد الكمال في كل صفة وخلق ، فهو صلى الله عليه وسلم هو هو في كل أحواله وإنك لا تخطئ إذا قلتَ إنّه هو الكمال بعينه. وعلى العموم ، فإنك ترى أننا لم نتعرّض للجوانب الأخرى من حياته لأنه ليس في وسعنا وليس في وسع أحد أن يتحدّث أو يكتب في شمائل الرسول بشكل وافٍ وتام . فمهما كتب الكتاب على مرّ العصور والسنين فإنما يتناولون جوانب معينه لأن صفاته صلى الله عليه وسلّم تكاد تخرج عن أوصاف البشرية وهي أقرب إلى روح عالم الملكوت الرحماني لأنه باختصار شديد وعلى اتفاق من الجميع أنه كان سمع الله على الأرض ، وكان بصر الله على الأرض ، وكان يد الله التي يبطش بهاعلى وجه الأرض ، وكان رجل الله التي يمشي عليها في الأرض وكان مستجاب الدعوة في كل حين وفي كل طرفة عين ، قال تعالى : " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم " { الفتح : 10 } . ولهذا سارع في الدخول في دين الله تلكم الثلة الفريدة في نوعها التي لم تنتج البشرية أمثالهم ولن تأتي بأمثالهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، قال الله تعالى : " كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " { آل عمران : 110} .

فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم القوم الكرام الذين تركوا أمجاد قومهم وتخلوا عن الجاه والعزّ والسلطان وانخرطوا في الدين الجديد الذي لم يكن له آنذاك من القوة الاقتصادية و السياسة أو العسكرية و المالية أي شيئ يُذكَر ، بل لم يكن له حينئذٍ سوى القيظ ، وشجيرات يابسة ، وأحجار شديدة الحرارة . وهؤلاء الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين تركوا جميع الملذات واتبعوا الرسول الأعظم في حياة مثقلة بالأعباء ، شديدة البؤس ، مليئة بالصعاب ، كثيرة الصراع ، إنه النبي محمد بن عبدالله الذي رأوا فيه تلك الصفات العلى مثل الطهر والنقاء ، والعفَّة والزهد ، والأمانة والاستقامة ، والشجاعة وحب الخير لكل الناس . رأوا في رسول الله العقل الكامل ، وغاية الصدق ، وغاية العلم بالله ، وغاية المعرفة بالله ، وغاية الكرم ، وغاية الإحسان ، وغاية العبودية لله ، وغاية العفو ، وغاية السماحة ، وغاية ما يسمو إليه كائن بشري على وجه الأرض ، وغاية الأخلاق المطلوبة للتعايش بين أبناء الجنس البشري ، وغاية العدل ، وغاية الحلم ، وغاية الرحمة ، وغاية النور ، وغاية لبّ القرآن ولذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم : " قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله " {آل عمران : 31 } وهو أيضاً غاية الحكمة وغاية الحق وغاية الجمال ، وغاية اللطف ، وغاية الصبر ، وغاية الرفق بالإنسان والحيوان والجماد ؛ فكان صلى الله عليه وسلم آية في كل شيء ، معجزة في كل شيء لأنه من صنع الله وهو عين مراد الله وهو عين أمر الله في الكون . والخلاصة أننا لم نستطع أن نوفي فيه صفة الزهد شرحاً لقصورنا من ناحية ولكمال هذه الصفة عند الرسول العظيم عليه الصلاة وأتم التسليم ، ومن قارب الكمال يوشك أن يحترق ، فنسأل الله اللطف والعافية وحسن الختام.

الدكتور محمدعلي عزيز
حاصل على شهادة الدكتوراه في مجال الدراسات الاسلاميه من جامعة متشجن يعمل حالياً مدرس للغه العربيه في جامعة ييل في ولاية كنيتيكت

هوامش
[1] ابن حنبل ، الإمام أحمد ، كتاب الزهد ، تحقيق الدكتور محمد جلال شرف ، دار النهضة العربية ، بيروت ، (1981) ، ص 43.
[2] ابن حنبل ، كتاب الزهد ، ص 43 .
[3] ابن حنبل ، الإمام أحمد ، مسند الإمام أحمد بن حنبل ، الجزء الثاني ، ص 231.
[4] القشيري ، الإمام مُسلم بن الحجَّاج بن مُسلم ، صحيح الإمام مُسلم ، الجزء العاشر ، كتاب الطلاق ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، (1990) ، ص 82 – 85.
[5] الشوكاني ، الإمام محمد بن علي ، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، ضبطه وصححه أحمد عبد السلام ، الجزء الرابع ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1415هـ/1994م ، ص 344-345.
[6] العقّاد ، عباس محمود ، عبقرية محمد ، دار الإسلام ، القاهرة ، 1972 , ص 117-118 .
[7] Wessels, Antonie, A Modern Arabic Biography of Muhammad: A critical study of Muhammad Husayn Haykal’s Hayat Muhammad, Leiden, E.J. Brill, 1972, p. 53.
[8] Knysh, Alexander, Islamic Mysticism: A short History, Brill, Leiden . Boston . Koln , (2000), pp. 176-177.


قائمة التعليقات [0 تعليقات] - اضافة جديد
  • لن يظهر التعليق الا بعد مراجعة الادارة له
  • الرجاء قصر التعليق الى 500 كلمة
  • التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • الرجاء الالتزام باداب الحوار والابتعاد عن الكلمات المخله بالادب
اضافة تعليق جديد
الاسم:
كلمة التاكيد:
التعليق:
د/ محمدعلي عزيز

زهد الإمام علي
زهد الإمام علي


زهد الرسول
زهد الرسول


[المزيد]

الرئيسية - الاتصال بنا - من نحن - سجل الزوار - ارسال خبر
جميع الحقوق محفوضة © 2017
إن الآراء المتضمنة والمرتبطة بهذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع