Accessibility links

فنانة تجريدية بامتياز تشتغل على تعبيرية لونية عالية الجمال فائقة الجُرأة، وحمولة موضوعية مُثقلة بهموم الإنسان، مُتميزة تقنياً وأكثر تميزاً في اشتغالها على (التضاد اللونيِ)، مُحلَّقة موضوعياً في فضاءات فلسفية؛ ليأتي مُنجزها البصري مُذهلاً في توظيف عناصر جديدة وتقديم نصوص أجد، مؤكدة أن “الفن لا يحده حدود ولا يؤطره أسلوب”.

اليمني الأميركي: صنعاء – أحمد الأغبري

نظَّمت، حتى الآن، 17 معرضاً شخصياً، وتنقلت تجربتها بعددٍ من المراحل، ويمثل آخر ما عرضته من أعمال، مرحلة متقدمة في سياق دأبها لتجديد لوحتها واكتشاف آفاق جديدة في علاقتها بالنص البصري؛ لتبرز الفنانة والناقدة اليمنية الدكتورة آمنة النصيري، فيما عرضته من تجربتها وبخاصة في المرحلة الأخيرة، حزينة في موضوعاتها، جادة في طرحها، لكنها جديدة في نصها البصري، مبتهجة في رؤيتها الجمالية، ومتمكنة في قدرتها على إيصال رسالتها.

تقنياً؛ وصلت النصيري، والتي تُعدّ من أبرز اسماء الصف الثاني في المحترف التشكيلي اليمني، إلى مرحلة امتلكت مهارة عالية تقف خلفها رؤية فنية وثاَّبة؛ فتجلَّت أكثر براعةً وإدهاشاً في قدرتها على الاشتغال على التقنيات المختلطة، كنتيجة طبيعية لأهمية ملازمة التجديد التقني للوحة التجريدية، التي تعتمد بشكل رئيس على التكنيك وقدرة على استعمال المواد وتكثيفها؛ وبالتالي فتجربتها في هذه الأعمال ، كانت أكثر جرأة من سابقاتها، حيث اعتمدتُ على التقنيات المختلطة؛ فمزجت بين التصوير الضوئي والتصوير الزيتي، بالإضافة إلى محاولتها المزاوجة بين الحروفية، ليس بشكلها التقليدي، والتصوير التشخيصي، وهي محاولة للربط الرمزي ما بين الثقافي والاجتماعي.

تبقى القضايا الأكثر شمولية والمرتبطة بالإنسان ومعاناته هي محور الموضوع   الذي تشتغل عليه هذه الفنانة، غالباً، وذلك انطلاقاً من قناعاتها أن الفن لابد أن يكون إنسانياً، ما معناه أن الإنسان موضوع أساسي في أعمالها، في سياق إيمانها أن الفن لابد أن يكون انسانياً بدرجة أساسية، ويقف إلى جانب القضايا الإنسانية، وإن بشكل أكثر فلسفية وأعمق، في الطرح، من الباحث الاجتماعي والمحلل السياسي، علاوة على الرؤية الجمالية التي يجب أن يتميز بها الفنان.

لا يمكن قراءة موضوعات لوحاتها من زاوية محلية، وإن اشتغلت بحرفية عالية على مفردات تراثية، إلا أنها موضوعياً تشتغل في إطار لا يحده حدود؛ فتأتي معبرة عن قضايا كونية في فضاء فلسفي حزين لكنه حالم، وغير مباشرة، فتترك للمتلقي حرية قراءة أعمالها وفهمها كل بطريقته معتقدة أن هناك الكثير من القضايا والمشاكل الشائكة في المصير البشري والحياة الإنسانية كالحوار القائم بين القمع والحرية في بعض أعمالها ؛ والتي تثير الكثير من الأسئلة لدى المشاهد حول انتظار الانسان أو بحثه أو توقعه لكثير من الأمور المطروحة حول الحرية، تقول : على سبيل المثال ؛ الانسان يبحث عن نقطة ضوء في الحياة من خلال تلك الكائنات التي تحاول أن تتطلع باتجاه النور وهي مغطاة بالكامل.. ما أريد أن أقوله إن الحرية تكمن في الداخل، والتحرر من رهاب القمع هي مسألة ذاتية بدرجة أساسية وبحاجة إلى مزيد من الكفاح الذاتي “.

هنا قد يتساءل بعضهم: لماذا تبرز المرأة تيمة رئيسة وبالذات في آخر أعمال عرضتها؟ توضح:” أنا استخدم المرأة كرمز. المرأة، بالنسبة لي، ليست أكثر من رمز، ولا فرق عندي إن كان رجلاً أو امرأة. اعتقد أن المرأة وتموضعها في العمل الفني كرمز يكون أكثر تأثيراً خاصة وأن المتلقي يستطيع أن يربط مباشرة بين صورة الانسان المقموع وصورة المرأة المقموعة في الواقع الاجتماعي“.

على الرغم من كل ذلك الزخم الذي قد يبدو حزيناً في موضوعاتها؛ إلا أن النصيري، التي تعمل أستاذاً للفلسفة بجامعة صنعاء، تشتغل على الشكل أولاً ويأتي المحتوى تالياً، ولهذا نرى القيم الجمالية تتحكم كثيراً في النص لديها، انطلاقاً من قناعاتها في أن أساس وظيفة الفنان هي انتاج الجمال، أي إنها وظيفة جمالية أولاً.

في سماء كل ذلك الصدق الذي ينضح من أشكالها وألوانها وطرحها تتشكل سحب من مخاوف وأحزان كثيرة تسيطر على العمل الفني، وهو ما لا تعتبره كذلك إذ هي “مخاوف وأحزان مفتعلة، ولكنها حالة من التكثيف لكل ما يمر به الناس”.

وهنا تبرز مفارقة بديعة؛ فاللوحة الواحدة يمكن قراءتها على حزنها مبتهجة في ذات الوقت من خلال اللغة اللونية التي تضفي عليها حالة من العفوية والتلقائية والبهجة؛ فتأتي مغايرة للموضوع الحزين … وكما توضح فإن “المفارقة في الأعمال على سوداوية الموضوع وتشاؤميته، وأن هناك حالة من العفوية والتلقائية والبهجة اللونية…ومفارقة الفرح والحزن في نفس العمل، هو يعبر عن إيماني الدائم بأن القادم أفضل”.

كما أن من أهم ما يميز الحالة اللونية في أعمال آمنة النصيري قدرتها على الاشتغال المغاير والمختلف على ما يُعرف بالتضاد اللوني وتناقضات الألوان، وهنا تشير إلى أن “ التضاد اللوني مسألة مهمة جداً في النص مثلها مثل الصراع اللوني، يعطي لغة عالية كمن يصرخ ويهتف بصوت هابط، يعطي لغة لونية صارخة كمن يريد أن يقول شيئاً لكنه يخاف ألا يسعفه الزمن”.

التجريد لدى الفنانة آمنة، يعتمد كثيراً على اللغة اللونية وتشتغل على اللون باعتباره مبدأ أساسياً في التجريد، معتمدة على أحاسيسها بطاقات اللون موضحة أن “ اللون يمتلك طاقات تعبيرية هائلة، وربما من خلال لون واحد نستطيع أن نقول الفرح ونَصِفُ الألم؛ فاللون هو المرجع الأساسي في التعبير عن النص”.

تعليقات