Accessibility links

عَبدُه العبّاسي: حكاية يمنية للحرب ترويها (سوبر ماركت)


باع «عَبدُه العباسي» بقالته ومتجر عُمره استجابةً لخسائر ظل يتجرع مرارتها شهوراً طويلة بسبب الحرب التي تعيشها بلاده منذ عامين، لدرجة لم يجد بُداً، في الأخير، من أن يرضخ للخيار الصعب ويبيع (السوبر ماركت) ويغادرها بعد أن أمضى فيها 23 سنة هي الأجمل في عمره الخمسيني. كم هو مؤلم أن تبيعَ حُلمك حياً ليبدأ حياته بعيداً عنك!…لكنها الحرب وأمثال هؤلاء همّ من يروون حكاياتها المنسية!

اليمني الأميركي: صنعاء – أحمد الأغبري

 

لن ينسى شارع القاهرة (وسط صنعاء) هذا الرجل، فقد ألفه كل شيء هنا، هنا حيث كان يقف، منذ بدء الحرب، بملابسه التقليدية صباح كل يوم على ناصية هذا الشارع، هنا في هذا الرصيف الذي تنفتح عليه بوابات البقالة الكبيرة… يقف بجانب الباعة الجوالين، وكأنه كان يريد الاطمئنان على أن الحياة في بلاده مازالت بخير! فيجدها كذلك تصبراً، على الرغم مما صارت عليه، وعلى الرغم من كل الخسارات التي كانت تمرُّ من أمامه يومياً جنائزاً لمن ماتوا عوزاً وقهراً.

يقول (العم عَبدُه)، وهو الاسم الذي يُناديه به عُماله: «لم أتوقع أن تقترب منا   الحرب لنشاهدُ بعيوننا يومياً دموع الأرامل وقهر العاجزين!».

بعد تجربة نجاح في مشاريع البقالات تجاوزت أربعة عقود؛ لم يتوقع عَبدُه العباسي (55 سنة) أنه سيأتي اليوم الذي يضطر فيه لبيع (متجر العُمر) لمواجهة خسارات فاقتمها الحرب المستعرة في البلاد منذ مارس 2015م..يقول بحرقة:» لم أتوقع أن تقترب مني الحرب بهذه السرعة فأضطر لبيع بقالتي…وأغادر متجري بعد 23 سنة من العمر الجميل في هذا المكان».

لم يتوقع (العَبّاسي)، وهو أب لـ 16 ابناً وبنتاً، أن ترتفع خسائره لتتجاوز     عشرة ملايين ريال يمني، التي هي فقط ديون معدومة و خسائر مفقودة ومديونيات لدى عائلات موظفين حكوميين وغير حكوميين عجزوا عن السداد منذ عام 2011م وتفاقمت كثيراً بعد توقف صرف الرواتب الحكومية (منذ سبتمبر 2016م)…يقول: إنّ مَن يدفعُ ثمن هذه الحرب ليس أطرافها وإنما الناس البُسطاء الذين يسقطون كل يوم فقراُ وجوعا».

 

المتاجر…حكاية حرب

لارتباطها بحياة الناس تبقى المتاجر الغذائية من أهم رواة معاناة الحرب الحقيقية؛ وبالتالي فهذه المتاجر التي يُطلق عليها في اليمن (بقالات) ويُطلق على الكبير منها (سوبر ماركت) هي واحدة من أهم مدوني حكايات الألم وصُنّاع التحدي، في ذات الوقت، أو هكذا يُفترض في حال التزم أصحابها مواقعهم ومواقفهم بين ومع الناس.

( العم عَبدُه  العباسي ) من تُجار البقالات اليمنيين العُصاميين الذين نشأوا على محبة الناس، حتى عندما صار وجهه يومية يقصدها المواطنون لم يؤطره الطمع في صورة التاجر الجشع ككثير من التُجار المتخمين؛ فبقَالته، التي تعدّ أكبر سوبر ماركت في شارع القاهرة بصنعاء، بقيت تستوعب 12 عاملاً إلى قبل الحرب الراهنة، وحتى مرتباتهم ونفقاتهم اليومية، والتي كانت تصل شهرياُ إلى نصف مليون ريال يمني، ظلّت متواصلة على الرغم من تواصل الأزمات، وبقيت علاقة الرجل بالناس على ذلك العهد من الصبر والتسامح ورباطة الجأش حتى بعد أن صارت مبيعات بقالته (قبل أن يبيعها) لا تصل إلى 20 بالمائة ممن كانت عليه قبل الحرب.

التحق (العباسي) بقطار التجارة من (شارع الصِفر) بدءاً من قريته في منطقة بني العباس في محافظة تعز/ جنوب؛ فرِكب سيارة البداية الصعبة لدى الآخرين في (البيع والشراء) وعمره ثماني سنوات، وبعد رحلة مع الاغتراب والمعاناة استقر به الحال شاباً في تجارة المواد الغذائية بالجُملة في منطقة مذبح/ شمال صنعاء؛ ليجد نفسه أقرب للبيع المباشر للناس؛ فانتقل إلى الاستثمار في متجر البقالة؛ واستقرت (تموينات العباسي الغذائية) منذ عام 1994م في شارع القاهرة (الدائري الشمالي). وها هو اليوم (رغم ما ناله من الخسارة) لم ينكسر من الداخل.. بل يصرّ على بداية جديدة!

 

الضربة القاضية

خلال 23 سنة استطاع هذا الرجل بتوفيق من الله ودأب أن يحقق نجاحاً انعكس تطوراً و توسعاً لتجارته، حتى كانت أحداث 2011م…يقول: منذ ذلك العام بدأ العد التنازلي للخسائر حتى على مستوى الناس. لقد بدأت أحوال الناس بالتراجع؛ وفي مقدمتهم أنا؛ إذ تسبب انقطاع الكهرباء بتوقف معظم انشطة البقالة ؛لاعتماد نسبة كبيرة من المبيعات على الثلاجات؛ وعلى الرغم من استعانتنا بمولد خارجي إلا أنه لم يغط العجز، الذي استمر، وبقينا في حالة مَدٍ وجَزر، خصوصاً مع انعدام وارتقاع أسعار الوقود ونزوح كثير من العائلات بمديونياتهم التي أحدثت هزه كبيرة حاولنا التعافي منها قدر الإمكان بدعمٍ من المدخرات التي ظللنا نستعيض بها؛ فتجاوزنا ذلك المأزق نسبياً، وحاولنا خلال الأعوام التالية التماسُك قليلاً حتى أحداث 2014م والحرب التي اندلعت في 2015م؛ فكانت الضربة القاضية!».

يتحدث (العباسي) بحرقة من فرط ضغط الذكريات التي يحاول استرجاعها وتذكرها…:»كنت أدخلُ وأخرجُ يومياً على وجوه جديدة من المحتاجات والمحتاجين بعضهم من (بيوت محترمة) بل أنني كنت ألمس يومياً حالات لا تتسع لرواياتها الكتب، منها حالة فوجئت أنها لم تعد تعيش في معظم الأيام إلا على الخبز والماء».

 

مديونية الموظفين…

لقد تسببت الحرب في شهورها الأولى بنزوح أعداد كبيرة من العائلات من صنعاء إلى الأرياف، وتجلت عنها أزمة أفدح مما كانت عليه في 2011م …يقول العباسي: كثير من العائلات نزحت، بعضها لم يرجع إلا بعد شهور، وبعضها لم يرجع حتى الآن، وكثير منها لم يسدد مديونياتها، حتى مَن عاد إلى صنعاء، إذ كان   توقف صرف الرواتب كارثة على اليمنيين أشد وطأة من وقع الحرب نفسها…لقد ظهرت المعاناة في أوضح صورها؛ وبدأت البقالة تتراجع كثيراً؛ فسداد المديونية توقف وتضاعفت الخسائر مع ارتفاع الأسعار وتراجع صرف الريال، حتى صرتُ عاجزاً عن دفع مرتبات موظفي البقالة؛ فخيّرتهم بين البقاء بمصروفاتهم اليومية أو البحث عن عمل آخر فأختار معظمهم البقاء».

لم تتوقف مأساة هذا الاستثمار عند هذا الحد؛ فعلى صاحبه ديون لتُجار الجُملة وله، في المقابل، ديون بعضها صارت معدومة حد قوله. حتى وهو في هذا المأزق المالي لم يفكر «عَبدُه العباسي» برفع دعاوي قضائية على المدينين له ففضّل الصبر والتروي مراعاةً لظروف الناس، وبعد تفكير لم يجد بدّ « إلا اقتطاع قطعة من جسمي» كيف: لم يكن هناك من خيار أمامي سوى بيع السوبر ماركت».

 

السلام تحية! 

يُمثّلُ (العباسي) نموذجاً للتاجر اليمني الذي لا يترك مكانه بين الناس مهما كانت الظروف… ولعل الحرب هي الاختبار الأصعب لأمثال هؤلاء… فمن داخل حياة الناس ومعاناتهم يتجلى الأبطال الحقيقيون للحرب!

تعليقات