Accessibility links

” عُمر الجاوي لم يسقط في الدهاء السياسي ” هشام علي بن علي: الحرب في اليمن تبدو وكأنها حفلة تنكرية


الباحث  والمفكر هشام علي بن علي، أحد أعمدة الحكمة السبعة في اليمن، فهو امتداد لمدرسة عمر الجاوي الوحدوية، والوارث الأصيل لرسالة الزبيري والنعمان في التنوير والوطنية، والتمسك بقيم ومبادئ الجمهورية.
(هشام علي بن علي) من مواليد الشيخ عثمان بعدن.. حصل على بكالوريوس في العلوم من جامعة بغداد، وحصل على دورات دراسية في جامعة بريستول ببريطانيا، وجامعتي روما وبافيا في إيطاليا.. عُيّن وكيلاً لوزارة الثقافة عام 1987 في الشطر الجنوبي “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”.
بعد قيام الوحدة اليمنية في العام 1990 صار عضوًا في البرلمان حتى العام 1993.. يشغل – حاليًا – منصب وكيل وزارة الثقافة.
صدرت له العديد من الكتب المهمة، ومنها: “إدوارد سعيد وتفكيك الإمبريالية”، “المثقفون اليمنيون والنهضة”، “الثقافة في مجتمع متغير”، “فكر المغايرة”، “الخطاب الروائي اليمني”، “السرد والتاريخ في كتابات زيد دماج”، “عبدالله محيرز وثلاثية عدن”، “مجازات القراءة”.. صحيفة “اليمني الأمريكي” حاورت هذه الشخصية الدمثة، المتواضعة، تواضع العلماء.. إلى حصيلة الحوار:

صنعاء – اليمني الأميركي- وجدي الأهدل:

 

  ما دور المثقف في أزمنة الحروب والصراعات؟

اسمح لي أن أتدخل، قليلاً، لتحويل السؤال من صيغة العموم إلى الخصوص؛ ليصبح السؤال عن دور المثقف اليمني في أزمنة الحرب.. وهذا الدور يختلف من حرب إلى أخرى، منذ حروب الجمهوريين والملكيين في بداية الثورة اليمنية، حيث كان للمثقف اليمني دور رائد في الدفاع عن الثورة والجمهورية.. وهذا الدور أخذ يشهد انحدارًا وتراجعًا خلال العقود اللاحقة.. فكثير من المثقفين تحولوا إلى نخبة سياسية، وانخرطوا في أحزاب ومنظمات سياسية، لاسيما بعد تحقيق الوحدة اليمنية، وإعلان التعددية السياسية، والحق في تكوين الأحزاب السياسية.. وفي سياق هذه التحولات، أخذ كثير من المثقفين اليمنيين يتحولون للعمل الحزبي.

ومن المؤسف أنهم قبلوا بدور ثانوي في داخل الأحزاب، تاركين القيادة للحزبيين المُعتَّقين في تلك الأحزاب، بدلاً من أن يكون للمثقف دور فاعل في تجديد تلك الأحزاب التي نامت هي وقياداتها لسنوات أو لعقود في زمن حظر العمل الحزبي في الشطرين.

هكذا تحول المثقف وتخلى عن دوره الطليعي كمثقف وداعٍ للتغيير بواسطة الثقافة، وحين دخل عالم السياسة والأحزاب، قبل العمل في دور ثانٍ، وربما ثالث، أو رابع وراء القادة السياسيين للأحزاب.

 

  ولكن ما هو دور المثقف في هذه الحرب الأخيرة، التي تدور رحاها في طول اليمن وعرضها؟

يبدو المشهد مختلفًا؛ فالحرب الدائرة اليوم تبدو مختلفة تمامًا، وتبدو معها الكثير من المفارقات المعقدة.. هذه الحرب تستعيد كثيرًا من الحروب التي مرت بها اليمن خلال القرن الماضي منذ بدايات الحركة الوطنية ضد النظام الإمامي وضد الاستعمار، حروب الثورة والثورة المضادة، حروب الملكيين والجمهوريين، حروب اليمين واليسار، حروب الشمال والجنوب، حروب الجبهة الوطنية والنظام الحاكم، وغيرها من الحروب الطائفية والقبلية والإيديولوجية التي لا يتسع المكان لسردها. الحرب الراهنة جمعت كل هذه الحروب التي مرت بتاريخ اليمن منذ بدايات الثورة ضد الإمامة والاستعمار وحتى قيام الوحدة.. وها نحن اليوم نشهد دعوات الانفصال والإمامة والطائفية، والحلم بعودة الاستعمار وغيرها من الدعوات الماضوية، كأننا نُعلن براءة من تاريخ الثورة والوحدة والتغيير، وندعو للعودة إلى يمن القرن التاسع عشر، بكل أشطاره وسلطناته وإماراته وطوائفه وقبائله وغيرها من مظاهر التفكك والتفتيت التي حاولت الثورة تغييرها وبناء يمنٍ واحد موحد.

في هذا الزمن الصعب، زمن الحرب والتنازع والتفكك والعدوان، زمن اختلاط الأوراق وتبادل الأدوار، فالحرب تبدو كأنها حفلة تنكرية، أعداء الأمس أصبحوا رفاق اليوم، والمتحاربون في الماضي أصبحوا حلفاء، في ظل هذه الفوضى السياسية والعسكرية، ما الذي يمكن أن يفعله المثقف؟! في ظل تزاحم الأصوات واضطراب المواقف واختلاطها، لاذ المثقفون بالصمت، فلا صوت يعلو فوق صوت البنادق والصواريخ والطائرات.. المثقف جبان وخائف وعاجز إلى آخرها من الصفات التي تعبر عن واقع الحال الراهن.. والمثقف في ظل هذا الوضع حيث لا أحد يقرأ، ولا أحد يستمع، ولا أحد يفكر، ماذا يستطيع أن يفعل؟.. لقد تعطلت لغة الكلام، وأصبحت الثقافة أمرًا فائضًا عن الحاجة.

وازداد الأمر كارثيةً في زمن القنوات الفضائية والانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من تقنيات الاتصال، التي تجعل الإنسان يلهث وراء المعلومات دون أية فرصة للتأمل والتفكير.. كيف يمكن للمثقف أن يرفع صوته ويعلن موقفه وسط هذا الضجيج الهائل؟! هل هربتُ من الإجابة على السؤال، والتمستُ أعذارًا لصمت المثقف وانعزاله.. أم أنها هي حال المثقفين حقًّا تمتلئ بالخوف والعجز والصمت.

 

  توارى الكتاب وحلّت محله الشاشة والهواتف النقالة والأجهزة اللوحية.. هل ترى أننا نعيش في زمن موت الثقافة؟

على المستوى الظاهري، الجواب قد يكون نعم.. خاصة في بلادنا حيث التطور يتم عن طريق الإحلال، أي أن كل تطور حديث يحل محل القديم، ويعلن زواله ونهايته.. فالكتاب – مثلاً –  أعلن نهاية الثقافة الشفاهية وموتها.. وهكذا الحال في أشكال التطور المختلفة في الثقافة والفنون لا نجد استمرارًا وتآلفًا بين التقنيات والأشكال المختلفة، وفي الوقت ذاته، لا نلحظ تطورًا أو قطيعةً معرفية، وهنا تكمن المفارقة..

تختفي مظاهر ثقافية في حياتنا وتضيع دون أن نلحظ غيابها أو نشهد ظهور بدائل عنها، وهذه حالة أقرب للموت، وليس للتطور..!

 

  تُشكل الصناعات الثقافية موردًا اقتصاديًّا ضخمًا في العديد من دول العالم، بينما الثقافة في اليمن تُشكّل عبئًا على الدولة.. برأيك ما أسباب هذا الوضع المؤسف؟

أصبحت الصناعات الثقافية موردًا اقتصاديًّا ضخمًا في عصرنا، حسب ما قلت في سؤالك.. إلا أن الموضوع يختلف في بلادنا، حيث لم تظهر الصناعة بحد ذاتها، ولم ينشأ تطور مجتمعي يفسح المجال أمام تطور الثقافة وظهور الصناعات الثقافية، وما تحتاج إليه هذه الصناعات من تقنيات وأدوات.. كما لم تظهر قوانين حازمة لحماية الملكية الفكرية والصناعية وحقوق المؤلف، وغير ذلك من المكونات التشريعية اللازمة لحماية هذه الحقوق وحفظها.. الحرية الثقافية وإتاحة المجال أمام المبدعين شرط آخر من شروط ظهور الصناعات الثقافية، والنجاح في إبداع طرق جديدة في الإنتاج الثقافي والفني.. ومن المؤسف أننا في بلادنا لم نولِ اهتمامًا كافيًا لتنمية الصناعات الثقافية، وارتياد الآفاق الثقافية الجديدة، واخترنا الانغلاق ووضع القيود أمام حرية المثقف وإبداعه.. وأخشى أن أقول إن الثقافة لم تشكل عبئًا على الدولة، بل إن الدولة، بما فرضته من قيود أمام حرية الفكر، هي التي وضعت الأعباء على الثقافة والمثقفين، وحالت دون النهضة الثقافية.

 

  لديك مشروع كتابي يحظى بالتقدير والمتابعة، ولكن ألا تعتقد أن العمل الحكومي قد أعاق اشتغالك الفكري والنقدي؟

بالتأكيد، إن العمل الحكومي، وفي المجال الثقافي على وجه التحديد، قد أعاق اشتغالي بالعمل النقدي والفكري.. أولاً من حيث الوقت، الذي لم يعد كافيًا للقراءة والبحث من جهة، وللكتابة والمشاركة في الندوات أو المحاضرات وغير ذلك.. فالعمل يأخذ كثيرًا من الوقت والجهد والتفكير، كذلك فإنه يؤثر على المشاركة في الحياة الثقافية، من حيث ازدواج الوظيفة وما تفرضه من طبيعة رسمية، مع حرية الكتابة والمشاركة كمثقف، ومن ناحية أخرى، فإن الكتابة الفكرية والنقدية تحتاج إلى نوع من التفرغ، ولو بشكل محدود، حتى يستطيع الإنسان أن يحدد موضوعات العمل الفكري والنقدي، ويتفرغ لدراستها والعمل عليها.. ورغم ذلك، فإنني أحاول ما استطعت، أن أقوم بمثل هذا العمل الفكري، رغم زحمة العمل الإداري، مع إحساس بالتقصير، ليس في الكتابة وحسب، بل وفي مجال الاطلاع على المناهج والكتب والنظريات النقدية الحديثة، وفي مجال التقنيات الجديدة، التي فتحت آفاقًا واسعة أمام الفكر.

 

  ما مشاريعك الكتابية القادمة؟

كثيرة هي مشاريع الكتابة التي تدور في الذهن، وفيها بعض المشاريع التي تحددت على طاولة الكتابة.. إلا أن ليس كل ما يشتهي المرء يدركه.. فالأحداث التي جرت في بلادنا قد قلبت حياتنا رأسًا على عقب، وكذلك انقلبت طاولة الكتابة، واختلطت الأوراق، وسال الحبر والدم فوق بياض الكتابة، ولم أعد قادرًا على ترتيب الأوراق أو الأفكار.. وأخشى القول إن فوضى الحرب والخراب قد اجتاحت النفس، ولم يعد ثمة فضاء حر للتفكير والكتابة.. فالفوضى الراهنة بعثرت أوراق الكتابة وخلطت ألوان مدادها بالسواد.. وكل محاولة للكتابة ما تلبث أن تتوقف عاجزة عن الاستمرار.. كان أمامي، على طاولة الكتابة منذ نحو عشرة أعوام تقريبًا، وبعد أن انتهيت من الكتابة عن فكر إدوارد سعيد، مشروع مواصلة كتابي عن “المثقف اليمني والنهضة”.. الكتاب الذي أهتم فيه بدراسة التطور الفكري والسياسي منذ بدايات القرن العشرين، وأهتم على نحو خاص بدور المثقف في الحركة الوطنية حتى مشارف الثورة.. وقد وضعتُ مخططًا للجزء الثاني من الكتاب، يستأنف المرحلة الثانية من الجمهورية إلى الوحدة.. ولا يتوقف الكتاب عند تحقيق الوحدة، بل يستأنف إلى اليوم.. حاولت في الكتاب الأول “المثقفون اليمنيون والنهضة” أن أقدم جردًا سياسيًّا وثقافيًّا للتحولات التاريخية خلال نصف قرن من الزمان.. وهي المرحلة التي امتدت إلى بدايات الثورة اليمنية.. هذه المرحلة تضمنت بدايات تشكيل الوعي الوطني والفكر النهضوي.. وقد تتبعت التغيرات المختلفة في المجالين السياسي والفكري، من ظهور حركات معارضة، وأحزاب سياسية وتيارات فكرية، وإصدار صحف ومجلات تُعبّر عن ذلك التحول بمستوياته المختلفة، الذي أفضى في نهاية عقد الخمسينيات إلى مشارف الثورة التي أعلنت حدًّا فاصلاً بين عهدين.

توقفت عند هذا الحد الفاصل، أي الثورة؛ لأنني وجدت أن البحث ينبغي أن يتخذ مسارًا آخر مختلفًا، سواءً من حيث منهجية البحث أو طريقة الكتابة.. وبالتالي فإن مشروعًا آخر للكتاب أخذ يتبلور ويتشكل في الذهن.. لم يكن الأمر يتعلق بكتابة جزء ثانٍ للكتاب الأول، ولكنه مشروع لكتاب جديد ينتمي إلى الحاضر والمستقبل، بينما كان الكتاب الأول يتجه لدراسة الماضي، ولذلك أخذ بعدًا تاريخيًّا.. الكتاب الثاني يتحدث أو يبحث عن المثقفين والحداثة والوحدة والمستقبل.. وقد وضعت مخططًا واسعًا للإحاطة بكل هذه التحولات المهمة التي تُشكل خيارات الحاضر والمستقبل في اليمن.. ومن المؤسف أن مشروع الكتابة قد تأخر كثيرًا، وأخشى القول: إن إرادة الكتابة في هذا الموضوع، لم تعد قوية بما فيه الكفاية.. لقد انكسر القلم وجفّ المداد.. لأن الحرب قد اجتاحت كل شيء في اليمن، واجتاحت العقول بدرجة أكبر.. لم يعد بإمكاني أن أستأنف متابعة مسيرة التحولات السياسية والفكرية من النهضة والثورة إلى الوحدة والحداثة.. أحسستُ أن كل التاريخ الذي تابعت مساره في الكتاب الأول يكاد ينهار وتحترق أوراقه أمام ناظريّ، وأننا في التاريخ اليمني نكاد نعود إلى الصفر.. فبعد ستين عامًا من الثورة والجمهورية تعود الدعوات إلى نظام الإمامة، ويعود آخرون للدعوة إلى عودة الاستعمار، ودعوات أخرى للتشطير والطائفية والقبلية وغيرها.. أخذتُ أُفكر وأُعيد التفكير قبل بداية الجزء الثاني من الكتاب: كيف أبدأ الكتابة إذا كان الجزء الأول لم تكتمل أحداثه بعد.. وها هو يظهر من جديد في حرب شاملة تقذف بميراث الثورة وقضاياها من أعلى نافذة في صنعاء القديمة، لتعلن بدايةً أخرى للثورة، لا نعرف اتجاهها ومداها.

 

  كونك واحدًا من صفوة المثقفين اليمنيين وأكثرهم متابعة للمشهد.. لماذا برأيك انسحب المثقف اليمني إلى الخلف وترك الساحة للآخرين؟

أشكرك على هذا الإطراء الجميل، وأتمنى أن أكون عند مستوى هذا الوصف.. بالنسبة للسؤال عن انسحاب المثقف اليمني إلى الخلف، أود أنْ أقول: إن هذا الانسحاب لم يكن اختيارًا، فقد أُجبر المثقف على الانسحاب إلى الخلف، بل على الخروج من المشهد الوطني والتاريخي، وتخلى عن التزامه الفكري بقضايا الوطن، فقد انفجر المجتمع اليمني، وبرزت قوى مختلفة بانتماءات سياسية متعددة، وبتوجهات مختلفة وأيديولوجيات متنافرة.. فهذا الصراع القائم في اليمن يمتد طولاً وعرضًا، وهو يتجاوز حدود اليمن إلى خارجها، فتظهر الحرب على شكل حروب متنافرة لقوى تقليدية وسلفية وقبلية ومناطقية، ولا نستطيع أن نجد قوة وطنية وسط ضجيج السلاح ترفع شعار وحدة الوطن وسلامته، أو تُقدم هذا الاختيار كأساس للحل والسلام.. وفي وسط خرائط الحرب المتعددة نلاحظ قوى خارجية تمد أياديها وأسلحتها إلى داخل اليمن في حرب عبثية مدمرة.

والمثقف اليمني غائب عن هذا المشهد الحربي المضطرب، بل إن هذا المثقف كان غائبًا من قبل الحرب.. لقد تخلى عن دوره، وترك الساحة بكل اضطرابها الذي قاد إلى الحرب والقتال. وقد أشرت في إجابة سابقة إلى أن المثقف اليمني تحول إلى تابع للسياسي، ولم يتمكن من وضع مشروع فكري وطني لقيادة التحولات في اليمن.. واليوم أدرك المثقفون أن السياسيين قد أزاحوهم عن المشهد، وتركوهم خاضعين وتابعين، ولم يعد ثمة أحد يستشيرهم مجرد الاستشارة وحسب، بل إنهم أصبحوا عاجزين عن القيام بدورهم النقدي والتنويري الهادي للسياسة والمدبّر لشؤونها.

لهذا تبدو الحرب في اليمن بدون عنوان، وبدون معنى.. وأخشى القول: أن لا أحد من الأطراف يدرك لماذا هذه الحرب، ولماذا يتقاتل اليمانيون على هذا النحو البشع من القتل والدمار، دون أن نجد أية مكاسب على الأرض، أو أية مواقف سياسية تشير إلى حرب تسعى إلى غايات واضحة ومهمة لتطور الوطن وتقدمه.. على العكس، إن هذه الحرب تقودنا قرونًا إلى الوراء، وتمزق اليمن إلى شعوب وقبائل وطوائف لا تعارف بينها ولا تآلف، وليس ثمة أية رؤية للحل والسلام.

 

  عمر الجاوي يُمثّل أُنموذجًا للمثقف العضوي، وحالة نادرة في الثقافة اليمنية.. لماذا هذا الأنموذج لا يتكرر؟

لقد تضمن سؤالك نصف الجواب، وربما زاد على النصف.. وهذه ميزة السؤال الدقيق والعميق في آن.. إن عمر الجاوي مثّل شخصية نادرة في اليمن، وأخشى أن القول إنه أنموذج ربما لا يتكرر، على الأقل في السنوات القليلة المنظورة.. ليس هذا تشاؤمًا، ولا هو مديح للأستاذ الجاوي كشخصية خارقة.. لكنني أقول إن عددًا من العوامل قد تجمعت لتصنع تلك الشخصية الوطنية النادرة والأنموذجية التي تمثّلت في عمر الجاوي، المثقف العضوي والسياسي الملتزم، وأعطته مواهب قيادية متعددة، جعلته يحتل ذلك الدور القيادي في أوساط المثقفين والسياسيين الوطنيين.. والجاوي ظهر في وسط تجمع كبير من القيادات السياسية والفكرية، وهؤلاء هم طلائع العمل الوطني من الطلاب الذين خرجوا للدراسة في القاهرة وبيروت وبغداد، ولاحقًا في موسكو، وعادوا إلى اليمن أو أُعيد بعضهم بقرار من الإمام.. وقد شكلوا – لاحقًا – قيادات للعمل الوطني ضد الإمامة وضد الاستعمار.. كان الجاوي فريدًا ومتفردًا بين أبناء جيله، سواءً في مرحلة النشاط الطلابي في الخارج، أو بعد عودته إلى اليمن. وقد حمل الجاوي روح العمل الطلابي معه حيثما ذهب، سواءً في العمل السياسي والوطني، أو في قيادة اتحاد الأدباء، الذي كان يمثّل طليعة ثقافية وطنية كان لها أبلغ الأثر في تحقيق الوحدة اليمنية.. وقد كنتُ أقول للأستاذ عمر الجاوي، وقد أصبح رائدًا من رواد العمل الوطني والثقافي: “إنك لا تزال تعمل بروح ذلك الطالب الشاب الذي ظهر في القاهرة وموسكو، وهي الروح البريئة والمليئة بالصدق والإخلاص وقوة الإرادة”.

هذه الصفات جعلت الجاوي متميزًا وقائدًا فاعلاً للحركة الوطنية، من موقعه كمثقف عضوي، ومن موقعه كقائد سياسي اعتمد الصدق في العمل السياسي، ولم يسقط في الدهاء السياسي الذي يعتمد المراوغة والكذب والتدليس، وغيرها من الصفات التي يفخر بها أهل السياسة في اليمن، الذين لا يترددون في إدخال الوطن سوق المزاد وتعريضه لعمليات البيع والشراء والحرب والسلام، وغيرها من السلبيات التي تظهر آثارها في صورة اليمن اليوم، المتمزق والمتناثر أشلاء وأشطارًا.

 

  ما الذي يلزم – من وجهة نظرك – ليحقق المشروع الثقافي في اليمن النجاح المأمول؟

كنتُ مترددًا في الإجابة على هذا السؤال.. ليس لأنه جاء في هذا الوقت بالذات.. حيث الحرائق تملأ فضاء اليمن برًّا وبحرًا.. والسؤال يحمل بداخله شيئًا من الأمل، ذلك الأمل الذي يقرع الأبواب ويهزها، وربما يقتلعها ليفتح كوة للنور والضياء بعد أن غشي اليمن ظلام الليل.. ومن المؤسف القول: إن مثل هذا المشروع الثقافي ليس موجودًا اليوم، أو أنه لم يتبلور ويتحدد بعد.. فاليمن اليوم تتبعثر وتتفكك وينفرط عقدها الناظم.. وأقول: إننا نحتاج اليوم إلى مشروع وطني شامل، تكون الثقافة لُحمته، وتكون السياسة سُداه.. ومن جدائل خيوط اللُحمة والسُّدى يتشكل مشروع لبناء الوطن الذي دمرته الحرب وخربته المؤامرات.. أكتفي بهذا الحلم – الأمل، ولا أذهب بعيدًا في الحلم.

تعليقات