Accessibility links

أحمد الأغبري

 

يكاد يكون الفنان التشكيلي اليمني طلال النجار هو أكثر تشكيلي بلاده حساسيةً تجاه الأوضاع العامة.. وأتذكر ما تعرضت له تجربته من اختبار صعب خلال حرب صيف 1994م مقارنة بما تتعرض له تجربته خلال الحرب الراهنة، والتي تسببت إرهاصاتها ووقائعها حتى اللحظة في انقطاعه عن اللوحة، وصولاً إلى نشره – مؤخرًا – صورًا على حائطه في الفيسبوك لمرسمه، وقد أصبح أثرًا بعد عين في منظر ينزف ألمًا بما يوازي آلام مناظر الحرب في ربوع البلاد لاسيما، والأمر هنا متعلق بنزيف فنان، هو من أبرز رموز المحترف التشكيلي اليمني، ومن أهم فناني جيل ما بعد الرواد.. ولهذا أجدني معنيًّا بالتوقف عنده احتفاءً باللوحة والهوية الفنية اليمنية التي تمثلتها مسيرته الفنية ضمن مسار التجربة التشكيلية اليمنية المعاصرة.

على كثرة مَن ارتبطوا برسم «البروترية» من فناني الواقعية في اليمن تبقى تجربة طلال النجار، وبخاصة مع الرسم بالقلم الرصاص هي أرقى ما قدمته الواقعية اليمنية في منحى «البروترية» لأسباب كثيرة، أهمها أن تجربته تتجاوز به تلك الملابسات التي تشوب فهم تجارب غيره من الفنانين في علاقتهم برسم الوجوه بالاعتماد على وسائل غير تشكيلية والتي تقلل من شأن حرفيتهم في هذا المنحى، علاوةً على تعامل كثير منهم مع الوجوه نقلاً فوتوغرافيًّا سياحياً جافاً، دون رؤية أو موقف فني.
لا يختلف اثنان في أن طلال النجار يبقى نبض الهوية في روح الجسد التشكيلي اليمني الحديث، ورنين الانتماء في لغة هذا الجسد، وواحدًا من التشكيليين اليمنيين والعرب القادرين على البوح بأسرار الجمال الحضاري والثقافي لثقافة المكان وهوية الكائن من خلال تقنية تنفذ برؤية الفنان وأحاسيسه إلى أعماق الواقع؛ فتأتي اللوحة حافلة بكشوفات إبداعية تفيض بها معظم أعماله لاسيما «البروتريهات» التي يقف عندها الكثير في حالة دهشة لا تنتقص من القيمة الجمالية والإبداعية لأعماله الأخرى.
مرت تجربة طلال النجار مع اللوحة، وهو المولود بمدينة تعز / جنوب غرب اليمن عام 1964، بمراحل ومنعطفات بدأت منذ طفولته، وتشكلت ملامحها الأولى مع التحاقه بمرسم الفنان الراحل هاشم علي (أبو الفن التشكيلي اليمني) بمدينة تعز، ومنه تلقّى طلال أسس وأصول وقواعد الفن التشكيلي، وخصوصًا الواقعي منه، وهو الفن الذي تطورت علاقته معه خلال دراسته الجامعية؛ فبعد التحاقه بأكاديمية الفنون بموسكو كان هذا الفن هو الفن الوحيد المسموح بدراسته وممارسته هناك.. إلى أن ظهر اسمه في السنوات الدراسية الأخيرة – من حسن الحظ – ضمن مجموعة لبروفيسور كان يتيح للطلبة في مرسمه ممارسة البحث والتجريب في الفنون الحديثة، وهناك تمكن من القيام ببعض التجارب والدراسات في الفنون الأخرى، بما فيها الفنون الحديثة، والفنون الشرقية بما فيها الفنون العربية والإسلامية، وهو التجريب الذي استمر حتى تخرّج، وكانت عودته إلى الوطن بداية التسعينيات من القرن الماضي، وفي الوطن خاض التجريب، لكنه هذه المرة لم يكن بهدف التعرف على الفنون الأخرى، وإنما بهدف البحث عن طريق جديد لتجربته في ظل عدم اقتناعه بأن يمارس ما درسه من الفن الأكاديمي.. في تلك المرحلة دخلت تجربته في اختبار صعب، وفي مواجهة أسئلة كبيرة جدًّا؛ وهي المتعلقة بمسالة الهوية والحداثة ومسالة الصيغة الملائمة…وهي قضايا جدًّا معقدة، وكان عليه أن يختار ويحدد طريقه… إلا أن ذلك الأمر كان صعبًا، وما زاد من معاناته ظروف البلد حينها، والمتمثلة بحرب صيف 1994م.
استمرت تلك المرحلة من التجريب والإحباط والبحث حتى العام 1995م؛ ففي ذلك العام قادته الصدفة للمشاركة في معرض التشكيل اليمني المعاصر في باريس، وهناك – للأسف- فقد خيبت الأعمال المعروضة آمال الزوار والمشاهدين الفرنسيين الذين حضروا بلهفة لمشاهدتها والاطلاع من خلالها على اليمن وثقافته وتجاربه في الفن التشكيلي؛ إلا أن ما شاهدوه – للأسف – لم يكن سوى نسخْ ونُسَخ رديئة لفنانيهم، مثل: بيكاسو وسيزان وماتيس وغيرهم.
لقد لاحظ طلال الصدمة في أعينهم، وهم يشاهدون تلك الأعمال.. وعندئذ – وفق حديث طلال لكاتب السطور قبل سنوات – اكتشف أن ما يقدموه في التشكيل اليمني المعاصر لا يعبر عن ثقافته اليمن وتاريخها وحقيقتها بشكل صحيح؛ فكل الأعمال التي عرضها الفنانون اليمنيون كانت برؤى وأحاسيس تجارب أوروبية، وليس برؤى الفنانين اليمنيين وأحاسيسهم.. منذئذ اكتشف طلال أهمية أن تكون هناك خصوصية ولوحة معبّرة عن هوية الفنان.. كفنان يمني عربي مسلم يجب أن يقدّم شيئًا يُعبّر عنه وعن بيئته وتراثه وتاريخه… وبذلك الاكتشاف أمسك طلال بأول الطريق الذي سار عليه… كان ذلك الطريق هو محاولة البحث عن لوحة ذات هوية؛ فهو مثل غيره من التشكيليين العرب، ومنذ فتح عيونه على الفن وهو يبحث ويجرّب في اللوحات الأوروبية والفنون الغربية، ولم يكتشف أن هناك فن المنمنمات والزخارف الإسلامية إلا في السنوات الأخيرة من دراسته الأكاديمية، حينها عرف طلال أن هناك فنونًا عربية وإسلامية لا تقل في مستواها عن غيرها من الفنون… ومنذ تلك السنوات بدأ يقرأ ويجرّب فيها، لكن ظل ذلك التجريب بهدف التعرف على الفنون الأخرى؛ لكن بعد عودته من باريس صار التجريب في أشكال هذه الفنون بهدف الوصول إلى لوحة ذات هوية تشكيلية يمنية عربية إسلامية إنسانية… وذلك من خلال مشروع يبحث في الشكل والجمالية الموجودة في اليمن؛ فكانت مدينة صنعاء القديمة هي الأنموذج الذي ظل يشتغل في مفرداته وتفاصيله الجمالية، وفي مقدمتها الوجوه، ووجوه الكهول تحديدًا، بملامحها التقليدية وانفعالاتها الإنسانية على سحنات التعب والبؤس..
تتجلى وجوه شخوص لوحات طلال النجار بالقلم الرصاص وأيضا ً بالفحم ، ذات تفاصيل خاصة في ملامحها مثلما هي ذات حرفية خاصة في الاشتغال عليها وقراءة معانيها واستنطاق سُحنتها وفق رؤيته الفنية التي تُعبّر عنها كل لوحاته في علاقته بالفن والتشكيل والحياة…والتي يحرص فيها على استلهام المضامين الجمالية الموجودة في اليمن من خلال صنعاء القديمة التي أنتج فيها وعنها عددًا من اللوحات على واقعية مدرستها الفنية، إلا أنها ذات هوية تعبيرًا عن أفكار ومفاهيم ومشاعر معينة تعكس رؤية وهوية وفلسفة الفنان، وليست مجرد نسخ ونقل للواقع.
في هذه الوجوه أهتم طلال بعلائقها المحلية الشعبية بما فيها من بساطة وعفوية. وقد ركز على الخطوط الخارجية لتلك الوجوه معتنياً بالتفاصيل الدقيقة للثياب والإشارات المحلية وغيرها؛ وقد وجد في هيئة تلك الوجوه جمالاً تكاملت منظومته مع هيئة الجسم وكل ما له علاقة بالبيئة المحلية وغيرها من التفاصيل التي تعامل معها بدقة بهدف تقديم وجوه معبرة عن هوية معينة؛ وهي هوية تتدفق روحاً واحساساً من بين خطوط تلك الوجوه التي نشاهدها مندهشين من بساطتها وعفويتها في كل شيء… تلك الوجوه هي اليمن!
ظل طلال يشتغل على الملامح العامة للخصوصية اليمنية بانتمائها العربي الإسلامي الإنساني… ولم يكن اشتغاله الواقعي، وبخاصة على الوجوه التقليدية أو النماذج الفنية الأخرى، من ملامح ثقافة مدينة صنعاء القديمة، إلا جزءًا من هذه التجربة التي امتدت إلى الأعمال التجريدية، بما فيها لوحته الحروفية التي تُمثل منعطفًا مهمًّا من منعطفات تجربته وهويته الفنية.

تعليقات