Accessibility links

للحرب وجوه كثيرة… الوجع اليمني برواية بائع خُضار


نحن نقف الآن مقابل الزحام اليومي المعتاد أمام دكان العم عبده للخضروات في «بئر الشايف» بصنعاء، وهو دكان صغير في شارع فرعي، لكنه يحظى بقبول، كما يقول اليمنيون؛ تعبيرًا عن حظوة البائع.. كثيرون يتزاحمون على الشراء كلٌّ بحسب حاجته.. ويتميز هذا الدكان، دون غيره، على مستوى الحي أنه يبيع الخضار بأي مبلغ، ولذلك فمعظم زبائنه، ربما، هم من محدودي الدخل، ممن ألقت الحرب بأثقالها على كواهلهم؛ فأوقفت مسيرة حيواتهم، وبقوا في حالة اللا حياة واللا موت، إنْ جاز التعبير والتوصيف..

صنعاء – “اليمني الأميركي” – أحمد الأغبري
وعلى الرغم من آثار الحرب الواضحة في حركة البيع والشراء، إلا أن العادة لم تتغير في علاقة هذا الدكان بزبائنه… وهنا يكمن بعض ما تبقى من جمال يمنيّ في مواجهة حرب أتلفت البلاد، وأنهكت الأرواح، ودمرت المقدّرات منذ أكثر من عامين… إذ أن ثمة عافية ما تزال تنبض في حياة اليمنيين، وهي عافية تخفي وراءها معاناة مريرة نحاول – هنا- تقديم صورة من صورها، برواية بائع الخضار هذا، الواقف هناك في وسط الدكان، وهو ابن صاحب الدكان (مُحمّد)… شاب عشريني، نحيل الجسم، متوسط القامة، مشرق الوجه، لطيف المعشر.. تحمّل، ومعه بعض أشقائه، مسؤولية إدارة دكانهم هذا، نيابة عن والدهم الطاعن في السن.
يصحو محمد عبدالكريم (27 سنة) مبكرًا يوميًّا، وربما قبل أن تصحو العصافير، كعادة كل تاجر خضار؛ ليجد نفسه بسيارته العتيقة، ماركة سوباور اليابانية، في سوق الخضار المركزي المعروف بصنعاء بـ(سوق علي محسن)… وما أن تشرق الشمس حتى يكون الدكان قد فتح أبوابه، وبدأ بتنظيم الخضار في أماكنها، بما يحفظ جودتها أطول فترة ممكنة. يعمل بنشاط ودأب يومي، لا يكلّ ولا يملّ. على الرغم من أن الوضع لم يعدّ كما كان عليه قبل الحرب، إلا أن هذا الدكان يسند معيشة عائلة مكونة من عائلات الأبناء، وتعتمد عليه العائلة منذ نحو 25 سنة تقريبا..

مقياس الخضار
أن تقف أمام بائع خضار؛ فأنت بذلك تفتح عينًا واسعة لمشاهدة واقع حياة مجتمع، وتتعرف على حقيقة معيشته ومعاناته… فكل عائلة -صغرت أو كبرت -لا تستغني عن الخضار كاحتياج يومي ضروري، وبالتالي فالخضار مقياس مهم لمعرفة مستوى وعي المجتمع بالحياة، وما آل إليه الوضع المعيشي، وبخاصة خلال الحرب؛ إذ من خلاله يمكن قراءة حكاية الوجع اليومي للناس.
وعلى الرغم من الخسائر التي مُني بها دكان العم عبده جراء الحرب المستعرة، والتي تتجاوز المليون ريال (3000 $) ديون، لا يُعرف مصيرها، تسببت له بهزات كبيرة… إلا أنه لا يأبه لمقبل الأيام ككثير من اليمنيين يعتقدون بأمل قريب، حتى لو كان الأمل بالأمل هلاميًّا… لكنهم ربما يُصبّرون أنفسهم في مواجهة متغيرات الحياة؛ لكن التاريخ يؤكد أنه على الرغم من قدرتهم على التصبّر، إلا أن صبرهم ينفد، وعندما ينفد ينتهز لحظته فينفجر كالبركان.
بعد أنْ كانت مبيعاته اليومية تصل إلى 150 ألف ريال يمني (450 $)، لم تعد مبيعات مُحمّد، وهو أب، تصل إلى عشرين ألف ريال يوميًّا… وعندما يسرد لك حكايته مع الحرب وخسائره وبعض التفاصيل التي عاشها مع الناس، ويعيشها يوميًّا مع بيع الاحتياجات الضرورية للناس خلال زمن انقطع فيه صرف مرتبات موظفي الدولة منذ تسعة أشهر… مع كل تلك التفاصيل التي تسمعها تشعر بشفقة لحاله اليومي؛ وهو يتناوب على هذا الوجع الذي يتنقل به بين قصص مختلفة، وعلى الرغم من ذلك مازال يتعامل مع الناس بتسامحٍ قلّما تجده لدى بائعين كُثر… وهو يَعتبر أن تسامحه في البيع هو ما يمنحه وإخوته جرعات مقاومة في مواجهة الواقع اليومي لحالات الناس، ولا يملكون إلا أن يتشاركوا معهم التفاصيل بهذه الأخلاق التي نشأوا عليها.
عاش مُحمّد الحرب بتفاصيلها الساخنة وحكاياتها الباردة.. خلال القصف عاش، مع أسرته في منطقة مذبح بالقرب من معسكر الفرقة، دراما القصف اليومي من طائرات التحالف؛ ما أضطره إلى النزوح بأطفاله والبقاء في صنعاء حتى استقرت الأوضاع؛ ليعود بعائلته لاحقًا ليعيش مع الناس حكايات الحرب الباردة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي يقول إنه لم يتصور يومًا أنه سيعيش هذه الأوضاع، وهذه الحرب التي تعيشها بلاده.

المرتبات
يعتقد محمد أن توقف صرف المرتبات كان أقسى على الناس من الحرب…يتحدث بلغته البسيطة عن تجربته مع عائلات الموظفين بصفته يبيع ما هو احتياج يومي وضروري لكل العائلات؛ وبالتالي فهو يعرف ما كانت عليه أوضاع المتعاملين معه، وما باتت عليه اليوم.. يقول بمرارة: كان لديّ زبائن من عائلات كثيرة يشترون مني الخضار بالسِّلال، بينما صاروا – الآن – يشترون بالكيلوجرام، والذين كانوا يشترون بالكيلوجرام صاروا يشترون أقل من الكيلوجرام، لدرجة صرنا نقسم الخضار في أكياس، كل كيس سعر الخضار فيه بمئة ريال؛ لأن الكثير من الناس لم يعودوا قادرين على الشراء بالكيلوجرام، حتى البسباس (الفلفل الأخضر)، الذي كان أرخص أنواع الخضار صار يُباع بأكياس، يحتوي كل كيس على عدد معين من الفلفل..
تمر على مُحمّد – يوميًّا – حكايات كثيرة.. وهو يتحدث عن تجربته، يشير إلى حالات كثيرة ممن كانوا في حالة جيدة وباتوا اليوم يأتون إلى الدكان ليأخذوا ما يفيض لديه من خضار سيتعرض للفساد لو استمر لليوم التالي… «ولولا قسوة الظروف الناتجة عن الحرب ما اضطروا لهذا».. يقول.

أبو مئة
لقراءة أوضح لمأساة اليمن جراء الحرب بعين بائع الخضار، يمكن القول: إن معاناة اليمنيين مع الاحتياج اليومي المتمثل في الخضار تكمن في أمرين: توقف صرف المرتبات لتسعة أشهر متوالية، وارتفاع أسعار الخضار ما بين مئة وثلاثمئة بالمئة، وهو ما زاد من معاناتهم، وضاعف من افتقارهم؛ لأن مبلغ الألف الريال الذي كان يوفر للعائلة المتوسطة خضارًا يُغطي احتياج بضعه أيام، صار – حاليًّا – بالكاد يُغطي يومًا واحدًا من كيس (أبو مئة)، وكيس أبو مئة هو عبارة عن أكياس يضع فيها الخضري (بائع الخضار) بضع حبات بطاط ،أو بضع حبات طماطم، أو بضع حبات ليمون، أو بضع حبات فلفل أخضر، أو بضع حبات بصل.. وهذا النظام هو نتاج الحرب التي ماتزال تلتهم الشجر والحجر والبشر في اليمن من أذار/ مارس 2015، وأصبحت بسببها البلاد تعيش أكبر أزمة أمن غذائي في العالم، ويزداد فيها الوضع الإنساني سوءًا يومًا بعد يوم، خاصة بعد انتشار وباء الكوليرا فيها.. وتفيد تقارير الأمم المتحدة بأن هناك نحو 19 مليون شخص (80 % من السكان) يعانون من النقص الغذائي الشديد، ويحتاجون إلى المساعدة الإنسانية العاجلة، ويواجه 7 ملايين منهم خطر المجاعة… وتشير الأمم المتحدة إلى أن الصراع في اليمن أدى إلى مقتل أكثر من 9 آلاف شخص، وإصابة أكثر من 45 ألف شخص منذ تصاعد أعمال العنف قبل أكثر من عامين.

وبعد..
تُمثّل تجربة مُحمّد (بائع الخضار) امتدادًا لنزيف مرير لمعاناة شعب اُبتلي بمعركة السلطة والثروة… وهي معركة تداخلت فيها المصالح الإقليمية والدولية؛ فازدادت معها الأمور تعقيدًا، وتفاقمت معها معاناة الناس، والتي – للأسف – لم يلتفت لها العالم؛ لأن له اعتباراته ومصالحه في معترك هذه المصالح التي تتصارع على المنطقة، ويدفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا في مضمارها..!!
يعتقد مُحمّد أنه صار في الأربعينيات من عمره على الرغم من أنه في العشرينيات؛ وذلك انطلاقًا مما خاضه وعاشه في واقع حرب تعيشها بلاده، ومثل كل الناس الذين شاخوا قبل الأوان؛ بسبب الحرب… ومُحمّد ليس سوى مثل حيّ لمعاناة ملايين اليمنيين الذين تنزف حيواتهم – يوميًّا – على طريق موحش، نأمل أن يتجاوزه، قريباً، هذا البلد الذي يُعدّ من أفقر بلدان العالم.

تعليقات