Accessibility links

Advertisements

فيلادلفيا – « اليمني الأميركي» – كب كوزاد:

الهجرة ظاهرة ممتدة عبر التاريخ تمنح صاحبها فرصة التعرف على ثقافات وعوالم وحكايات. وتكون الهجرة مثمرة حين تكون هجرة احتراف، كما هي قصة المهاجر اليمني د. نزار الحبشي التي تؤكد أن المهاجر المؤهل يكون أكثر حظًا في الفوز بفرص أفضل، حتى وإنْ كانت هناك معاناة، لكنه في الأخير يتمكن من تحقيق ذاته وإبراز تفوقه؛ لأنه استطاع أن يكون كذلك في وطنه الأم وأصبح أكثر من ذلك في مهجره.

هناك مقولة بالإنجليزية مفادها أن الماء يجري دائمًا لمستقره، وبالنسبة للدكتور نزار الحبشي فقد استغرق الأمرُ بعض الوقت لكي يصل الماء إلى مستقره، فطريق الدكتور الحبشي كان متعرجًا، تمامًا كطرق اليمن.

 

مرت تجربة الدكتور الحبشي بعدد من المراحل قبل أن يجد له مكانًا في ضواحي فيلادلفيا، حيث يعمل في جامعة تيمبل (أستاذ مشارك) ومدير مركز للأبحاث في مجال الميكروبيوم؛ وهو تخصص جديد نسبيًّا يستخدم المادة الوراثية لدراسة مجتمعات البكتيريا والفطريات في الجسم.

وتركزت أبحاثه تحديدًا على مايكروبيومات سرطان الفم. تلقى الدكتور الحبشي مؤخرًا منحتين ماليتين تنافسيتين من المعهد الوطني للصحة لإجراء أبحاثه؛ وهو إنجاز نادر حتى بالنسبة للمتقدمين الأكثر خبرة.

 

طب الأسنان 

وُلد نزار لأبوين من عدن كانا يعيشان تحت الحكم الاستعماري البريطاني، ثم انتقلا إلى صنعاء حيث وُلد وترعرع نزار وعمل أبوه، نور الحبشي، في شركة البرق واللا سلكي البريطانية – المعروفة، حاليًّا، باسم « تيليمن».

كانت أسرة نزار تولي التعليم اهتمامًا كبيرًا، وهو ما قاده للحصول على بكالوريوس في جراحة الفم والأسنان من جامعة العلوم والتكنولوجيا، ضمن أول دفعة، من أطباء الأسنان، تتخرج من اليمن.

 

كان نزار مصرًّا على مواصلة تعليمه، لكن الفساد في اليمن كان بمثابة حاجز أمام تقدمه، إلا أن موهبته الأكاديمية لفتت انتباه علي إدريس، البروفيسور السوداني الزائر، والذي كان يرتبط بعلاقات جيدة مع الجامعات الاسكندنافية، ولكونه أحد طلابه المتفوقين، فقد فوجئ الدكتور إدريس بأن نزار لم يتمكن من الحصول على فرصة لإكمال الدراسات العليا، فاقترح أن يقوم نزار بالتقدم لجامعة بيرغن في النرويج.

يقول الدكتور الحبشي: «لقد سحب البروفيسور إدريس آخر طلب من حقيبته، وقال: «لنملأ هذا الطلب ونرسله». وبذلك أصبح نزار أول يمني يحصل على منحة دراسية كاملة في جامعة بيرغن، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين.

 

الأبحاث 

عاد الدكتور الحبشي، بعد حصوله على درجة الدكتوراه، إلى اليمن للعمل في جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء، حيث تولى تدريس علم الأحياء الدقيقة (المايكرو بايولوجي) لطلاب طب الأسنان والصيدلة والطب لمدة ست سنوات قبل أن يقبل بوظيفة في المملكة العربية السعودية، حيث أصبحت الأبحاث محور عمله المهني إلى جانب التدريس.

تلقى الدكتور نزار بعض التمويل لدعم نشاطه العلمي في المملكة العربية السعودية، لكنه كان يتطلع لمزيد من النجاح والعمل في بيئة تدعم كثيرًا البحث العلمي، حينها تقدم الدكتور الحبشي لأحد المناصب الشاغرة في جامعة تيمبل الأميركية، وحصل عليه.

 

السفر

لقد أتاحت تنقلات الدكتور الحبشي أن يتعرف على العالم، فمثل الكثير من اليمنيين، يوفر السفر مستوى من التجربة العالمية ليس متوفرًا في معظم البلدان.

يقول: «لقد كان العيش في النرويج تجربة سيئة للغاية من الناحية الاجتماعية، فالنرويجيون، رغم أنهم طيبون، باردون وهادئون للغاية، ولم يكن ذلك هو المكان المناسب ليمنيّ قادم من مكان شديد الصخب».

 

لكنه عندما زار الولايات المتحدة، قبل أن يعيش فيها، أحبها على الفور، فقد أعجب بتنوع وحيوية الثقافة.

وفي سعيه لإيجاد بيئة آمنة لعائلته ومدارس جيدة لأطفاله الأربعة، وجد الدكتور الحبشي نفسه بعيدًا عن التجمعات السكانية اليمنية والعربية في الضواحي الشمالية الشرقية لفيلادلفيا، وفي ظل وجود مشكلات تتعلق بالتأشيرة، تعاني زوجته بسبب عدم قدرتها على العمل، فيما يدرس ثلاثة من أبنائه في مدارس يتعين عليهم فيها استكشاف الفروق الثقافية.

 

الحرب في اليمن

لم ينسَ الحبشي وطنه اليمن، فمن خلال تواصله مع الكثير من اليمنيين في جميع أنحاء العالم يعتبر نفسه ناشطًا في الوضع الذي يعاني منه اليمن الآن جراء الحرب. ومثل الكثير من اليمنيين، كان يعتقد في بادئ الأمر أن التدخل الذي تقوده السعودية من شأنه أن يساعد اليمن، إلا أنه وبعد مرور أربع سنوات على بدء الحملة الخارجية، أدرك أن موقفه الأول كان خاطئًا، فقد أدى التدخل الخارجي إلى جعل الوضع أكثر سوءًا.

 

اليمنيون في أميركا

يتمنى الدكتور نزار أن يصبح اليمنيون أكثر انخراطًا في المجتمع الأميركي، ويريد أن يرى اليمنيين الأميركيين يناضلون لمزيدٍ من الحضور الاقتصادي.

وليس من المستغرب أن يعتقد أن التعليم هو المفتاح؛ لقد بدأ العديد من اليمنيين الحاصلين على درجة الدكتوراه تعليمهم في اليمن، لكنه لا يرى الكثير من الأميركيين اليمنيين المولودين في أميركا يناضلون من أجل تحقيق مثل هذه الأهداف السامية.

 

«نود أن نرى المزيد من المحترفين اليمنيين الأميركيين، وأن يصبحوا أكثر انخراطًا في السياسة، ويعملوا في كل مكان في الحكومة الأميركية للإسهام في خدمة البلاد.»

إن ارتباط أسرة الدكتور نزار الحبشي بحقبةٍ قديمة في عدن وبيمنِ ما بعد الثورة هي حكاية من الماضي، فقصته مرتبطة، إلى حدٍّ كبير، بيمن القرن الحادي والعشرين.

 

لقد دفع الصراع وعدم الاستقرار الاقتصادي الدكتور الحبشي إلى كثرة التنقل، وعلى الرغم من كل المصاعب والجهد، فإنه موجود الآن في مكان يشعر فيه بالتقدير، والولايات المتحدة أفضل بكثير من هذه الناحية.. وكابنٍ بارٍّ بوطنه اليمن، سيكون له دائمًا موطئ قدم في أميركا، وموطئ قدم آخر يدفع به نحو السلام والاستقرار في وطنه اليمن.

Advertisements

تعليقات