Accessibility links

عبد الباري طاهر
أصدر الدكتور والباحث الأكاديمي أحمد قايد الصايدي كتابه المهم «من القرية إلى عدن: جسرٌ بين عصرين» متحدثاً عن قريته «البرحي» الثاوية في سفال جبل الجرادي والحصن المطل عليها وقرى بيت الصايدي.

الكتاب المتوسط الحجم (248 صفحة) سيرة تاريخية، اجتماعية، ثقافية ترصد حياة القرية والقرى المجاورة لها، وسيرة أبناء هذه القرى، وبالأخص أسرة الصايدي، وسيرة المؤلف، ورحلته منذ الطفولة، والقيم والتقاليد، والعادات: الأفراح،  والأتراح، والفلاحة، وكل مسميات أدوات الإنتاج، والحرف والمهن الموجودة، وعلاقات أبناء القرية ببعضهم وعلاقاتهم بالحكم، والاغتراب: عوائده، ومآسيه.

الدكتور أحمد قايد الصايدي عصامي وعالم جليل ومناضل عتيد. ابتدأ الرحلة التعليمية من الكتاتيب وما قبلها “المعلم” التقليدي المهتم بحروف الأبجدية، وحفظ صغار السور، والكتابة على الألواح المنتشرة حينها في القرى اليمنية كلها.

يبدأ الرحلة إلى عدن. فالابتدائي والمتوسط كانا في معهد ثم مدرسة بازرعة، ثم الثانوية في مصر. درس الكلية العسكرية في حمص، والدكتوراه في ألمانيا الغربية. وإذا كانت رحلته العلمية متواصلة، فإن نضاله السياسي والمدني لم يتوقف هو الآخر.

انتمى باكراً لحزب البعث العربي الاشتراكي، وكان من القيادات المرموقة فيه. جَمَّدَ عضويته بسبب تحولات داخل حزبه، وربما بسبب الظروف الدراسية والتخصص، وهذا ما يؤكد عليه.

لا يرصد سيرة القرية وقرى المنطقة الوسطى فحسب، وإنما يمتد بتدوين سيرة بداية النشاط السياسي والحزبي، والصحف، والتعليم في مستعمرة عدن.

الصايدي مؤرخ حصيف دقيق وموضوعي، وتتسم قراءته المعمقة بالأمانة والموضوعية ودقة التحري. كتابه (أطروحته) للدكتوراه «حركة المعارضة اليمنية في عهد الإمام يحيى بن حميد الدين» من أهم المباحث المؤرخة للمعارضة السياسية في الفترة (1904-1948)، ويعتبر من أهم مراجع البحث لكل الدارسين والمؤرخين من بعده.

كتابه «من القرية إلى عدن» يكاد يتفرد بالتاريخ للقرية اليمنية. فهو يدرس القرية بالحالة البيئية التي مر بها الشلال (الدردوش)، والأشجار التي يأتي على أسمائها المتداولة في المنطقة، ومسميات أدوات الزراعة، وأماكن الحصاد، وحفظ المحاصيل الزراعية، وأسماء الجُباة (الخُرَّاص)، وعسكر الإمام وأساليب تعاملهم مع المزارعين. كما يتتبع بدقة وتفصيل التبدلات التي تمر بها القرية في الوسطى، وأثر الهجرة عليها، وصولاً إلى مرحلة قيام الثورة، وأثر التعليم في جيله الذي يمثل الربط بين عصرين.

يدرس حياة الرجل والمرأة، القيم والتقاليد، والملابس، ووظائف الرجل والمرأة في البيت والعمل، ومسئولية كل منهما. يأتي على ذكر حياة المرأة ومسئوليتها ومكانتها، والطعام في القرية، والأعياد والمناسبات، والأساطير، والمواسم الزراعية، والألعاب وأسمائها.

يصف ليل القرية وحياة السمر، والحزاوي (سمائي)، ويتحرى الضبط للسُمَّايات (الحكايات الشعبية)، وقد اشتغل عليها حمزة لقمان، وعلي محمد عبده، وأروى عثمان، واشتغل الأستاذ مطهر على الإرياني على المعجم اللغوي (المعجم اليمني في اللغة والتراث)، بينما اشتغل الدكتور جعفر الظفاري والدكتور عبد العزيز المقالح والدكتور محمد عبده غانم على الأغنية الصنعانية والحميني اليمني والشعر الشعبي وجمع الأستاذ عارف الحيقي طائفة من الأشعار الشعبية في  قريته، أما الأستاذ بامطرف فقد تناول الأوزان الشعرية في الشعر الشعبي، وكتب الأستاذ محمد أحمد العقيلي عن الأدب الشعبي في جنوب الجزيرة، كما  اهتم الأستاذ داود بازي بالحالة الاجتماعية والأدب الشعبي في زبيد، وكتابه المهم حالياً تحت الطبع، كما اهتم العزي حديدي بالأشعار الشعبية في منطقته (بيت الفقيه)، واهتم الأستاذ الباحث عبد الله خادم العمري بالأمثال الشعبية في تهامة، وسجل الشاعر عمر الضرير ألواناً متعددة من الأشعار الشعبية في تهامة.

تحت عنوان «التعايش مع الطبيعة » يتناول الدكتور بيته وقريته، والأشجار ومختلف أنواع النباتات فيها، والطيور.

يقف مطولاً إزاء العلاقة بالحكومة، والمظالم والتنافيذ والضرائب والإتاوات والمكوس التي يفرضها الحكم على المزارعين وسكان القرى.

يتناول سيرة عشيرة الصايدي في قريته والقرى المجاورة. تتبعها تاريخياً في «سبائك الذهب»،  وانتقالها من بلاد حاشد، والمراحل التي مرت بها الأسرة، وهو أسلوب مهم في التوثيق للأسر والأدوار التي عاشتها وانتقالاتها إلى عدن والمهاجر الأخرى.

يتناول السفر إلى عدن، وهو عنوان الرحلة (السيرة)، وصعوبة الانتقال فترة الخمسينات في ظل انعدام وسائل الانتقال من القرية إلى القاعدة، ثم صعوبة الطرق الوعرة غير المعبدة والجبلية في مناطق وترابية في مناطق أخرى، وصولاً إلى عدن عالمه الجديد المبهم. كانت عدن يومها هي الجسر بين عصرين: عصر القرية: خارج العصر، وعدن: عالم عصر القرن العشرين في كل جوانب الحياة. ففي عدن ميدان التعليم الحديث، وبداية التعرف على التيارات السياسية الحديثة، ومحاولات أساتذته استقطابه. وحقيقةً، فإن الخمسينات بداية تكون الأحزاب السياسية الحديثة. فالبعث، وحركة القوميين العرب، والرابطة، والاتحاد اليمني، والتيار الإسلامي، والتيار الماركسي يرتبط تكونها بالخمسينات، وكانت تتسابق على كسب الأعضاء والمنتمين، خصوصاً في الطلاب والحركة العمالة.

وكدأب الدكتور الصايدي في التحقيق يصف مدينة عدن، ومنشأ التسمية، والحارات والسكان، ويتذكر زملاءه وأصدقاءه، والالتحاق بمدرسة الإنقاذ ثم المعهد الإسلامي ثم مدرسة بازرعه الذي درس فيه على يد الأساتذة: محسن العيني، وأحمد المروني، ثم رحيله في العام 61 إلى مصر ليدرس الثانوية العامة فيها، ثم سفره إلى سوريا.

الرائع تذكر الدكتور لأساتذته والعرفان لهم بالجميل: أحمد علي السلامي العضو القيادي المؤسس في حركة القوميين العرب، وسالم زين الذي بدأ إسلامياً ليصبح في قيادة حركة القوميين العرب إلى جانب رفيقه أحمد علي السلامي، وعمر سالم طرموم أحد المؤسسين الأوائل لتيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين)، وقد تعرض الأستاذ عمر سالم طرموم للقمع والاضطهاد، كما يذكر  زملاءه: فضل النقيب الشاعر والأديب والصحفي اللامع متعدد المواهب، والفنانين: محمد عبده زيدي، و أحمد بن أحمد قاسم وغيرهم.

يؤرخ لبداية “الوعي السياسي”…  يتذكر حالة القرية التي لا أحد فيها  يعرف ما هي السياسة، وما هي الأحزاب. ولا ما هي النقابات، ولا الجمعيات، ولا الصحف، ولا الإذاعة، ولا العالم الحديث.  ثم يشير إلى حالة عدن حينها، ويتتبع بدقة المقارنة بين حالة القرية وحالة عدن، متناولاً الوضع السياسي، وعلاقة الحركة السياسية في الجنوب بالشمال.

يذيل الكتاب بملحق (1) يتضمن «أوراق من حياة بحري»، وهي محاضرة ألقاها الدكتور في ندوة المغتربين اليمنيين بصنعاء 1999.  والملحق (2) نماذج من أغاني وأهازيج القرية، وهي نماذج رائعة اختارها الدكتور بعناية فائقة وحس مرهف وذوق رفيع.

في مطلع السبعينات عمل الدكتور عبد الرحمن عبد الله وفريق من الأدباء على تجميع التراث الإبداعي الشعبي في مناطق عدة من الجنوب؛ فجمعوا ثلاثة كراريس ما بين الحكاية والشعر الشعبي، كما اهتم الأديب يحيى جحاف بتجميع نماذج من حجة، وعمله رائع ومائز.

مؤلف الدكتور المؤرخ إضافة نوعية لسيرة قريته التي لها امتداد بالمنطقة الوسطى كلها،وحياتها –يومها- أنموذج للعشرات والمئات من القرى اليمنية

تعليقات