Accessibility links

بقلم: عبدالباري طاهر

تحت ضغطٍ دوليٍ قوي انصاعت أطراف الحرب اليمنية للذهاب للمشاورات بل المفاوضات في السويد. مفاوضات السويد ليست معطىً من معطيات الضغط الدولي فقط- رغم أهميته-، وإنما هو أيضاً شاهد عجز الأطراف- بما في ذلك التدخل الإقليمي والدعم الدولي- عن تحقيق الحسم العسكري.

Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

دَوي تدمير المدن اليمنية، وجرائم الحرب التي شردت الملايين داخل أرضهم، وقتلت عشرات الآلاف، ونشرت الأوبئة الفتاكة، وتسببت في تجويع أكثر من ثلث السكان- هي بطلة إرغام الأطراف كلها للتفاوض في السويد.

التلاقي المهم، والتفاوض الأكثر أهمية تكتنفه العديد من العقد، والكثير من الشكوك، وانعدام الثقة، ومخاطر تبدأ ولا تنتهي؛ فكل طرف ذهب مرغماً، أو هكذا يبدو الأمر.

كل طرف يلغي الطرف الآخر، وهو يرى أنه كل الحق والحقيقة، والآخر الباطل والشر كله، ولا تزال أوهام الغلبة والقوة والتفرد حاضرة لدى أطراف الصراع؛ فلكلِّ طرفٍ مخاوفه وأوهامه.

القوى الإقليمية الوارطة في الصراع تغذي الشكوك والمخاوف، وتدفع وتُقَوِّي عوامل التوتر والحرب. ولعل أخطر ما شهدته اليمن في هذه الحرب هو استطالتها، وامتداداتها في الأرض اليمنية كلها، وضعف أطراف الحرب الأهلية: الشرعية، وأنصار الله لصالح الصراع الإقليمي والدولي.

أطلقت جماعة نداء السلام بياناًً يؤيد ويحظ على اللقاء، ويضع تصوراً سلامياً للحل يربط عميقاً بين وقف الحرب والحل السياسي السلمي، وبين إجراءات الثقة. فإجراءات بناء الثقة لا تتصادم بحال مع الحل السياسي الشامل؛ فهي تبني المداميك الأساسية للحل؛ فلا حل سياسياً بدون الخطوات الإجرائية الأولية الموصلة للحل، كما أنه- أيضاً- لا يمكن لهذه الإجراءات الجزئية أن تنجح بدون ربطها بالحل السياسي الأشمل، وتوفر الثقة وحسن النية.

الإطار العام المقدم من الأمم المتحدة يقدم تصوراً دقيقاً للحل فيما لو توافقت عليه أطراف الحوار، وسار عليه التفاوض. فالإطار العام المصاغ بدقة ومهارة وحذق يجسد عميقاً الربط بين الإجراءات الآنية (بناء الثقة)، والإجراءات البعيدة المدى (الحل السياسي)؛ فهي حلقات متينة الترابط؛ إذ يحدد الإطارُ المبادئَ والمعاييرَ للمفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة رابطاً بين السياسي والأمني، وبين قضية الجنوب- وهي قضية أساسية-، وبين الدستور الجديد والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وإجراء انتخابات. يحيل الإطار إلى مبادرة التعاون الخليجي، وإلى مخرجات الحوار، والقرارات الأممية، وبالأخص القرار (2216)، وجميع الجهود السابقة.

يركز الإطار على سحب الأسلحة، وآليات لمراقبة الأسلحة الثقيلة مع وقف كامل لإطلاق النار، وجدول للترتيبات الأمنية المتفق عليها.

في الترتيبات السياسية يدعو لتشكيل حكومة شاملة تحدد اتفاقية الانتقال بولاية وسلطات الحكومة بجدول زمني وآليات شاملة.

– القضية الجنوبية.

– دستور جديد.

– اللامركزية، وإدارة الموارد.

– العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية.

– قوائم الناخبين المحدثة.

– الانتخابات المحلية والوطنية.

والأهم في الإطار أنه بعد توقيع الاتفاق الانتقالي يطلب مبعوث الأمم المتحدة قرار مجلس الأمن بإنشاء مرسوم رئاسي بالمؤسسات الانتقالية المتفق عليها، بما في ذلك الترتيبات التنفيذية الجديدة، ويرتبط به سحب الأسلحة والدستور، وتقوم لجنة المراقبة الدولية بالإشراف على جميع الخطوات.

يجري التفاوض حول تبادل الأسرى والمختطفين والمعتقلين، وقد توصل الطرفان إلى اتفاق حول هذه القضية شديدة الأهمية، كما يجري التفاوض حول فتح مطار صنعاء، وفك الحصار عن تعز، ومعالجة وضع البنك المركزي، وإيرادات الموارد، وصرف المرتبات، وكلها قضايا أساسية للوصول إلى حل سياسي شامل.

مدينة الحديدة وميناؤها حجر الزاوية في العملية كلها، وما كانت تقبل به الشرعية بالأمس لم تعد تقبل به اليوم بعد أن وصلت قواتها إلى أطراف المدينة وعلى مقربة من الميناء، لكن العقدة لا تقف عند تخوم إسقاط المدينة والميناء- رغم صعوبة ذلك-، وإنما العقدة الكبرى أن إسقاط الميناء – رغم الخسارة الكبيرة التي ستلحق بأنصار الله ومليشياتهم، وفقد الموارد المهمة- إلا أن الضرر والخطر الكبير سوف يطال ستة ملايين هم سكان تهامة، ويمتد لإحدى عشر محافظة تقع تحت سلطة الأمر الواقع، وتضم ثلثي سكان اليمن، وقد تمتد إلى أبعد من ذلك. فميناء الحديدة هو الشريان الحي الذي يمد ما يقرب من 80% من سكان اليمن، وفيه تهديد وجودي لهذه الملايين.

الشرعية والتحالف الاثنا عشري يتجاهلون خطورة إماتة 80% من سكان اليمن. الأمم المتحدة ومجلس الأمن شديدا الإدراك لهذه الكارثة الوجودية، ويضغطان على أطراف الحرب لتجنبها.

بلادة الضمير الإنساني قاسم أعظم مشترك بين جميع أطراف الحرب الأهلية والإقليمية والدولية، والضغط المجتمعي في بلدان الدول الكبرى، وتحديداً أمريكا وبريطانيا وفرنسا، هو ما يلجم دول هذه البلدان، ويدفعها للضغط بمستوى ما على السعودية والإمارات وإيران- الفاعلين الأساسيين في الحرب- لتجنيب الحديدة كارثة غير مسبوقة في التاريخ البشري.

مصير الحديدة يحدد مستقبل الحرب في اليمن؛ فإذا ما سقطت المدينة وميناؤها، وهو ما تسعى له الإمارات المتحدة والسعودية، فإن أبواب الحرب في اليمن تكون كلها قد تكسرت أمام لا نهاية للحرب، وهو احتمال غير مستبعد.

Advertisements

تعليقات