Accessibility links

حينما التقيت محمد بايج – القادم من سوريا التي مزقتها الحرب- كنت في رحلة إلى توليدو في ولاية أوهايو لزيارة صديقي شين لاكاتوس الذي قضى سنوات في خدمة الجالية العربية هناك جنباً إلى جنب مع زوجته لونا، وذلك من خلال إنشاءهم منظمة الخدمات الاجتماعية للجالية العربية (Social Services for the Arab Community ، SSFAC) وتعنى بخدمة الناس –ببساطة– على أساس أنهم بشر، بصرف النظر عن أية مسميات أو خلفيات يأتون منها.

اليمني الأميركي: ستيفن كوتس – توليدو

في ذلك اليوم كان شين قد اصطحب محمد لحضور موعد مع أحد الأطباء في المركز الطبي بجامعة توليدو، فلقد عانى محمد في حياته من العديد من التحديات التي تضاعفت جراء إعاقته الجسدية بسبب شلل الأطفال، مما جعل حركة محمد رهينة للكرسي المتحرك.

قام الأخصائي الاجتماعي بطرح عدد من الأسئلة على محمد، وقدم أقصى ما يمكن من التسهيلات له، وفي نهاية المناقشة سأل عمّا اذا كان بإمكانه عمل أي شيء آخر لمساعدة محمد. للحظات بدا محمد مترددا، لا يدري ماذا يقول، وقفزت الدموع من عينيه، ثم قال: “شكرا جزيلا”، واستطرد يسرد للأخصائي الاجتماعي كيف انه لم يتلق أبدا معاملة طيبة مثلما عامله بها الأخصائي الاجتماعي أو شعر بقيمته كشخص مثل اليوم، فكل ما مر به في هذا اليوم كان مختلفا.

ولأنه كان علينا أن ننتظر لموعده المقبل لإجراء تعديلات على الكرسي المتحرك، قررنا الذهاب إلى الخارج وتناولنا بعض القهوة، وآنذاك أتيحت لي لحظات قليلة لطرح بعض الأسئلة على محمد حول تجربته كلاجئ سوري، وفيما يلي بعض مما أخبرني به …

يقول “غادرنا سوريا للأردن. وعندما كنا لا نزال في سوريا، لم أجد أحدا لمساعدتي في الخروج من بيتي عند بدء الغارات الجوية والقصف والصواريخ. انتشلتني زوجتي، وأخرجتني من بيتنا إلى الشارع، وقضيت ليلتي نائما في الشارع. ثم ذهبت إلى الشام وبعدها إلى درعا، وهناك أخبرني أشخاص أن بإمكانهم أن يأخذونا إلى الأردن. فوافقت! نقلونا في المساء بسيارات تشبه تلك التي تستخدم لنقل الأغنام، وألقوا بنا أنا وزوجتي وأولادي في أحد الشوارع المقفرة. وعندما سألناهم عن الشخص الذي من المفترض أن يأخذني قالوا لنا بأنه سيصل إلينا في غضون نصف ساعة. لقد تركونا في الصحراء حتى الساعة 3:30 فجرا بدون إعطائنا حتى ضوء.

ثم جاءت قافلة أخرى، وكانت مهمتهم نقل الناس إلى الأردن عبر الحدود. وكان هناك شخص من أصل فلسطيني، لم يكن مواليا لا للجيش الحر ولا للآخرين. أسأل الله أن يوفقه! جاء ذلك الشخص وحملني لمسافة 7 كيلومترات حتى عبرنا الحدود، وجاء إلى الأردن. وفي الأردن بقيت في مخيم الزعتري لمدة 4 أيام، وكان الوضع في مخيم الزعتري سيء للغاية.

وبعد ذلك خرجت من مخيم الزعتري. حيث تكفّل أحد الأشخاص وأخرجني من المخيم. ثم أتصلوا بي من إدارة الهجرة للاطلاع على المستندات الخاصة بي من أجل الذهاب إلى أمريكا، وسافرت ووصلت إلى أمريكا. الحمد لله! هكذا صارت الأمور.

وأما بالنسبة للوضع في أميركا، فيضيف محمد القول “لقد أرسل الله لي ناس عاملوني بشكل أفضل مما عاملني به الناس في بلدي. أعني ما أقول من صميم قلبي! بكل أمانة وإخلاص! وبالنسبة للمنظمات في الولايات المتحدة، فأولا وقبل كل شيء، تم وضعي في منظمة في دايتون أوهايو، وهم أسكنوني في منزل يعج بالصراصير، منزل قذر. فقلت لهم أنني لا أستطيع البقاء في ذلك البيت، وأجابوا بأنه ينبغي علي البقاء فيه، فأخبرتهم بأن سوريا والأردن جعلتاني أشعر بالاشمئزاز، سوريا بسبب الحرب، وكذلك الأردن سببت لي الاشمئزاز، إنما أميركا هي المكان حيث يمكن للمرء أن يجد فيه حقوق الإنسان، وحيث يمكن للمرء أن يشعر بقيمته ويعيش بكرامة. لقد عشت في سوريا لمدة 31 عاما بدون أن أشعر بقيمتي، فلم يكن الناس يعترفون بقيمتي كشخص بسبب وضعي الصحي، ففي سوريا لا يعترف بي كشخص كامل. ما أعنيه هو أنني إذا تقدمت للحصول على وظيفة عامة فسيتم طردي من المكتب، ولن يرحب بي أحد. وحتى في مراكز التسوق لن يرحب بي أحد لأنني لا أستطيع المشي ولأنني أحتاج لمن ينتشلني من الأرض ويحملني إلى أي مكان أود الذهاب إليه. لقد أتيت إلى أميركا لأنها المكان الذي فيه يمكن للمرء أن يجد حقوق الإنسان. قلت للمرأة التي من المنظمة أنني أطالب بحقوق الإنسان. فقالت لي بأن حقوق الإنسان تتطلب مني البقاء في ذلك البيت. فقلت لها ما دام الأمر هكذا فسوف أبقى في الشارع. فقالت لي بأني إذا ذهبت للبقاء في الشارع فستأتي الشرطة لأخذي ووضعي في أحد الملاجئ. فسألتها عما إذا كان ذلك حقا هو الوضع في أميركا، وما إذا كانوا سيضعونني في ملجأ. فقالت لي نعم، وأنها سوف تضعني في ملجأ. فقلت لهم: أعيدوني إلى صواريخ بشار الأسد.

ولكن اتضح لي فيما بعد أنه لا زال هناك من يحمل في قلبه الرحمة. جاءتني امرأة اسمها رانيا، أسأل الله أن يبارك فيها! سمعت هذه المرأة عن قصتي وتحدثت إلى رجل يدعى شين يعمل في منظمة الخدمات الاجتماعية للجالية العربية في توليدو، وقاما بالتنسيق لإحضاري من دايتون الى توليدو. ماذا يمكنني أن أقول في هذا الأمر؟ لساني عاجز عن وصف شعوري بالامتنان والشكر لهم على ما قاموا به لأجلي. فأنا لا أشعر بأنني معاق عندما يحملني من الأرض أو يضعني أو يذهب بي إلى أي مكان أريد الذهاب إليه، ويعبّر عن سعادته لعمل ذلك.

لقد كان لي أصدقاء ممن إذا قام الواحد منهم بحملي مرة واحدة أو مرتين فلا يسلّم علي بعد ذلك حتى لا يضطر لأن يحملني لمرة ثالثة. وأنا هنا منذ شهرين ونصف أو ثلاثة أشهر تقريبا، وهو دائما يحملني من الأرض ويضعني، ولم يتخل عني. لقد جعلني شين أشعر وكأنه أفضل من عائلتي وأصدقائي. كما أن لونا – زوجة شين – أيضا أطيب قلبا من شين، الحمد لله.”

وتستمر قصة محمد. ومنذ أن تعرفت عليه لم تتقدم منظمة الخدمات الاجتماعية للجالية العربية بأي مطالب في مقابل الخدمات التي تقدمها إلى المجتمع بقلب صاف، ولكنها تشجع المستفيدين من خدماتها ممن تمكنوا من الاستقرار أن يصبحوا أعضاء مساهمين في المجتمع بمجرد استقرارهم، وذلك من خلال مساعدة الآخرين، إذ أن محمد قد عقد العزم على تقديم المساعدة بنفسه في احتياجات النقل، فلقد تعلم القيادة، ومن خلال المساعدات المقدمة له من منظمة الخدمات الاجتماعية للجالية العربية وأطراف أخرى أصبح لديه الآن مركبة يقودها، ولديه نيّة صادقة لتقديم خدمات النقل والتوصيل للآخرين في توليدو، لاسيما الوافدين الجدد إلى أمريكا. كما أن منظمة الخدمات الاجتماعية للجالية العربية تواصل تقديمها للمساعدات، وفي واقع الأمر فإن المنظمة لا تمس مبالغ المعونات الشهرية للاجئين في أي حال من الأحوال بل وتؤكد على إعادتها للأسر لاستخدامها لبدء حياتهم الجديدة الخاصة هنا في الولايات المتحدة.

يرجى قضاء بضع دقائق لمشاهدة ومشاركة قصة محمد، والتي تم نشرها في إطار مشروع #RefugeeExperience:

#RefugeeExperience

إن التحدي الذي وضعه محمد أمامنا هو تحديا حقيقيا، ونحن بحاجة لأن نحب بعضنا البعض، بدءا من أنفسنا. وهذا كل شيء!

تعليقات